الثلاثاء 18 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • لو بُعث فينا النبي محمد اليوم.. ماذا سيقول؟

لو بُعث فينا النبي محمد اليوم.. ماذا سيقول؟

لو قُدِّر للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، أن يُبعث ليعيش معنا في أيامنا هذه، هل ستسرّه أحوالنا؟!
هل ستسرّه الأضواء والدهانات الخضراء التي تُزيّن شوارع ومباني مدننا، وغالبنا الأعم يقف في طابور انتظار الراتب سنين، فيعود خالي الوفاض، وعياله يسألونه: "أين الخبز يا أبتِ؟".

هل ستُريحه الزوامل التي تصدح بها الحناجر في كل وادٍ، ونحن نذبح بعضنا باسمها؟
أناشيد الحماس تعلو، وبطون الجياع تُعلو أنينًا أشدّ منها!
هل سيسرّه الاقتتال الذي صار خبرنا اليومي؟
أخ يقتل أخاه، هل سيسره حالنا حين صار الأخ يقتل أخاه طاعة عمياء وانقيادًا ذليلًا لساسة مستبدين ظالمين، يتاجرون بدماء الأبرياء في أسواق السياسة، ويدمرون مقدرات البلاد ويزعمون أنهم يدافعون عنها، يذلون في البلاد عباد الله ويذيقونهم أوجاع الفقر والجوع ويزعمون أنهم يدافعون عن كرامتهم.
دماؤنا صارت عملتهم، ووجعنا صار بضاعتهم، وخراب بيوتنا صار إنجازهم الذي يتفاخرون به.
هل ستُفرحه الدورات الثقافية التحريضية؟
دروس تُلقى ليل نهار تغذي الحقد والكراهية، ونسينا الدرس الأول الذي جاء به: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وهل سيهون عليه حال الأسرى والمعتقلين سنوات طويلة وهم بين جدران الزنازين المظلمة الكئيبة؟
رجالٌ في الظلمات، وأمهاتٌ ينتظرن على الأبواب، وأطفالٌ يسألون: "متى يعود أبي؟"، صاروا أوراقًا تُقلّب على طاولات السياسة، يُساوَم بهم، ويُؤجَّل بهم، ويُتاجر بدمعهم بين الأطراف!
أما قال عليه الصلاة والسلام: "فُكّوا العاني"؟ فأين نحن من وصيته هذه؟!
وما سنجنيه من الإضاءات الخضراء وأولادنا نزلاء المعتقلات منذ سنوات ظلمًا..؟!
وهل سيرضيه حال الوظيفة العامة التي أخرجناها من ميزان الجدارة والكفاءة، ورمينا بها في دائرة القرابة والنسب والموالاة؟ فيُقدَّم من لا يعرف، ويُؤخَّر من يحمل الشهادة والخبرة، وتُدار مصالح الناس بالولاء لا بالحق والعدل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من استعمل رجلًا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"؟
واللهِ لو وقف بيننا اليوم، لبكى على أسيرٍ بلا تهمة، وعلى موظفٍ بلا راتب، وعلى شابٍ بلا أمل.
ولقال: "أي دين هذا؟ وأي أمة هذه؟
ألم آمركم بالعدل؟ ألم أنهكم عن الظلم؟
أين الرحمة للأسرى؟ أين الإنصاف في الوظيفة؟ أين الكلمة التي تجمع؟".

أين الرواتب..؟!

تخيل أخي القارئ الكريم معي...
لو قدر للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، أن يدخل قاعة الحكم اليوم، ويجلس مع ساسة البلاد وحكامها، ماذا سيقول لهم؟
أظنه سيبدأ بالسلام، ثم يسكت. وسكوته أبلغ من الكلام.
ثم يقول:
"أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا. كتاب الله وسنتي. فأين أنتم منهما؟".
"جئت لأتمم مكارم الأخلاق، فأين مكارمكم؟ جئت رحمة للعالمين، فأين رحمتكم بالرعية؟".
"الله سائلكم عن هذه الأمانة. عن الجائع الذي نام، وعن المريض الذي بلا دواء، وعن الشاب الذي ضاع عمره بلا عمل. أعددتم للسؤال جوابًا؟".
"أرأيتم هذا الكرسي؟ ما هو إلا تكليف. من جلس عليه ليخدم، رفعه الله. ومن جلس عليه ليُخدم، وضعه الله".
وماذا سيفعل بهم يا ترى؟
سيطلب دفاتر المظالم. سيقرأ أسماء الأسرى واحدًا واحدًا. وسيقول: فكوا العاني.
سيدخل السجون بنفسه. سيمسح على رأس اليتيم ويسأل: أين أبوك؟
سيقف في طابور الراتب مع الموظف البسيط. وسيقول للمسؤول: لماذا تعيش أنت في بذخ وهذا الموظف تحرمه من راتبه وتحكم عليه أن يعيش تحت خط الفقر؟
سيزور المستشفيات. سيرى من مات بلا علاج وسيقول: ما هذا؟ أليس المسلم أخا المسلم؟
وسيسأل عن مصير أموال الزكاة والأوقاف والاتصالات، وسيغضب كثيرًا عن الجبايات المجحفة غير القانونية..!
سيجمع تجار الحروب. وسينظر في وجوههم القبيحة، ويقول: اتقوا الله في الأطفال الذين يتمتموهم. في البيوت التي هدمتموها. في الدم الذي أرقتموه باسم الدين والدين منكم بريء.
وسيتأفف على وجوههم:
سيتأفف من الظلم. من الرشوة التي صارت "هدية". من الواسطة التي أكلت حق المستحق.
سيتأفف حين يرى المشرف والمسؤول يبني قصرًا، ويقول: وفلان لا يجد غرفة وينام على الرصيف..!
سيزعجه كثيرًا العدد المهول للمجانين والمتسولين المنتشرين في الشوارع..!
سيتأفف من المنابر التي تحولت لشحن الكراهية بدل جمع القلوب.
سيتأفف من الذي يقول "أنا ولي الأمر"، وينسى قول الله: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها".
وسيقول لهم كلمة واحدة تهزهم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".
الخلاصة
أثق أنه لا ولن يمدح الأضواء الخضراء وأصحابها. ولن يسكت عن الجوع.
سيذكرهم أن الحكم ليس تشريفًا، هو ذبح. إما أن تذبح نفسك لخدمة الناس، أو تذبحك المسؤولية يوم القيامة.
اللهم ارزقنا حكامًا يخافونك فينا، وارزقنا أن نكون رعية تستحق ذلك.