الثلاثاء 18 أغسطس 2026

فساد السلطة أم فساد المجتمع؟

أعرف أخوين نشآ في بيت واحد، لكن سلك كل منهما طريقًا مختلفًا.
الأول مهندس في شركة نفط، تعب حتى تخرج، وعاش براتب محدود، لكنه مستور، بنى بيتًا بسيطًا، وركز على تعليم أبنائه، مفضلًا الاستقرار على الثراء.

أما أخوه، فتعليمه لم يتجاوز الثانوية، وعمل في وظيفة إيرادية، لكنه خلال سنوات امتلك فيلا فخمة وعمارات وشققًا في عدة دول، والعديد من السيارات الفارهة، مع سفرات سياحية واستجمامية، ومظاهر لا تتناسب مع دخله المعلن، أي معاشه.
لم يكن السؤال: من أين جاء بالمال؟
بل: كيف وصل إلى هذا المستوى؟
وهنا.. المشكلة أن المجتمع بدأ يقيس النجاح بالثروة لا بالمصدر. فصار المهندس يُقارن بأخيه، وتراجعت قيمة علمه ونزاهته، حتى داخل أسرته، وبدأت المظاهر تطغى على القيم.
هذه القصة تختصر جانبًا من الفساد في المجتمع؛ إذ لا يبدأ فقط من المسؤول، بل من تغير القيم، حين يصبح المال معيار النجاح، والنفوذ مصدر احترام، والنزاهة ضعفًا.
ومع ضعف الوعي بالمال العام، وتداخل العصبيات والواسطة، تتحول المخالفات إلى "شطارة"، والرشوة إلى "خدمة"، ويبدأ المجتمع في تقليد الفساد بدل رفضه.
الأخطر أن الفساد يصبح نموذجًا للنجاح، فيُحتفى بصاحب المال دون سؤال عن مصدره، بينما يُحاسب الشريف على فقره.
ولا يمكن فصل فساد المجتمع عن فساد السلطة؛ فضعف القانون يفتح الباب للمحسوبية، وتسامح المجتمع مع الفاسدين يمنحهم الحماية والاستمرار.
لكن جوهر المشكلة أعمق: إنه فساد القيم.
حين تصبح الأمانة سذاجة، والنزاهة فقرًا، والواسطة ذكاءً، يفقد المجتمع توازنه الأخلاقي.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار للعلم والعمل والنزاهة، وإلى سؤال غائب: من أين لك هذا؟
ليس حسدًا، بل حماية للمال العام، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر.
فالسلطة الفاسدة خطر، لكن أخطر منها مجتمع يصفق لها.
والإصلاح لا يكون بالقوانين وحدها، وبادعاء الإصلاح لمن هم مفسدون، بل بإحياء القيم التي تجعل النزاهة فخرًا والفساد عارًا.