كيف يصنع الإنسان فراغًا يكاد يخلو من الهواء؟
حين تعمل في مختبر للفيزياء يضم تجهيزات تبلغ قيمتها ملايين اليوروهات. وعندما يسمع الناس هذه الأرقام، يطرق أذهانهم سؤالان طبيعيان: هل هذا نوع من البذخ؟ ولماذا تُباع الأجهزة العلمية بهذه الأسعار المرتفعة؟
أما إجابة السؤال الأول، فقد تناولتها من قبل في مقالات عدة حول أهمية البحث العلمي للحاضر والمستقبل.
فالإنفاق على العلم ليس ترفًا، بل استثمار طويل الأمد. والدول التي أدركت هذه الحقيقة مبكرًا تجني اليوم ثمار ما أنفقته بالأمس، ثم تعيد استثمار جزء من تلك الثمار في أبحاث جديدة تصنع بها تفوقها في الغد، وهكذا تستمر دورة المعرفة والابتكار والازدهار.
أما السؤال الثاني، المتعلق بسبب ارتفاع أسعار الأجهزة العلمية، فله إجابات كثيرة؛ إذ لا نشتري في المختبر مجرد معدن وأسلاك ومحركات، بل نشتري عقودًا من البحث والتطوير، ودقة متناهية في التصنيع، ومواد خاصة، وبرمجيات تحكم، واختبارات للسلامة والاعتمادية، وقدرة على إنتاج قياسات لا تسمح إلا بهامش ضئيل جدًا من الخطأ.
ولشرح ذلك، سأكتفي بمثال واحد: عندما نريد تحضير عينات لا يجوز أن تتعرض للهواء، أو نرغب في دراستها تحت ضغط منخفض جدًا، نستخدم جهازًا يُسمى المضخة التوربينية الجزيئية. فما هذه المضخة؟ وكيف تعمل؟ ولماذا تُعد صناعتها إنجازًا هندسيًا بالغ التعقيد؟
مضخة تطارد جزيئات الهواء
عندما نسمع كلمة «مضخة»، نتخيل غالبًا جهازًا يسحب الماء من بئر، أو منفاخًا يملأ إطار السيارة بالهواء. لكن المضخة التوربينية الجزيئية مختلفة تمامًا؛ فهي لا تتعامل مع الماء، ولا تكتفي بسحب الهواء بالطريقة المألوفة، بل تعمل على دفع جزيئات الغاز القليلة المتبقية داخل حجرة مغلقة، حتى تجعلها شبه خالية منها.
إنها آلة مذهلة قد يدور قلبها بسرعة تصل إلى 90 ألف دورة في الدقيقة، بل قد تتجاوز بعض المضخات الصغيرة والمتخصصة هذا الرقم.
ماذا تعني 90 ألف دورة في الدقيقة؟
قد يبدو الرقم مجردًا، لذلك دعونا نقارنه بأشياء نعرفها:
يعمل محرك السيارة عادة بسرعة تتراوح بين نحو 1,000 و6,000 دورة في الدقيقة أثناء الاستخدام المعتاد.
قد تصل الغسالة المنزلية أثناء العصر إلى نحو 1,400 دورة في الدقيقة.
تدور بعض مكونات المحركات النفاثة بعشرات الآلاف من الدورات في الدقيقة.
أما المضخة التوربينية الجزيئية الصغيرة فقد تصل إلى 90 ألف دورة في الدقيقة.
وهذا يعني أن الجزء الدوار داخلها يكمل:
90,000÷60=1,500
أي 1,500 دورة كاملة في ثانية واحدة.
وبعبارة أبسط: خلال غمضة عين واحدة، يكون الدوّار قد أكمل مئات الدورات.
ويجدر الإشارة إلى أن بعض هذه المضخات تستخدم محركات كهربائية عديمة الفرش يصل تردد دورانها إلى 1,500 هرتز، وهو ما يعادل 90 ألف دورة في الدقيقة.

ما المقصود بالفراغ؟
الفراغ لا يعني وجود «لا شيء» بالمعنى المطلق، بل يعني أن عدد جزيئات الغاز في المكان أصبح قليلًا جدًا مقارنة بعددها في الهواء العادي.
فالغرفة التي نجلس فيها تبدو لنا فارغة، لكنها في الحقيقة ممتلئة بعدد هائل من جزيئات النيتروجين والأكسجين وبخار الماء وغازات أخرى. تتحرك هذه الجزيئات بسرعات كبيرة، وتصطدم باستمرار بالجدران والأجسام وبعضها ببعض، وينشأ عن اصطدامها ما نُسميه الضغط.
عندما نسحب جزءًا من الهواء، يقل عدد الجزيئات وينخفض الضغط. وكلما سحبنا جزيئات أكثر، حصلنا على فراغ أفضل. لكن المفارقة أن المهمة تصبح أصعب كلما قلّ عدد الجزيئات.
يمكن تشبيه الأمر بتنظيف قاعة كبيرة امتلأت أرضيتها بالأوراق:
في البداية توجد آلاف الأوراق، ولذلك يسهل جمع كميات كبيرة منها.
بعد مدة لا تبقى إلا أوراق قليلة ومتباعدة.
العثور على الأوراق الأخيرة وإخراجها يحتاج إلى وقت ودقة أكبر من إزالة الأوراق الأولى.
وهذا ما يحدث داخل أنظمة التفريغ: إزالة معظم الهواء سهلة نسبيًا، أما مطاردة الجزيئات القليلة المتبقية فتحتاج إلى أجهزة شديدة التطور وحجرات محكمة ونظافة استثنائية.
كيف تعمل المضخة؟
يوجد داخل المضخة عمود دوّار يحمل صفوفًا من الريش المعدنية المائلة، وبينها صفوف ثابتة تعمل على توجيه حركة جزيئات الغاز.
تشبه الفكرة توربينًا صغيرًا للغاية، لكن وظيفته ليست إنتاج الكهرباء أو دفع طائرة، بل نقل جزيئات الغاز من حجرة التفريغ نحو مخرج المضخة.
عندما يصطدم جزيء غاز بإحدى الريش الدوارة، يكتسب منها زخمًا يدفعه في اتجاه المخرج. ثم يمر عبر مرحلة ثانية وثالثة ومراحل أخرى متتابعة، إلى أن يصل في النهاية إلى المضخة المساندة التي تضغط الغاز وتطرده خارج النظام.
يمكن تشبيه العملية بصف من الأشخاص يقفون على درجات سلم، ويمرر كل واحد منهم صندوقًا إلى الشخص الذي يليه حتى يصل الصندوق إلى الطابق الأرضي. المضخة تفعل شيئًا شبيهًا بذلك، ولكن مع جزيئات متناهية الصغر، وبسرعات هائلة.
والتعبير الأدق علميًا هو أن الريش لا «تشفط» الجزيئات كما تفعل المكنسة الكهربائية، بل تنقل إليها زخمًا حركيًا وتوجهها نحو مخرج المضخة.
هل يمكنها سحب الهواء مباشرة من الضغط الجوي؟
لا تستطيع المضخة التوربينية الجزيئية الخالصة، في التشغيل المعتاد، تفريغ الحجرة ابتداءً من الضغط الجوي بمفردها.
فعند الضغط الجوي يكون الهواء كثيفًا، وتتصادم جزيئاته بكثرة. وإذا حاول الدوّار العمل في هذه الظروف، ترتفع مقاومة الغاز والحرارة والحمل الواقع على الريش والمحرك، وقد تتعرض المضخة للتلف.
لذلك يتكون نظام التفريغ عادة من مضختين:
مضخة أولية أو تمهيدية تسحب معظم الهواء وتخفض الضغط.
مضخة توربينية جزيئية تتولى الوصول إلى الفراغ العالي، بعد أن تصبح جزيئات الغاز قليلة ومتباعدة.
وتحتاج المضخات التوربينية الجزيئية الخالصة عادة إلى ضغط تمهيدي في حدود 10^−2 ملي بار على جانبها الخلفي، مع اختلاف القيمة الدقيقة بحسب تصميم المضخة والشركة المصنّعة.
يمكن تشبيه العملية بتجفيف أرضية مغمورة بالماء:
نستخدم أولًا مضخة أو دلوًا لإزالة معظم الماء.
ثم نستخدم ممسحة أو قطعة قماش لإزالة الطبقة الرقيقة المتبقية.
تؤدي المضخة الأولية دور الدلو، بينما تؤدي المضخة التوربينية دور الأداة الدقيقة التي تكمل المهمة.
ما سرعة أطراف الريش؟
لنفترض أن المسافة بين مركز الدوّار وطرف الريشة خمسة سنتيمترات فقط. إذا دار الدوّار بسرعة 90 ألف دورة في الدقيقة، فإن سرعة طرف الريشة تقترب من: 471 مترًا في الثانية أي ما يقارب 1,700 كيلومتر في الساعة
وهذه السرعة تتجاوز سرعة الصوت في الهواء عند درجة حرارة الغرفة.
تخيل قطعة معدنية صغيرة تدور داخل جهاز، وتتحرك أطرافها بسرعة أعلى من سرعة طائرة ركاب، ومع ذلك يجب أن تبقى مستقرة، وألا تلامس الأجزاء الثابتة المحيطة بها.
هنا تتجلى عظمة الهندسة؛ فالإنجاز لا يتمثل في جعل قطعة من المعدن تدور بسرعة كبيرة فقط، بل في جعلها تستمر في الدوران:
ساعات أو أيامًا متواصلة.
من دون اهتزازات مؤثرة.
ومن دون ارتفاع خطير في درجة الحرارة.
ومن دون تلويث حجرة التفريغ.
ومن دون أن تنكسر الريش تحت تأثير القوى الهائلة.
مع المحافظة على مسافات دقيقة جدًا بين الأجزاء المتحركة والثابتة.
ولهذا تحتاج المضخة إلى مواد قوية وخفيفة، وموازنة ديناميكية شديدة الدقة، ومحامل خاصة، وحساسات للحرارة والسرعة والاهتزاز، وأنظمة إلكترونية للحماية والتوقف الآمن.
إلى أي ضغط يمكن أن تصل؟
تُستخدم هذه المضخات في مجال الفراغ العالي والفائق الارتفاع. ويمكن للأنظمة التي تعتمد عليها، وفقًا للتصميم وظروف التشغيل، أن تعمل في نطاق يمتد تقريبًا من: 10^−3 mbar إلى 10^−11 mbar
ولفهم ضخامة هذا الانخفاض، يبلغ الضغط الجوي المعتاد نحو 10 ^3 ملي بار. أما عند ضغط 10^−11 ملي بار، فنحن نتحدث عن ضغط أقل من الضغط الجوي بنحو: 10^14 أي قرابة مئة تريليون مرة.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى هذا الضغط لا يعتمد على المضخة وحدها. يجب أن تكون الحجرة والأنابيب والصمامات والوصلات شديدة الإحكام والنظافة؛ لأن ثقبًا مجهريًا، أو بصمة إصبع، أو قطرة زيت، أو بخار ماء ملتصقًا بالجدران قد يمنع النظام من الوصول إلى مستوى الفراغ المطلوب.
فالأسطح نفسها يمكن أن تطلق جزيئات كانت ملتصقة بها، وهي ظاهرة تُعرف باسم التحرر الغازي. ولهذا تُنظف حجرات الفراغ بطرق خاصة، وقد تُسخن أحيانًا لمساعدة الجزيئات العالقة على مغادرة الأسطح، ثم تتولى المضخات إخراجها.
أما سرعة الضخ في المضخات التوربينية المختلفة، فقد تتراوح تقريبًا بين 10 و4,000 لتر في الثانية، بحسب حجم المضخة وتصميمها ونوع الغاز.
لماذا نحتاج إلى هذا الفراغ الشديد؟
قد يسأل شخص: لماذا ننفق كل هذا المال والجهد لإخراج الهواء من حجرة معدنية؟
السبب أن الهواء، رغم ضرورته للحياة، يصبح عائقًا في كثير من التجارب والصناعات الدقيقة. فجزيئاته تصطدم بالإلكترونات والذرات والأيونات، وتنقل الحرارة، وتسبب الأكسدة والتلوث، وتمنع بعض الحزم الدقيقة من الوصول إلى أهدافها.
المجاهر الإلكترونية
لا يستخدم المجهر الإلكتروني الضوء العادي لتكوين الصورة، بل يستخدم حزمة من الإلكترونات.
لو تحركت الإلكترونات في الهواء، لاصطدمت بجزيئاته وتشتتت، مثل سيارة تحاول السير بسرعة في شارع مزدحم. لذلك تُفرغ أجزاء من المجهر من الهواء حتى تتحرك الإلكترونات في مسارات مضبوطة، فتتكون صور لتفاصيل أصغر بكثير مما يستطيع المجهر الضوئي التقليدي رؤيته.
أجهزة تحليل المواد
في مطياف الكتلة، تتحول جزيئات المادة إلى أيونات، ثم تمر داخل الجهاز ليتم فصلها والتعرف إليها. وجود الهواء سيؤدي إلى اصطدام هذه الأيونات بجزيئاته، فتتشتت أو تفقد جزءًا من طاقتها، وتقل دقة القياس.
ولهذا تدخل تقنيات الفراغ في تحليل:
الأدوية والسموم.
المركبات الكيميائية.
الملوثات البيئية.
العينات الحيوية.
نظائر العناصر.
المواد المجهولة.
صناعة الشرائح الإلكترونية
المعالجات وشرائح الذاكرة، التي تدخل اليوم في الهواتف والحواسيب والسيارات والأجهزة الطبية، لا تُصنع بمجرد رسم أسلاك صغيرة فوق السيليكون. بل تُبنى من طبقات متناهية الدقة، قد لا يتجاوز سمك بعضها بضعة نانومترات.
وجود جسيم غبار صغير، أو مقدار ضئيل من مادة غير مرغوبة، قد يفسد جزءًا من الشريحة. ولذلك تحتاج عمليات الترسيب والحفر ومعالجة الأسطح إلى غرف نظيفة وأنظمة تفريغ متقدمة.
يمكن القول إن الهواتف الذكية والحواسيب والسيارات الحديثة ومراكز البيانات لم تكن لتصل إلى مستواها الحالي من دون تقنيات الفراغ.
طلاء العدسات والأسطح
تُستخدم غرف التفريغ في ترسيب طبقات رقيقة على:
عدسات النظارات والكاميرات.
المرايا العلمية.
الخلايا الشمسية.
الشاشات الإلكترونية.
الأدوات الطبية.
القطع المعدنية المقاومة للتآكل.
يساعد الفراغ ذرات المادة المراد ترسيبها على الوصول إلى السطح من دون أن تصطدم باستمرار بجزيئات الهواء، فتتكون طبقات أكثر انتظامًا ونقاءً ويمكن التحكم في سمكها وخصائصها.
أبحاث الفضاء والفيزياء
تُستخدم هذه المضخات في غرف محاكاة الفضاء، ومسرعات الجسيمات، وتجارب الليزر والفيزياء الذرية وأجهزة تحليل الأسطح.
ففي مسرع الجسيمات، يجب أن تقطع الجسيمات مسافات طويلة من دون أن تعترضها جزيئات الهواء. وتشبه المسألة إطلاق سهم نحو هدف بعيد: كلما كان الطريق خاليًا من العوائق، زادت احتمالات وصول السهم إلى هدفه بدقة.
لماذا تُعد هذه المضخة باهظة الثمن؟
عندما نشتري مضخة من هذا النوع، فإننا لا ندفع ثمن كمية المعدن الموجودة فيها فقط. نحن ندفع ثمن منظومة كاملة من المعرفة والتقنية، تشمل:
تصميم دوّار يتحمل قوى الطرد المركزي الهائلة.
تصنيع ريش دقيقة من سبائك مناسبة.
موازنة الدوّار عند سرعات شديدة الارتفاع.
إنتاج محامل خزفية أو مغناطيسية عالية الجودة.
تطوير محرك سريع وأنظمة تحكم إلكترونية.
قياس الاهتزازات والحرارة والضغط باستمرار.
منع الزيوت والمواد المتطايرة من تلويث النظام.
اختبار المضخة آلاف الساعات قبل اعتمادها.
توفير قطع الغيار والصيانة والدعم الفني.
ضمان سلامة المستخدم إذا وقع خلل في الدوّار.
وقد يكون سعر المضخة نفسها جزءًا فقط من تكلفة منظومة التفريغ؛ إذ يحتاج المختبر أيضًا إلى مضخة أولية، ومقاييس ضغط متعددة، وصمامات وأنابيب ووصلات خاصة، ووحدات تحكم وتبريد، وأنظمة للكشف عن التسرب، إضافة إلى حجرة تفريغ مصنعة بدقة.
إذن، ما يبدو جهازًا واحدًا هو في الحقيقة اجتماع لعلوم الفيزياء والهندسة الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية وعلم المواد والكيمياء والبرمجيات وتقنيات القياس والسلامة.
لماذا لا تصنعها جميع الدول؟
المشكلة ليست أن علماء الدول الأخرى يعجزون عن فهم مبدأ المضخة؛ فالمبدأ الفيزيائي معروف ومنشور. لكن الانتقال من فهم المبدأ إلى إنتاج جهاز موثوق قادر على العمل آلاف الساعات مسألة مختلفة تمامًا.
تحتاج هذه الصناعة إلى:
آلات تصنيع وقياس فائقة الدقة.
سبائك ومواد ذات خصائص محددة.
خبرة متراكمة في الموازنة والمحامل والاهتزاز.
إلكترونيات تحكم وحماية موثوقة.
مختبرات متقدمة لاختبار الفراغ والتسرب والسلامة.
شبكة من الموردين المتخصصين.
سوق علمية وصناعية قادرة على تغطية تكاليف التطوير.
سنوات طويلة من التجربة واكتشاف الأعطال وتحسين التصميم.
يمكن لدولة أو شركة أن تصنع نموذجًا يدور بسرعة كبيرة، لكن التحدي الحقيقي هو أن تصنع آلاف المضخات المتطابقة، وأن تعمل كل واحدة منها بأمان وثبات، وأن تحافظ على مواصفاتها بعد آلاف الساعات.
ولهذا تتركز صناعة المضخات المتقدمة في عدد محدود من الدول والشركات التي بنت خبرتها عبر عقود. توجد أيضًا قيود تصدير على بعض المعدات والمكونات شديدة الحساسية أو ذات الاستخدام المزدوج، بحسب المواصفات والوجهة والاستخدام النهائي.
أداة واحدة وراءها تاريخ من العلم
تخيل أن كل هذه التقنيات والأبحاث والاختبارات اجتمعت في أداة واحدة داخل المختبر. كم احتاج تطويرها من اختراعات وفرق بحثية وميزانيات وتجارب ناجحة وفاشلة حتى وصلت إلى شكلها الحالي؟
فما بالك ببقية الأجهزة العلمية التي أصبحت ضرورية لأي مختبر يسعى إلى المنافسة وإنتاج معرفة جديدة؟
عندها نفهم أن تجهيز مختبر بملايين اليوروهات ليس بذخًا لمجرد ارتفاع الأرقام، بشرط أن تكون الأجهزة مرتبطة بمشروع علمي حقيقي، وأن تُستخدم بكفاءة، وأن تتوافر لها فرق مؤهلة وخطط للصيانة والتشغيل. أما شراء أجهزة باهظة لا تُستخدم، أو لا تخدم أهدافًا بحثية واضحة، فهو هدر مهما كان اسم المؤسسة التي اشترتها.
القيمة الحقيقية ليست في امتلاك الجهاز، بل في المعرفة التي ينتجها، والباحثين الذين يدربهم، والمشكلات التي يساعد على حلها، والتقنيات والصناعات التي تنشأ حوله.
العلم كريم، لكنه لا يمنح ثماره لمن يكتفي بالإعجاب بأدوات الآخرين. إنه يمنحها لمن يسلك طريقه بصبر، ويبني مؤسساته، ويُعلّم أبناءه، وينفق على البحث والتطوير، ويمنح العلماء الوقت والحرية والوسائل اللازمة للعمل. وكل دولة تحصل من العلم، في النهاية، بقدر ما تبذله في سبيله.



