كيف نصنع مجتمعًا يحمي الحرية ويخدم الصالح العام؟
في المجتمعات التي تمر بأزمات طويلة، لا تكون الخيارات دائمًا بين الصواب والخطأ. أحيانًا نجد أنفسنا أمام فكرتين تحمل كل منهما جانبًا من الحقيقة، لكن المبالغة في أي منهما قد تقود إلى نتائج معاكسة لما نريده. ومن أهم هذه القضايا العلاقة بين حرية الفرد ومسؤوليته تجاه المجتمع.
من جهة، نميل أحيانًا إلى فهم الحرية باعتبارها حق الإنسان في أن يفعل ما يشاء ما دام القرار يخصه. ويمكننا أن ندرك مصدر هذا الفهم في مجتمع عانى طويلًا من التدخل في حياة الأفراد ومن القيود الاجتماعية والسياسية. غير أن الحرية، حين تنفصل تمامًا عن المسؤولية، يمكن أن تتحول إلى فردية تجعل المصلحة الشخصية هي المعيار الأول لكل قرار.
حينها قد يصبح السؤال: ماذا أريد أنا؟ ماذا سأكسب؟ ولماذا أتحمل مسؤولية شيء لا يخصني مباشرة؟
ومع انتشار هذا التفكير، يصبح من الصعب بناء أي مشروع مشترك. فالمجتمع لا يستطيع مواجهة تحدياته إذا كان كل فرد ينظر إلى نفسه بوصفه جزيرة مستقلة عن الآخرين.
لكن الطرف الآخر من المعادلة ليس أفضل حالًا.
ففي بعض الأحيان تتحول الرغبة في الحفاظ على تماسك المجتمع إلى ضغط على الأفراد لكي يفكروا بالطريقة نفسها، أو يقوموا بالنشاط نفسه، أو يتبنوا الأولويات ذاتها. وكأن الوحدة تعني التشابه، وكأن اختلاف الاهتمامات والقدرات يمثل تهديدًا للجماعة.
وهذا الفهم بدوره يقتل المبادرة.
فليس من المنطقي أن نتوقع من جميع الناس أن يخدموا مجتمعهم بالطريقة نفسها. قد يكون بيننا معلم بارع في التعامل مع الأطفال، ومزارع قادر على نقل خبرته للآخرين، وطبيب يستطيع تقديم خدمة صحية، وشاب يجيد التقنية، وامرأة تمتلك قدرة على تنظيم مشروع إنتاجي، وشخص آخر لديه موهبة في حل النزاعات أو جمع الناس حول قضية مشتركة.
لماذا نطلب من كل هؤلاء أن يقوموا بالعمل ذاته؟
قوة المجتمع لا تأتي من تشابه أفراده، وإنما من قدرته على توظيف اختلافهم في خدمة غاية مشتركة.
وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في اليمن.
فبلدنا لا يعاني من مشكلة واحدة يمكن حلها بمبادرة واحدة. احتياجاتنا كثيرة ومتشعبة: تعليم يحتاج إلى تحسين، واقتصاد منهك، وفرص محدودة للشباب، وقطاع زراعي يحتاج إلى دعم، ومياه تحتاج إلى إدارة أفضل، وأطفال تأثروا بسنوات الصراع، ومجتمعات محلية تحتاج إلى استعادة الثقة والتعاون بين أفرادها.
أمام هذا الواقع، ليس الحل أن ننتظر من الجميع النشاط نفسه، كما أنه ليس من المجدي أن يقول كل شخص إن هذه المشكلات لا تخصه.
المطلوب هو ثقافة مختلفة تبدأ بسؤال بسيط: ما الذي أستطيع أن أفعله، بما أملكه من قدرة أو خبرة، ليصبح وجودي أكثر نفعًا لمن حولي؟
هذا السؤال لا يلغي الفرد، بل يمنحه معنى أوسع.
فالإنسان ليس مطالبًا بالتخلي عن طموحه أو استقلاله أو شخصيته من أجل الجماعة. لكنه، في الوقت ذاته، يستطيع أن يرى نجاحه باعتباره جزءًا من شبكة أكبر من العلاقات والمسؤوليات.
التاجر الذي ينجح في عمله ويوفر فرص عمل يحقق مصلحة شخصية وعامة في الوقت نفسه. والمعلم الذي يطور نفسه ثم ينقل خبرته إلى طلابه لا يتنازل عن فرديته، بل يجعلها مصدرًا لأثر ملموس. والشاب الذي يطلق مشروعًا جديدًا قد يحقق طموحه الشخصي وفي الوقت نفسه يساهم في معالجة مشكلة اجتماعية.
بهذا المعنى، لا يصبح السؤال: الفرد أم الجماعة؟ بل: كيف نجعل ازدهار الفرد مصدر قوة للمجتمع، وكيف نجعل قوة المجتمع مساحة تساعد الفرد على النمو؟
ولتحقيق ذلك نحتاج أيضًا إلى إعادة الاعتبار لمفهوم التشاور.
فنحن كثيرًا ما نتعامل مع النقاش وكأنه معركة لا بد أن يخرج منها منتصر ومهزوم. يتمسك كل طرف برأيه، ثم يتحول الخلاف حول الفكرة إلى موقف من الشخص نفسه.
أما التشاور الحقيقي فيبدأ عندما نطرح أفكارنا بوصفها مساهمات قابلة للنقاش والتطوير، لا ممتلكات شخصية يجب الدفاع عنها مهما كان الثمن. عندها يمكن أن يظهر حل ثالث لم يفكر فيه أي طرف منذ البداية.
ومجتمع مثل اليمن، بتنوع مناطقه وخبراته واحتياجاته، يحتاج إلى هذه الروح أكثر من حاجته إلى حلول جاهزة تُفرض على الجميع.
كما أن بناء الصالح العام لا يشترط دائمًا مشاريع ضخمة أو قرارات صادرة من المؤسسات العليا. كثير من التحولات تبدأ من أعمال صغيرة: مجموعة سكان تبحث عن حل لمشكلة المياه في حيها، معلم يساعد الطلاب المتعثرين، شباب ينظمون مبادرة لتنظيف منطقتهم، نساء يبدأن مشروعًا إنتاجيًا، أو أصحاب خبرة يخصصون جزءًا من وقتهم لتدريب الآخرين.
هذه المبادرات تبدو محدودة منفردة، لكنها عندما تنتشر تصنع شيئًا أكبر: ثقافة يشعر فيها الإنسان بأنه شريك في بناء مجتمعه، لا مجرد متفرج ينتظر أن يأتي الحل من مكان آخر.
ربما تكون إحدى المشكلات التي نحتاج إلى تجاوزها هي أننا نضع أنفسنا بين خيارين متطرفين: إما أن يقول الفرد "أنا حر ولا شأن لأحد بي"، أو أن تقول الجماعة له "لكي تكون واحدًا منا، عليك أن تصبح مثلنا".
لكن هناك طريقًا ثالثًا أكثر نضجًا.
أن يكون للإنسان حقه في التفكير والمبادرة والاختيار، وأن يدرك في الوقت نفسه أن حياته متصلة بحياة الآخرين. وأن يتماسك المجتمع حول أهداف مشتركة، من دون أن يحول أفراده إلى نسخ متشابهة.
الوحدة لا تعني أن نفعل الشيء نفسه، والحرية لا تعني أن نعيش لأنفسنا وحدنا.
واليمن، وهو يبحث عن طريقه نحو التعافي، يحتاج إلى أفراد يمتلكون الشجاعة للمبادرة، ومجتمعات تحسن الاستفادة من تنوع أبنائها. وحين ننجح في الجمع بين الاثنين، قد نكتشف أن السؤال الحقيقي ليس كيف نختار بين "أنا" و"نحن"، بل كيف نبني "نحن" تتيح لكل "أنا" أن تزدهر وتساهم في الوقت نفسه في خير الجميع.



