مأزق اللاشعب واللادولة..!
من كان يصدق أن اليمن، التي عرفت الدول منذ فجر الحضارة، هي ذي عند مطلع الألفية الجديدة غير قادرة على أن تكون دولة حتى في أبسط شروط وجود الدولة المعاصرة للحضارة الإنسانية اليوم...؟
ما الذي جعل اليمن تنحسر عن مسرح الحضارة وهي التي سبقت أغلب أسيادها في تأسيس الدول..؟ ولماذا انتهت كل الدول التي ظهرت في اليمن عبر كل العصور..؟
عن هكذا أسئلة، أجابني عليها قبل أكثر من عقد المهندس طيران العميد عبد الرقيب ناجي [1] بإجابات بسيطة:
_ «نحن لم نصل بعد إلى المرحلة الإنتقالية بين اللاشعب والشعب».
وكان مما أضافه: «إن معرفة بقعة جغرافية باسم واحد لا يصنع منها دولة، ولا يجعل منها شعباً».
إذن.. هل سأل أحدكم نفسه يوماً هذا السؤال:
هل صحيح أننا لانزال في مرحلة اللاشعب، ولم نصل إلى مرحلة الشعب الواحد..؟
وما هذه المقالة إلا مبرهنة لإثبات أن اليمنيين مازالوا يراوحون داخل مرحلة اللاشعب.
•••
أعتقد أنه بات من الأهمية بمكان وزمان الوقوف إزاء هذا السؤال الذي سيقودنا، قبل الإجابة عليه، للوقوف أيضاً أمام الحالة اليمنية بهدوء وتأمل وفحص للوصول إلى تشخيص دقيق وعميق للحالة اليمنية من خلال معرفة جذور مشاكلها المتأصلة في جغرافية هذا الجزء من العالم.
في تقديري إننا إذا ما ذهبنا ننبش بعد كل فرع من فروع تلك الجذور سنصل إلى حقيقة مؤلمة إلى حد كبير جداً، والأكثر إيلاماً أننا عبر كل الحقب والعصور والمراحل التاريخية التي مر بها اليمن استمرينا في فترات تارة نجهل تماماً جذر المشكلة الرئيس لكل المشاكل اليمنية المتعاقبة، وتارة خاصة في عصرنا الحديث نتعمد تجاهل ذلك الجذر.
ولأن المقال لا تتسع تفاصيله في هذا المقام أقول:
إن جذر المشكلة الرئيس لعدم استقرار هذه الجغرافية المعلومة باليمن هو أننا لم نصل بعد إلى مستوى أن نكون شعباً واحداً، سواء توحدت أو تعددت نحله وملله لأنها لم تعد سبباً أو شروطاً لواحدية هذه الأمة أو ذلك الشعب.
•••
إن أهم عامل لوحدة أي شعب أو أمة ليس عاملاً سياسياً وإدارياً ولا اقتصادياً ولا قانونياً ولا أي شيء من هذه العوامل، وإنما عامل الشعور بالمواطنة المتساوية.
غياب عامل الشعور هذا يسبق كل أسباب ودوافع ومقومات ومظاهر غياب المواطنة المتساوية في اليمن.
وتكمن خطورة غياب الشعور بالمواطنة المتساوية الذي يأتي، كما أسلفت، قبل بقايا كافة مظاهر غياب المواطنة المتساوية في اليمن بكونه يكاد يكون حاضراً عند كل الأنساق التي يتكون منها ليس مجتمعنا اليمني فحسب، بل وكل المجتمعات التي تغرق داخل دوائر إعادة متوالية الأزمات والحروب.
إن غياب الشعور بالمواطنة المتساوية يعني أن هذا المجتمع أو ذاك لا يزال يعيش في مرحلة تاريخية هي مرحلة ما قبل الشعب أو اللاشعب.
إن أول شرط من شروط وجود شعب أو مجتمع هو أن يشعر هذا الشعب أو المجتمع بالمواطنة المتساوية، وهذا الشعور للأسف غير موجود في مجتمعنا، والأمثلة العملية على ذلك كثيرة منها:
أبناء حضرموت لديهم اعتزاز بالتاريخ والإرث الثقافي الخاص مع الشعور بالتمايز عن باقي المناطق، ولذلك يشعر الحضارم أنهم ليسوا يمنيين؛ فتاريخهم وتراثهم إرث فني وثقافي لا يتصل من قريب أو بعيد بإرث بقية المناطق اليمنية.
أبناء يافع يرون أنفسهم أسمى وأكبر وأفضلية جعلتهم يصوغون مثلاً شعبياً يعتزون به، في البداية كانوا يقصدون به منطقة يمنية هو "اليافعي برطل والذماري برطلين"، ثم توسعوا به "اليافعي برطل والزيدي برطلين"، وأخيراً صاروا يعمّمونه على الجميع "اليافعي برطل وغيرهم برطلين".
والقبائل لاسيما الزيدية ترى أنها أحق بالسيادة والحق التاريخي/الديني في حكم اليمن.
وأبناء التهايم يشعرون بالتهميش، وقلة القيمة السياسية والاجتماعية.
وأبناء الشوافع خاصة في تعز والمناطق الوسطى تكاد قناعاتهم أن ترسخ ما يعرف بـ "سيكولوجيا التبعية" القائمة على الاكتفاء بالوظيفة الإدارية دون التطلع لرأس السلطة، وبتعبير أبسط إنهم في الوقت الذي يشعرون فيه بالظلم خاصة في الحقوق السياسية قلما يطمحون للحكم، بل وهو الأسوأ يسكنهم شعور في أنهم لا يمكن أن يكونوا قادات، وما يؤكد على طرحي هذا هو ما أورده القاضي عبد الرحمن الإرياني في رده على سؤال (ما العمل..؟) المقدم إليه ومجموعة الأحرار حينما كانوا معتقلين بسجن حجة عقب فشل ثورة 1948.
وكان السؤال مقدم من قبل الإبن (محمد أحمد نعمان)، الذي طلب من والده (الأستاذ النعمان) أن يوزعه على الأحرار داخل السجن الذين أجابوا وكأنه مقدم من النعمان الأب، وكان مما قاله القاضي الإرياني في سياق رده:
"وهـا أن أسرتكم - يقصد أسرة النعمان - من أكبر الأسر اليمنية وحضرتكم - يقصد الأستاذ النعمان الأب - أكبر زعمائها، وقد كنت القـائد للحركة - يقصد حركة الأحرار اليمنيين - ولكم المحل الأول - إشارة إلى أنه زعيم حركة الأحرار - فبالله عليك إصدقني هل فكرت في يوم من الأيـام في العمل لأن يؤول الحكم إليك أو إلى أحد من أسرتك أو غيرها من الأسـر القحطانية..؟
أعتقد أنك ستجيب بالسلب، بل أعتقد أنكم حين تطالعون هذا ستفسـرونه بأحد أمرين: إما بالتهور أو بالسذاجة، أما الأول فهو انسياق وراء الخيـال، وأما الثاني فسطحية في الرأي لم تزن الأمور بميزانها ولا بلغت إلى أعماقها.
ومن هنا تعرف خطر هذا الداء الذي جعلنـا نرضى بالدون ونـألف الاستعباد أو التبعية.
وإذا كان أكبر زعيم _ يقصد لحركة الأحرار اليمنيين ـ من أعظم أسرة ـ يقصد الأستاذ أحمد النعمان ـ لا يفكر في الحكـم ولا يحلم به ولا يطمع إلى أكثر من أن يكون موظفاً تابعاً، وهـو لا يعتقـد استحقاقهم لذلك ديناً، ولكن بحكم العادة المألوفـة التي قررتـها العصـا والكرباج، فما بالكم بمن سواكم..؟ ولا سيما الذين يعتقدون ذلك ـ أي حكم اليمن ـ أعني أنه ديـن ـ أي حكم اليمن ـ بينما لا يوجد طفل من بني هاشم إلا وهو يفكر بحكم اليمن، فتأملوا البـون الشاسع بيننا وبينهم لتقدروا خطر الداء.
إن الحركة في القسم الأعلى لا يمكن أن تنجح إلا على أسـاس "حطـم صنماً وانصب صنماً في نفس الوقت"، ومن نوع الأصنام التي ألفوا عبادتـها وجرت العبودية المفروضة لها مع دمائهم أو تفرضها القوة القاهرة، والنجـاح على أساس تبديل صنم بآخر معناه الفشل، وبذل جهود فيما لا يجدي نفعاً فـي حل المشكلة ومعالجة الداء، وقد يقول قائل إنا مضطرون إلى أن نلـوح لـهم بما ألفوه فننصب لهم أحد هذه الأصنام ثم نعود فنحطمه، وإلا كـان نصيبنا الفشل وبقيت المشكلة بدون حل [2]".
إن ما قاله القاضي عبد الرحمن الإرياني يتجاوز حدود الرسالة الشخصية أو التداعي الوجداني، ليُشكل وثيقة سيكو-سياسية تشخص إحدى أعقد إشكاليات الاجتماع السياسي في التاريخ اليمني الحديث.
ومن هنا تكمن أهمية هذا النص في كونه يقدم قراءة نقدية صادرة من داخل قلب حركة الأحرار اليمنيين (سجناء حجة عقب فشل حركة 1948)، وتتجلى أبعاده في عدة مستويات:
1 _ البعد السيكولوجي
ويتمثل هذا البعد بتجذير "سيكولوجيا التبعية" من خلال:
• الاستلاب الذاتي وفيه يواجه الإرياني صديقه الأستاذ أحمد محمد النعمان بحقيقة قاسية، وهي أن غياب الطموح للسيادة ورأس السلطة لدى النخب والشخصيات القيادية في المناطق الوسطى (ومنها تعز) لم يكن مجرد زهد سياسي، بل نتيجة "عادة مألوفة قررتها العصا والكرباج".
• الرضا بالدون وقد شخصه الإرياني بحالة تطبيع ذهني مع القهر، حيث يتحول الشعور بالتبعية إلى حالة شبه دائمية، تجعل التفوق القيادي مجرد "سطحية أو تهور" في نظر أصحابه قبل غيرهم.
2 _ البعد السياسي
يمثل هذا البعد الفارق البنيوي في وعي السلطة من خلال:
• ثنائية الحق المفترض والتنازل المسبق حيث قارن بشكل جلي بين ذهنيتين:
_ ذهنية ترى الحكم حقاً متوارثاً أو مظلة دينية (كما يُشار إلى بني هاشم).
_ وذهنية تكتفي بأدوار الوظيفة التنفيذية والإدارية والتبعية.
• البون الشاسع وفيه أظهر الإرياني أن الصراع السياسي لم يكن متكافئاً في الأدوات والنيات؛ فالأولى تخطط وتتحرك للوصول إلى رأس الهرم السياسي كهدف بديهي، بينما الثانية تتحرك لإصلاح النظام أو الخدمة فيه دون التطلع لقيادته.
3 _ البعد المنطقي والتكتيكي
وهي معضلة "تبديل الأصنام" المتمظهرة بـ:
_ استبدال الرمزية وهنا ينتقد الإرياني الفكرة التكتيكية الداعية لنصب "صنم" من الذوات أو العائلات التقليدية المؤثرة للالتفاف حوله مرحلياً ثم الإطاحة به.
_ حتمية الفشل حيث يرى الإرياني منطقياً أن التغيير الذي يستبدل رئيساً أو رمزاً تقليدياً بآخر، دون تغيير الثقافة والمفاهيم السائدة، هو دورة فارغة تعيد إنتاج الأزمة وتكرس ثقافة التبعية ذاتها.
وباختصار ما قاله القاضي الإرياني يعتبر مواجهة شجاعة مع الذات، وضع فيها يده على الثغرة الثقافية والاجتماعية التي أعاقت الحركة الوطنية عن صياغة مشروع حكم نابع من المواطنة المتساوية، مؤكداً أن التحرر الحقيقي يبدأ من تحرير المخيلة السياسية للنخب والمجتمع من موروث الخضوع والتهميش.
إن رد القاضي الإرياني للنعمان الأب يبرهن لنا صحة الفرضية التي تقول إن أبناء تعز لا يطمحون للحكم.
وحتى إن وجد بينهم من لديه مثل هكذا تفكير ـ نعم مجرد تفكير ـ وليس نية مبيتة أو طموحاً فغالباً ما تكون نهايته التخلص منه من قبل المسيطرين على الحكم وخدمهم، وكثيراً ما يساعد أبناء تعز في التخلص منه هذا إن لم يقوموا هم أنفسهم بعملية الإجهاز عليه، والشواهد على ذلك كثيرة خاصة في تاريخنا المعاصر حيث تم التخلص من خيرة أبناء تعز شمالاً وجنوباً مع أنهم لم يكونوا يطمحون للسيطرة على الحكم، وإنما لتحقيق حلم المواطنة المتساوية، والقائمة طويلة بالأسماء التي تم تصفيتها لمجرد أنها حلمت بذلك.
إن القراءة التحليلية والمنطقية لهذا الواقع المتأزم تأخذنا إلى عمق المأساة السياسية التي صاغتها تراكمات التاريخ والموروث الثقافي القاسي..!
فالسلطة في هذا الحيز الجغرافي لم تكن يوماً مجرد أداة لإدارة الدولة أو تنظيم الشؤون العامة، بل تحولت عبر القرون إلى رمز للغلبة والاستعلاء الرمزي الذي قسم المجتمع إلى سادة ومتبوعين..!
إن هذا التشظي النفسي والهوياتي يكشف منطقياً عن انسداد أفق البناء الوطني المستدام، حيث يتعذر قيام دولة حديثة بينما يُختزل الوطن في مخيلة كل فئة على أنه مساحة مغلقة لذاتها وثقافتها الخاصة..!
ولعل الأبعاد الأدبية والتاريخية لهذا الواقع تؤكد أن الشغف الحقيقي بالتغيير يجب ألا يقف عند التنديد بالواقع، بل بالاشتباك الشجاع مع البنية النفسية للمجتمع..!
فكيف يستقيم مع منطق العصر أن نطلب المواطنة بينما لا نزال نحرس زنازين الانتماء الضيق بأوهام التفوق والتهميش..؟
ولن ينشأ الشعب الواحد إلا حين يتساوى الجميع في حق الحلم والتطلع وقدرة التأثير دون وجل أو خضوع لشبح الماضي..!
أخيراً.. إن معضلة الثقافة السياسية والموروث الاجتماعي تكمن في أن اليمن لا يزال يعيش في مرحلة "اللاشعب" وبالتالي"اللادولة" ولتجاوز هذه المعضلة في الإنتقال إلى مرحلة "الشعب" و"الدولة المعاصرة" يتطلب من ناحية تحرير المخيلة السياسية للمجتمع، ومن ناحية أخرى نزع القداسة عن ثقافة الغلبة والتهميش، واستبدال ذلك بصياغة عقد اجتماعي يقوم على التعايش، والشراكة، والمواطنة المتساوية في الحقوق، والواجبات، والتطلعات.
•••
هامش:
1 _ عبد الرقيب ناجي: ضابط عسكري برتبة عميد ابتعث من قبل جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لدراسة هندسة الطيران والدفاع الجوي بجمهورية بلغاريا وتخرج عام 1988، يمتاز بقدرات خارقة بالهندسة الكهربائية والالكترونية، ورغم ذلك لم ينل المكانة التي يستحقها.
2 _ مجلد الأعمال الكاملة "الشهيد محمد أحمد نعمان الفكر والموقف" كتاب "من وراء الأسوار" ص 206.
جمعها وأعاد نشرها لطفي فؤاد أحمد محمد نعمان ـ الطبعة الأولى مارس 2001 ـ مطابع دائرة التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة اليمنية ـ رقم الإيداع بدار الكتب: 216 / 2000م.
علماً أن كتاب "من وراء الأسوار" صدرت طبعته الأولى عن دار الكاتب العربي ببيروت عام 1963.



