من القاعـ دة إلى جماعات النفوذ الإيراني.. حين تتحول العقيدة إلى مشروع سلطة
في الشرق الأوسط، لا توجد وصفة واحدة للعنف السياسي؛ هناك مصانع متعددة تنتج الشيء نفسه: سلطة خارج الدولة، وسلاحًا فوق القانون، ومجتمعًا يدفع الفاتورة.
لكن الخطأ الأكبر هو وضع الجميع في صندوق واحد. فالقاعدة وداعش وبوكو حرام تنظيمات جهادية عابرة للحدود، بينما قسد مشروع عسكري ـ سياسي كردي/سوري مختلف تمامًا، وحزب الإصلاح اليمني حزب سياسي ذي جذور إخوانية، وليس من الدقة وصفه كتنظيم إرهابي بالمعنى القانوني الدولي.
القاعدة: أمّ التنظيمات الجهادية الحديثة
القاعدة بنت مشروعها على فكرة الجهاد العالمي وضرب العدو البعيد وإقامة نظام إسلامي عابر للحدود. اعتمدت على الخلايا والشبكات السرية، والتفجيرات والاغتيالات والهجمات النوعية.
مشكلتها أنها اكتشفت متأخرة أن إسقاط الطائرات أسهل من بناء دولة.
فقد تستطيع الخلية أن تختبئ في كهف، لكنها لا تستطيع إدارة مستشفى ومدرسة واقتصاد وشرطة بمجرد رفع شعار ديني.
ولهذا تراجعت القاعدة كقوة عالمية مركزية، لكنها لم تختفِ؛ بل تحولت في مناطق عدة إلى شبكات محلية أكثر براغماتية، ومنها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في اليمن، الذي استفاد من فراغ الدولة والحرب الأهلية.
داعش: النسخة التي قررت أن تكون «دولة»
داعش أخذ فكرة القاعدة وأضاف إليها شيئًا شديد الخطورة: الجغرافيا.
لم يرد تنظيمًا سريًا فقط، بل أراد أرضًا وحدودًا وضرائب ومحاكم وسجونًا وجيشًا وراية.
وهنا ظهرت المفارقة الكوميدية السوداء:
الجماعة التي أعلنت أنها جاءت لإقامة دولة إسلامية انتهت إلى دولة من المقابر.
هُزم مشروعها الإقليمي عسكريًا، لكن بقايا التنظيم لا تزال قادرة على العمل كخلايا وتمرد منخفض الكثافة عندما تجد فراغًا أمنيًا. وقد وثقت تقارير دولية تاريخًا واسعًا من الإعدامات والاختطاف والتفجيرات واستهداف الأقليات والمدنيين.
جبهة النصرة: من «الجهاد العالمي» إلى إعادة تدوير المشروع
النصرة بدأت مرتبطة بالقاعدة، وكان مشروعها الأصلي إسقاط النظام السوري وإقامة حكم إسلامي.
ثم جاءت التحولات السياسية والعسكرية، فتغير الاسم والبنية والخطاب.
وهنا درس مهم: التنظيمات لا تغير أسماءها دائمًا لأنها غيرت أفكارها؛ أحيانًا تغير الاسم لأن السياسة تحتاج بدلة جديدة للمشروع القديم.
ولهذا يجب تقييم أي حركة من خلال سلوكها ومؤسساتها وعلاقتها بالسلاح والدولة، لا من خلال الاسم وحده.
بوكو حرام: حين يتحول الفقر إلى وقود
في نيجيريا، نشأت بوكو حرام في بيئة تجمع الفقر والتهميش وضعف الدولة والتطرف الديني.
استخدمت التفجيرات الانتحارية والخطف والهجمات على المدنيين والمؤسسات الدينية والعسكرية. وانقسمت لاحقًا إلى فصائل، بينها جماعات ارتبطت بتنظيم داعش في غرب أفريقيا.
وهنا تظهر القاعدة المشتركة:
عندما تغيب الدولة، يصبح التنظيم المسلح مدرسةً وإعلامًا ومحكمةً وسجنًا وسوقًا سوداء في آن واحد.
قسد: لا يجوز وضعها في قائمة الإرهاب لمجرد اختلاف الموقف منها
أما قوات سوريا الديمقراطية، فقصة مختلفة.
هي تحالف عسكري سوري متعدد المكونات لعب دورًا رئيسيًا في محاربة داعش، واحتجز آلافًا من عناصره. وفي الوقت نفسه، وُثقت انتقادات وانتهاكات منسوبة إلى بعض عناصرها، بينها الاعتقال التعسفي والفساد وتقييد الحريات.
إذن يمكن نقد قسد سياسيًا وحقوقيًا، ومناقشة علاقتها بالولايات المتحدة وتركيا والأكراد والدولة السورية، لكن ذلك لا يحولها تلقائيًا إلى «تنظيم إرهابي».
فالسياسة ليست مختبرًا نكتب فيه كلمة «إرهابي» على كل من لا يعجبنا.
الإصلاح اليمني: حزب سياسي أم مشروع أيديولوجي؟
حزب التجمع اليمني للإصلاح حالة أكثر تعقيدًا.
هو حزب سياسي ذو جذور إسلامية وإخوانية، شارك في الحياة السياسية والتحالفات اليمنية، وضم شخصيات وقوى واتجاهات مختلفة.
لذلك لا يصح اختزاله قانونيًا في القاعدة أو داعش أو بوكو حرام.
لكن السؤال السياسي المشروع مختلف:
إلى أي حد تستطيع الأحزاب ذات الخلفية الدينية أن تتحول إلى أحزاب دولة مدنية حقيقية؟
وهنا تكمن مشكلة الإصلاح وغيرها: عندما تختلط العقيدة بالحزب، والحزب بالسلاح، والسلاح بالدولة، يصبح المواطن هو الشخص الوحيد الذي لا يملك «جناحًا عسكريًا».
وفي اليمن، أنتجت الحرب تحالفات متناقضة بصورة تكاد تكون كوميدية:
إسلاميون مع قوميين، عسكريون مع قبليين، انفصاليون مع حكومة يفترض أنها تمثل الوحدة، وجميعهم يتحدثون في النهاية عن «استعادة الدولة».
والدولة المسكينة تبحث عن نفسها منذ سنوات بين بيانات المؤتمرات وصالات الفنادق.
جماعات إيران: نموذج مختلف
هنا يجب التفريق أيضًا.
الجماعات المرتبطة بإيران ليست كلها نسخة واحدة ولا كلها متطابقة عقائديًا أو تنظيميًا. لكن إيران بنت خلال عقود شبكة من الشركاء والجماعات المسلحة في لبنان والعراق واليمن وغيرها، مستخدمة التدريب والتمويل والسلاح والخبرات، بما يمنحها قدرة على توسيع نفوذها دون خوض كل الحروب مباشرة.
وهذا هو الفرق الاستراتيجي الكبير:
القاعدة وداعش يحاولان بناء مشروع عابر للدول من خلال التنظيم العقائدي؛ أما النموذج الإيراني فيعتمد بدرجة أكبر على بناء شبكة نفوذ مسلحة داخل دول ومجتمعات قائمة.
في اليمن مثلًا، توثق مصادر بحثية أن الدعم الإيراني عزز قدرات الحوثيين الصاروخية والطائرات المسيّرة، وأن العلاقة تمنح طهران أدوات ضغط إقليمية مع قدر من الإنكار السياسي.
وفي العراق، أصبحت جماعات مسلحة موالية لإيران جزءًا من المشهد السياسي والأمني والاقتصادي نفسه، بحيث لا يعود السؤال: «أين الدولة وأين الميليشيا؟» بل يصبح السؤال الأكثر إحراجًا: من يدير من؟
المقارنة الحقيقية
النموذج| المشكلة الأساسية| الهدف| الأداة| النتيجة المتوقعة
القاعدة| فراغ الدولة والتطرف الجهادي| نظام إسلامي عابر للحدود| خلايا وإرهاب وهجمات نوعية| بقاء شبكي أكثر من دولة
داعش| انهيار الدولة والطائفية والحرب| دولة/خلافة إقليمية| احتلال أرض وإرهاب وحكم قسري| انهيار الدولة المعلنة وبقاء الخلايا
النصرة/HTS| الحرب السورية| إسقاط النظام وبناء حكم إسلامي| السلاح والسيطرة المحلية والتحولات التنظيمية| انتقال من الجهادية إلى محاولة إنتاج سلطة سياسية
بوكو حرام| الفقر والتهميش وضعف الدولة| حكم ديني محلي| تفجيرات وخطف وتمرد| استمرار التمرد مع الانقسامات
قسد| القضية الكردية والحرب السورية| إدارة ذاتية وأمن محلي ونفوذ سياسي| قوة عسكرية وتحالفات دولية| مستقبلها مرتبط بتسوية سورية وإقليمية
الإصلاح| أزمة الدولة اليمنية والانقسام السياسي| نفوذ سياسي ومشاركة في الحكم| الحزب والتحالفات والقاعدة الاجتماعية| بقاؤه مرتبط بقدرته على التحول إلى حزب دولة
الجماعات المدعومة من إيران| صراع النفوذ الإقليمي| حماية النفوذ والردع وتوسيع المجال الاستراتيجي| السلاح والصواريخ والشبكات المحلية| استمرارها طالما بقيت الدولة ضعيفة
وإلى أين يتجه الجميع؟
المستقبل لن يكون بالضرورة «نهاية التنظيمات»، بل نهاية بعض أشكالها.
داعش والقاعدة سيجدان صعوبة أكبر في إعادة بناء دولتهما القديمة، لكنهما يستطيعان البقاء كخلايا تستثمر الفوضى.
أما الجماعات التي تمتلك أرضًا وسلاحًا وشبكة اجتماعية أو سياسية، فمشكلتها مختلفة: إما أن تدخل في الدولة وتقبل قواعدها، أو تتحول الدولة نفسها إلى مجرد غطاء رسمي لسلاح موازٍ.
وهنا تكمن أخطر معادلة في الشرق الأوسط:
التنظيم الذي لا يستطيع بناء دولة قد يحاول ابتلاع الدولة، والدولة الضعيفة قد تحاول استخدام التنظيم، وفي النهاية يأكل الاثنان المجتمع.
أما النموذج الإيراني، فمستقبله سيعتمد على قدرة طهران على تمويل شبكاتها والحفاظ على خطوط الإمداد، وعلى قدرة الدول نفسها على استعادة احتكار السلاح والقرار. وقد بدأت دراسات حديثة تتحدث عن تراجع أو تآكل بعض جوانب نموذج «محور المقاومة» نتيجة الضربات العسكرية والضغوط السياسية.
الخلاصة الساخرة
المشكلة ليست فقط في «الإرهابي» الذي يحمل البندقية.
المشكلة أيضًا في الدولة التي تسمح للبندقية أن تصبح مؤسسة، والحزب الذي يبررها، والدولة الإقليمية التي تمولها، والمجتمع الذي يُترك فقيرًا وجاهلًا حتى يصبح شعار الجماعة أقوى من شعار الوطن.
وفي هذه المنطقة، لدينا مدرسة سياسية عجيبة:
كل طرف يقول:
«نحن نملك السلاح لحماية الدولة».
فتسأله:
«وأين الدولة؟»
يجيبك:
«تحت حماية السلاح».
فتبحث عن الدولة…
فتجدها مختبئة خلف الميليشيا.
وهكذا يصبح الشرق الأوسط أكبر مسرح سياسي في العالم؛
الجميع يريد إنقاذ الدولة، بشرط ألا تكون الدولة أقوى منه.
والرؤية المستقبلية الأكثر واقعية ليست اختفاء كل هذه التنظيمات غدًا، بل أن يتراجع نفوذها كلما ظهرت دولة حقيقية: جيش واحد، قانون واحد، اقتصاد منتج، قضاء مستقل، ومواطن لا يحتاج إلى حزب أو قبيلة أو ميليشيا كي يحمي نفسه.
فالإرهاب لا يعيش بالسلاح وحده؛
إنه يعيش في الفراغ الذي تتركه الدولة.
وعندما تعود الدولة، يبدأ مسلسل النهاية.
أما إذا بقيت الدولة غائبة، فسيستمر المسلسل…
وتتغير أسماء الممثلين فقط.



