مؤتمرات البحر الأحمر بين الماضي والحاضر والمستقبل (2)
البحر الأحمر والقرن الإفريقي لم يكونا في يوم من الأيام مجرد خط على الخريطة، بل هما شريانا حياة للتجارة، وممر استراتيجي للطاقة، ومساحة تلاقي ثقافات وحضارات وصراعات. ولهذا السبب، كانت "المؤتمرات" حول هذا الإقليم تاريخيًا هي المرآة التي نرى فيها صراع المصالح وتقاطعها.
أولًا: الماضي -من بوابة التجارة إلى ساحة الحرب الباردة:
1. حقبة ما قبل الاستعمار والاستعمار:
قبل المؤتمرات الحديثة، كان "المؤتمر" يتم على ظهر السفن وفي موانئ عدن وزيلع وسواكن، وكان الهدف من ذلك تنظيم طرق التجارة والتوابل والحج. ومع دخول الاستعمار البريطاني، الفرنسي والإيطالي والعثماني، انتقل النقاش إلى مؤتمرات تقسيم النفوذ مثل مؤتمر برلين، 1884م، وهذا المؤتمر لم يتجاهل القرن الإفريقي، فكانت نتيجته رسم حدود مازلنا ندفع ثمنها إلى اليوم، فالصومال لايزال مقسمًا 5 أجزاء، وإريتريا فصلت عن إثيوبيا، وجيبوتي لاتزال تحت الوصاية الفرنسية.
2. الحرب الباردة: مؤتمرات المحاور:
في الستينيات والسبعينيات، تحول البحر الأحمر إلى خط مواجهة، ولم تعد المؤتمرات عن التجارة، بل عن "من مع من".
- مؤتمرات عدم الانحياز: فقد حاولت دول مثل الصومال وإثيوبيا واليمن، لعب دور الوسيط خلال تلك الفترة.
- مؤتمرات عسكرية ثنائية: حيث عقد الاتحاد السوفيتي مع إثيوبيا والصومال عدة مؤتمرات، وعقدت أمريكا مع السعودية ومصر مؤتمرات عدة، وكل مؤتمر كان يرسم خريطة قواعد جديدة في بربرة وعصب وباب المندب، وكانت النتيجة أن أصبح إقليم القرن الإفريقي ساحة حروب بالوكالة، وانهارت مؤسسات الدولة في كل من الصومال وإثيوبيا.
3. مؤتمرات السلام الفاشلة:
شهدت التسعينيات سلسلة مؤتمرات لإنهاء الحرب الأهلية الصومالية: مؤتمر جيبوتي عام 1991م، ومؤتمر أديس أبابا عام 1993م، ومؤتمر القاهرة عام 1997م، ومؤتمر إريتريا عام 2000م، ونجح أغلبها في إنتاج حكومة انتقالية على الورق، وفشل في إنتاج دولة على الأرض. والدرس المستفاد مما ذكر أعلاه هو أنه بدون أمن بحري واقتصادي، فأي مؤتمر سياسي مصيره الفشل.
ثانيًا: الحاضر -عودة الجغرافيا السياسية:
الملاحظ من عام 2015م وحتى اليوم عودة البحر الأحمر للواجهة بقوة بسبب ثلاثة عوامل رئيسية هي: أزمة اليمن، وصعود قوى إقليمية جديدة، ومضيق باب المندب.
أبرز المؤتمرات والمنصات الحالية:
1. مؤتمرات الرياض وجدة حول اليمن:
قامت السعودية والإمارات باستضافة عشرات الجولات، وكانت من الأهداف المعلنة لتلك الجولات: حل سياسي في اليمن، ومن الأهداف غير المعلنة: تأمين الملاحة في باب المندب. وغياب الحوثيين عن بعض الجولات جعل المؤتمرات ناقصة بحسب رأي مراقبين ومحللين.
2. قمة البحر الأحمر وخليج عدن -الرياض 2020:
وكانت أول محاولة عربية -إفريقية لإنشاء "منظمة إقليمية للبحر الأحمر". شاركت 8 دول: السعودية، مصر، السودان، جيبوتي، الصومال، إريتريا، اليمن، والأردن، وكان الهدف من إنشاء تلك المنظمة: تحقيق أمن بحري مشترك ومكافحة التهريب والإرهاب ومواجهة التحديات الطارئة. وقد غابت عن حضور المؤتمر ثلاث دول هي: إثيوبيا وإيران وتركيا.
3. مؤتمرات إثيوبيا والسودان وجيبوتي:
مع صعود أبي أحمد إلى قمة السلطة في إثيوبيا، تحولت أديس ابابا إلى مركز مؤتمرات عن "الوصول للبحر". وكانت نتائج تلك المؤتمرات: اتفاقية ميناء بربرة مع إثيوبيا والإمارات، واتفاقية ميناء عصب مع إريتريا، وكل تلك الاتفاقيات تمت عبر مؤتمرات مغلقة هدفها كسر احتكار جيبوتي.
4. القواعد العسكرية: مؤتمر صامت:
من الملاحظ اليوم وجود أكثر من 10 قواعد أجنبية حول البحر الأحمر: أمريكية وصينية وفرنسية وتركية وإماراتية وإسرائيلية، ولا يوجد لها أي "مؤتمر" معلن، ووجودها على الواقع هو نتاج مؤتمرات أمنية سرية، مما يجعل هذا الإقليم الأكثر عسكرة في العالم.
مشاكل الحاضر
- تعدد المؤتمرات وتضاربها: عقدت مؤتمرات عربية ومؤتمرات إفريقية ومؤتمرات خليجية، إلا أن كل تلك المؤتمرات لا يوجد إطار موحد لها.
- غياب البعد الاقتصادي: من الملاحظ أن أغلب تلك المؤتمرات مؤتمرات أمنية، ولا يوجد من يتكلم عن ربط ميناء عدن بميناء جيبوتي بسكك حديدية، أو من يتكلم عن منطقة تجارة حرة في البحر الأحمر.
- التغير المناخي والقرصنة: لم تدخل القرصنة ولم تدخل التغيرات المناخية بشكل جدي في أجندة أي مؤتمر من مؤتمرات البحر الأحمر.
ثالثًا: المستقبل -ماذا نحتاج من المؤتمرات القادمة؟
إذا أردنا أن تكون مؤتمرات 2030-2050 مختلفة تمامًا عن مؤتمرات 1990م والمؤتمرات التي تلتها، فنحتاج إلى ثلاثة تحولات:
1. من مؤتمرات الأمن إلى مؤتمرات الاقتصاد الأزرق:
فالبحر الأحمر بداخله ثروة سياحية وطاقة شمسية وطاقة رياح وثروة سمكية وكابلات إنترنت وغيرها من الثروات الطبيعية التي لم يستفد منها في كل المراحل، ولذلك يحتاج المستقبل إلى "مؤتمر البحر الأحمر للاقتصاد الأزرق"، بحيث يجمع هذا المؤتمر دول الإقليم والشركاء الدوليين، والهدف من ذلك: إنشاء صندوق مشترك لتطوير الموانئ، وربط شبكات الكهرباء، وحماية الشعاب المرجانية.
2. من مؤتمرات الدول إلى مؤتمرات الشعوب:
من خلال القراءة المتعمقة لأغلب المؤتمرات السابقة التي عقدت حول البحر الأحمر، نلاحظ أن تلك المؤتمرات كانت بين رؤساء ووزراء، والمستقبل يحتاج إلى مؤتمرات للشباب والصيادين ورجال المال والأعمال والمرأة، وأن الأمن الحقيقي في سواحل اليمن والصومال وإريتريا يبدأ بشعور سكان سواحل تلك الدول بأن البحر مصدر رزق لسكان تلك الدول، وليس مصدرًا للخطر الذي يتهدد حياة سكان هذه المنطقة من العالم.
3. من مؤتمرات الأزمات إلى مؤتمرات الوقاية:
للوقوف في وجه الأزمات تحتاج دول البحر الأحمر إلى "منتدى دائم للبحر الأحمر والقرن الإفريقي"، على غرار منتدى دافوس. يجتمع كل 6 شهور لمناقشة: أسعار الشحن وتوقعات الجفاف ومخاطر القرصنة والهجرة وآثارها على استقرار تلك البلدان.
السيناريوهان المحتملان
- السيناريو المتشائم: هو السيناريو المتمثل في استمرار عسكرة الإقليم، حيث لوحظ أن كل دولة من دول الإقليم تقوم بجلب حليف خارجي، وهو مما يزيد تأجيج الصراعات في المنطقة، وتظل تلك المؤتمرات بروتوكولية، والنتيجة تظل المنطقة ويظل باب المندب نقطة توتر عالمية.
- السيناريو المتفائل: هو السيناريو المتمثل بإنشاء "هيئة البحر الأحمر والقرن الإفريقي" بعضوية كاملة. هدفها ثلاثة ملفات فقط هي: أمن الملاحة، والتجارة البينية، والتكيف مع المناخ. وعندها يتحول الإقليم من "خاصرة ضعيفة" إلى "مركز لوجستي عالمي"، ومنطقة جذب تجارية عالمية.
والخلاصة لكل ما سبق الحديث عنه هو، أن مؤتمرات الماضي كانت أغراضها التقسيم، أما مؤتمرات الحاضر فهي مؤتمرات أغراضها الحماية، وأما مؤتمرات المستقبل فيجب أن تكون عن بناء تلك الدول وفق أنظمة تعتمد العمل المؤسسي الجاد، وترك العشوائية والفوضى لما لها من أضرار كانت سببًا في تأخر هذه المنطقة عن بقية مناطق العالم المتقدم.
ونصل إلى نتيجة مفادها أن البحر الأحمر والقرن الإفريقي لا يحتاجان إلى المزيد من التصريحات المؤججة للعنف؛ بل يحتاجان مشروعًا واحدًا كبيرًا جامعًا متمثلًا بممر اقتصادي وشبكة أمان وهوية إقليمية جامعة.
وحينها لن يكون المؤتمر القادم عن "كيف نوقف الحرب؟"، بل عن "كيف نصدر للعال؟م".



