عندما كانت السينما في اليمن غائبة وحضر ت في عهد محمد ابو بكر المفلحي
لم تكن السينما في اليمن، طوال عقود طويلة، جزءا طبيعيا من الحياة الثقافية والاجتماعية، بل ظلت محاصرة بنظرة شعبية متوجسة وإهمال رسمي واضح. وبعد ثورة 26 سبتمبر في شمال اليمن، لم تنشأ دور سينما بالمعنى الذي يمكن أن يؤسس لحركة سينمائية حقيقية، واقتصرت صالات العرض على مدن محدودة؛ صالة في الحديدة، وأخرى في تعز، وصالتان في صنعاء. وحتى هذه الصالات لم تكن تقدم بالضرورة أفلاما يمنية، وإنما كانت تعرض أفلاما عربية سبق عرضها في دور السينما العربية.

ومع مرور الوقت، أصبحت السينما نفسها موضع شك اجتماعي. فقد كانت الأفلام التي تصل إلى المجتمع اليمني تحمل صورا وقصصا وأنماطا من الحياة لم يكن المجتمع معتادا عليها، فتحولت السينما في نظر قطاعات اجتماعية إلى شيء من المكروه أو المرفوض، بل إلى مساحة تحيط بها الشبهة. وأصبح الذهاب إلى السينما، في بعض البيئات، أمرا قد يعرض صاحبه للعتب أو السخرية أو الوصم الاجتماعي. وهكذا لم تكن المشكلة في غياب الإنتاج السينمائي وحده، وإنما في غياب الثقافة السينمائية نفسها.
أما على المستوى الرسمي، فقد ظلت السينما لفترة طويلة خارج أولويات العمل الثقافي. تعاقبت وزارات الثقافة، واهتم بعضها بالمسرح والمعارض والكتاب والفنون التشكيلية، لكن الاهتمام بالسينما لم يتحول إلى مشروع مؤسسي مستمر. لم تكن هناك صالات سينمائية رسمية بالمعنى الحقيقي، ولا نشاط سينمائي منتظم، ولا مهرجانات أو ملتقيات قادرة على صناعة جمهور أو جيل جديد من السينمائيين.
وأستثني هنا تجربة صنعاء عاصمة للثقافة العربية عام 2004، التي مثلت واحدة من أكثر اللحظات إشراقا في المشهد الثقافي اليمني الحديث. فقد شهدت العاصمة برنامجا ثقافيا واسعا، صدرت خلاله كتب كثيرة، ونشطت الفنون، وأقيمت مسارح وفعاليات متعددة، واستقطبت اليمن عددا من الفنانين والمثقفين والأدباء العرب. وعلى الرغم من بعض الإخفاقات، فإن التجربة تركت أثرا مهما، وقدمت صورة مختلفة عن اليمن، وأتاحت للفنان اليمني فرصة الظهور والتواصل مع محيطه العربي. وكان ذلك من الأحداث التي تستحق أن تذكر في التاريخ الثقافي اليمني.
لكن السينما ظلت، حتى ذلك الوقت، الغائب الأكبر.
بدأت ملامح التحول الحقيقي في عهد الدكتور محمد أبو بكر المفلحي، الذي كان في الأصل شخصية تربوية وأكاديمية، وعرف بعمله في جامعة صنعاء، وبإسهاماته في مجال التعليم، وكان من مؤسسي كلية المجتمع. وعندما تولى وزارة الثقافة، حمل معه اهتماما واضحا بالسينما، وكان يرى أن اليمن بحاجة إلى أن تفتح هذا الباب، لا بوصف السينما ترفا فنيا، وإنما باعتبارها جزءا من الثقافة والتعليم وصناعة الصورة الوطنية.
في عام 2007 تلقيت اتصالا من الدكتور المفلحي. عرفني بنفسه، وقال إن أحمد الفتحي أخبره عن اهتمامي بالسينما، وعن دراستي في مصر. كنت في ذلك الوقت قريبا من الفنان أحمد الفتحي، وكنت أتابع دراستي وتجربتي السينمائية في مصر. دار بيننا حديث طويل حول إمكانية إنتاج الأفلام في اليمن، وإقامة ملتقيات ومهرجانات، وبناء قاعدة للتدريب السينمائي.
دعاني المفلحي إلى صنعاء، وطرح فكرة أن أعود ومعي شخصية سينمائية محترفة يمكنها المساهمة في التدريب. وبالفعل، اصطحبت معي أحد المصورين الذين تدربت على أيديهم، وبدأنا في صنعاء تنظيم دورات تدريبية في التصوير والإخراج استمرت قرابة شهر.
في تلك الفترة كان هناك حديث عن إقامة مهرجان سينمائي يمني. لكنني قلت للدكتور المفلحي بوضوح: كيف يمكن أن نقيم مهرجانا سينمائيا في بلد لا يمتلك بنية تحتية سينمائية؟ لا توجد دور عرض، ولا شركات إنتاج حقيقية، ولا صناعة أفلام يمنية يمكن أن يقوم عليها مهرجان بالمعنى المهني.
كان المفلحي متفهما لهذه الرؤية، ولذلك اقترحت أن نبدأ من الأساس: بدلا من القفز مباشرة إلى مهرجان سينمائي، نؤسس أولا لملتقى صنعاء السينمائي الأول.
كانت الفكرة بسيطة لكنها عميقة: ندعو عددا من السينمائيين والفنانين العرب، ونعرض أفلاما قصيرة في بيت الثقافة، باعتباره مساحة متاحة للهواة وصناع الأفلام اليمنيين، ونقيم ندوات وورش عمل حول صناعة السينما، ونتحدث عن كيفية الاستفادة من اليمن بوصفها، كما يقال، "استوديو مفتوحا"، بما تمتلكه من طبيعة متنوعة ومدن تاريخية وعمارة وإرث حضاري يصلح لأن يكون مادة بصرية استثنائية.
وكان الهدف أن يكون الملتقى خطوة أولى نحو مهرجان سينمائي حقيقي خلال السنوات التالية. كنا نتطلع إلى عام 2010 باعتباره موعدا يمكن أن تكون فيه قد ظهرت أفلام يمنية بمستوى احترافي وبمعايير دولية.
وبالتوازي مع ذلك، كان التفكير يتجه إلى إنشاء صالة سينمائية، سواء داخل المركز الثقافي أو بيت الثقافة، أو من خلال مؤسسة عامة تعنى بالسينما والمسرح. الفكرة لم تكن مجرد بناء صالة، وإنما بناء منظومة متكاملة: إنتاج، تدريب، عرض، نقد، جمهور، ومؤسسات.
ومن المشاريع التي دعمها الدكتور محمد أبو بكر المفلحي في تلك المرحلة فيلم "زبيد جليسة الزمان"، رغم وجود اختلاف بيني وبينه حول بعض آليات الإنتاج والدعم، وهي خلافات طبيعية في أي تجربة عمل ثقافي. وكان المفلحي في تلك الفترة يتعرض لضغوط مختلفة، لكن ذلك لم يمنعه من محاولة دعم المبدعين.
وأقول هذا شهادة للتاريخ، لا مجاملة لأحد: كان الدكتور محمد أبو بكر المفلحي من الوزراء الذين حاولوا أن يقتربوا من الكتاب والفنانين والمبدعين، وأن يقف إلى جانبهم في مستويات مختلفة، اجتماعيا وصحيا وإبداعيا. وقد لمست ذلك بنفسي عن قرب.
كانت هناك أفكار وبرامج يجري تدوينها ضمن تصور أوسع لخطة للسينما في اليمن. وكنت أتحدث عن ذلك مع عدد من الكتاب والمثقفين، ومن بينهم الروائي علي المقري والكاتب وجدي الأهدل، حول رغبة الوزير في تأسيس ثقافة سينمائية لا تظل محصورة في الفنانين، بل تصل إلى الجامعات والمدارس والبيوت. فالسينما ليست مجرد شاشة تعرض فيلما؛ إنها وسيلة لمعرفة المجتمع وتوثيق ذاكرته وقراءة واقعه وصناعة صورته أمام العالم.
وفي أحد اللقاءات التي عقدت في بيت الثقافة، بدعوة من وزير الثقافة حينها أبو بكر المفلحي كان هناك حضور عدد كبير من المثقفين والفنانين، دار نقاش موسع حول احتياجات السينما اليمنية ومتطلباتها. وطرحت أفكار حول إنشاء هيئة مستقلة للسينما، أو مؤسسة فنية مستقلة شبيهة بالهيئات الثقافية الأخرى، على أن تستكمل الإجراءات القانونية عبر مجلس النواب. وإلى أن يتحقق ذلك، كان المطلوب البدء بما هو ممكن: ورش للسيناريو، وكتابة الأفلام، والتصوير، والإخراج، وصناعة جيل جديد من السينمائيين.
لكن أحداث عام 2011 قطعت الطريق على كثير من هذه الأفكار. توقفت مشاريع كثيرة، وتراجعت وزارة الثقافة عن المشروع السينمائي، وضاعت فرصة كان يمكن أن تؤسس لمسار مختلف تماما في تاريخ السينما اليمنية.
وأعتقد، من خلال ما عايشته عن قرب، أنه لو استمر ذلك المشروع ولم تأت أحداث 2011 بما حملته من اضطرابات وانقسامات، لكان الدكتور المفلحي قادرا على تحقيق جزء كبير من رؤيته، أو على الأقل وضع الأساس المؤسسي الذي يمكن أن تبني عليه الأجيال اللاحقة.
والحقيقة أن السينما اليمنية لا تحتاج بالضرورة إلى استوديوهات ضخمة أو تقنيات باهظة كي تبدأ. اليمن نفسها استوديو مفتوح. طبيعتها، ومدنها القديمة، وعمارتها، وجبالها، وسواحلها، وأوديتها، وإرثها التاريخي والإنساني، كلها تمنح صانع الفيلم فضاءات بصرية نادرة. وقد أثبتت تجارب بعض السينمائيين اليمنيين، وفي مقدمتهم خديجة السلامي، أن بالإمكان صناعة صورة سينمائية يمنية قادرة على الوصول إلى العالم، حتى في ظل محدودية الإمكانات.
لقد كانت المشكلة، إذن، أقل ارتباطا بغياب المادة السينمائية، وأكثر ارتباطا بغياب القرار الثقافي الذي يمنح هذه المادة فرصة الظهور.
ولذلك فإن تاريخ السينما في اليمن ليس تاريخ أفلام لم تُنتج فحسب، بل هو أيضا تاريخ مشروع ثقافي ظل يبحث عن مكانه. مشروع بدأ متعثرا بين الرفض الاجتماعي والإهمال الرسمي، ثم وجد في لحظة ما إرادة تحاول أن تمنحه الحياة، قبل أن تقطعه الأحداث.
ومع ذلك، فإن الحلم لم يمت. فما زالت اليمن، بكل ما تختزنه من ذاكرة وصورة وحكايات، قادرة على أن تكون شاشة مفتوحة على تاريخها ومستقبلها. وما تحتاجه ليس سوى أن تجد مؤسسات تؤمن بأن السينما ليست ترفا، وأن الصورة، مثل الكتاب والمسرح والأغنية، جزء من حق المجتمع في أن يرى نفسه ويحكي قصته للعالم.



