زخات متناثرة من أسفار سيرة وتجربة الشاعر طه الجند(1/2)

رغم أني كنت انتهيت من قراءة ديوان "البيت الهادئ يدعو للقلق"، وشرعت بإعداد دراسة جمالية ونقدية له، غير أني وجدت أن مثل هذه الدراسة أو المقالة لن تمثل أية إضافة للمشهد الثقافي الإبداعي، وستكون مجرد امتداد لغيرها من القراءات الانطباعية التي تناولت تجربة نابغتنا الشعرية طه الجند حتى وإن اختلفت في مضامينها عن تلك القراءات.
لذلك اعتكفت على قراءة سبع مقالات لكل من الأديب والكاتب الكبير علوان الجيلاني، والأديب الشاعر والكاتب المتميز د. عبدالحكيم الفقيه، والكاتب والشاعر الرائع فتحي أبو النصر، وللصحفي أحمد الأغبري، والشاعر والباحث محمد العديني، والكاتب محمد المخلافي، والكاتب محمد الزراف، وحوار مع الأديب صدام الزيدي.
على إثر الانتهاء من قراءة ما كتبه هؤلاء المبدعون، قررت ضرورة المغايرة، والمغامرة في إنجاز قراءة أوسع يمكن توزيعها إلى حلقتين أو ثلاث حلقات وربما أربع حلقات، تناولت الحلقة الأولى سفرين، السفر الأول خاص بسيرة رحلة الشاعر من طين وصاب إلى غبار صنعاء، ومقاهيها، وغربائها، والإشارة إلى الروافد الذاتية والموضوعية التي تشكلت منها كينونة الشاعر وتجربته الإبداعية.
وخصصت السفر الثاني لتناول أبرز ملامح ومظاهر تجربة الشاعر الأدبية من خلال دواوينه الثلاثة المنشورة، معتمدًا ذاكرتي لديوان "رجل في الخارج يقول إنه أنا"، والكتابات التي اعتمدت عليها كمراجع.
أما السفر الثالث فسوف أفرد له حلقة كاملة مخصصة لدراسة ديوان "البيت الهادئ يدعو للقلق"، وهي شبه مكتملة.
من هذه المقدمة أحسبني بهذه الدراسة قد تمثلت ما أشار إليه الأستاذ عبدالله البردوني في كتابه "الشعر اليمني قديمه وحديثه": "إنه لقراءة تجربة أي شاعر يجب أن تكون أشعاره مجموعة في دواوين أو معايشًا له أولًا بأول"، وأضيف إلى ما قاله شاعر اليمن الأكبر: يجب أن تؤكد معرفتك بتجربة أي مبدع بإيجاز عرضها حتى لا يأتي من يقلل من قيمة الجهد الذي تبذله لدراسة أية تجربة.
والآن تعالوا نقلب صفحات كل من السفرين الأولين من هذه الزخات المتناثرة أدنى هذا الاستهلال.
السفر الأول: رحلة القلق بين طين وصاب وغبار صنعاء
في صبيحةٍ من صباحات سنة 1963، وحين كان الضوءُ ينهمر شفافًا على سفوح وصاب، كانت إحدى دور قرية الجند بني مسلم تحتفي مستقبلة طفلًا سمته طه.
جاء طه في مرحلةٍ تموجُ بالتغيرات الكبرى، وتتشكلُ على وقع مخاضات جمهورية وليدة.
حينما شرعت البلادُ تنبثق خارجة من عتمة العزلة، وترصفُ خطواتها الأولى نحو غبش مضطرب، كان طه يهل منبثقًا من رحم بيئةٍ يمنيةٍ تحكمها البساطة والمجابهة الإنسانية الصارمة.
هبط الشاعر إلى الحياة في زمنٍ لم يكن يُعطي المواعيد سدى، بل يضعُ أبناءه أمام مواجهة حتمية مع القدر الشاق والتحولات التاريخية والسياسية المتتابعة.
لقد أطل على الدنيا واليمن يلملم جراحه، متوشحًا بأملٍ جريحٍ أورث روحه تلك الحساسية الفائقة تجاه تقلبات الزمان ومرارات التحول..!
•••
لا شك أن لكل مبدع روافد ذاتية وموضوعية تضطلع بتشكيل وتكوين المضامين الجوهرية لسائر تجارب الفنون الأدبية.
فيا ترى ما هي الروافد الذاتية والموضوعية التي تشكلت منها تجربة شاعرنا..؟
أولًا: الروافد الذاتية:
تتمثل هذه الروافد بحساسية بيولوجية فائقة وأذن موسيقية تلتقط إيقاع الوجود، تتكامل مع مخيلة معرفية تكسر جمود اللغة لتخلق دهشة المجاز والصورة البديلة.
هذا المزيج يحركه التسامي النفسي فيحوّل صراعاته واغترابه إلى تطهير جمالي، وقلق فلسفي وجودي يسعى لانتصار القصيدة على الزمن، مصقولًا بعملية تربوية تهذب المعمار اللغوي وتطوع الإيقاع صعودًا لقمة النضج الفني.
ويعتد شاعرنا (طه الجند) بكل هذه الروافد اعتدادًا وافرًا، وإلا ما كان ليعلن عن نفسه شاعرًا، وليس سوى سنوات ثلاث تفصله عن إكمال العقد الرابع من عمره.
ثانيًا: الروافد الموضوعية:
إذا كانت الروافد الذاتية تؤكد أن طه الجند لم يتطفل على الشعر لأنه في الأصل شاعر حقيقي، فإن الروافد الموضوعية المحيطة به لا شك قد انصهرت معه وشكلت ملامح ومظاهر تجربته الشعرية.
وتتمثل أبرز الروافد الموضوعية بتلك الحواضن من "اجتماعية، وثقافية" أمدته بالموروث، وصاغت هويته اللغوية، وتقاطعت مع الزخم التاريخي والسياسي، مانحة إياه المادة الخام لفهم طبيعة الصراع وسردية الذاكرة المعاصرة.
هذا الثراء يغذيه فضاء جغرافي ومكاني يطبع نصوص طه الجند بتضاريس وظلال، متكاملة مع إرث معرفي وقرائي يشحذ أدواته البنيوية والنقدية بتميز الإبداع، لتكتمل التجربة تحت مظلة رافد إنساني كوني يتفاعل مع القضايا الأزلية المشتركة كالحرية والموت والاغتراب.

وعند النبش في سيرة شاعرنا طه الجند سنجد آثار المحيط الاجتماعي، والإرث الثقافي، والوسط السياسي، والصراع، والأزمات، والحروب التاريخية تنعكس إلى حد كبير دون عناء في أغلب قصائده.
•••
إن من يتقدم لدراسة التجربة الشعرية لطه الجند يجب أن يدرك تلك الروافد الذاتية والموضوعية كي يتمكن من إدراك مدى النضج الذي بلغته تجربة شاعرنا مبلغًا لم يعد معها محتاجًا إلى إعادة اكتشاف نواقص تجربته لأنها قد تشكلت وجدانيًا منذ نعومة أظافره في هضاب وسفوح وصاب، علاوة على قدراته الذاتية.
تمازج الذاتي وانصهر بالموضوعي هناك في وصاب العالي.
هناك تشكل وجدانه الأول في كنف أسرةٍ تعود جذورها إلى قرية "الجند" في بني مسلم بوصاب العالي؛ وهي أسرة معروفة بأنها من أسر "الرعية" في القرية ممن تمتلك الأطيان والمواشي، وتعتمد في معيشتها على محاصيل زراعتها ورعايتها.
أسرةٌ نبتت من تربة المزارعين الكادحين، واقترنت بفلاحة الأرض وتقوى القلوب.
حملت أسرته تاريخًا طويلًا من العصامية التي تجمع بين الفلاحة الحثيثة والاشتغال بالمعرفة الدينية والفقهية الصافية، مما منحها مكانة اجتماعية محفوفة بالاحترام والمهابة بين أبناء المنطقة.
لكن الأقدار فجعت طفولته المبكرة برحيل والده وهو ما يزال طفلًا صغيرًا؛ فلم يتعرف عليه، وعاش طفولته في بيت يتألف أغلبه من النساء، ليترعرع الفتى في بيئة تتنفس قيم الكرم والعفة والتعاون، حيث لا مكان للرفاهية، وحيث يُصنع الرجال من قسوة اليوميات ومكابدة شظف العيش.
من كفوف والدته وأهله المعجونة بتراب الحقول، استمد الشاعر أول دروس الانحياز للفقراء والمستضعفين، فصارت صورة المزارع والبيت الحنون مرجعيته الأخلاقية الروحية التي لا تتزعزع..!
•••
في مديرية وصاب العالي، يقف المكان شاهدًا على ملحمة الوجود الإنساني في أبهى صورها وأقساها على الإطلاق.
تتدرج الجبالُ كحراسٍ قساةٍ يطوقون المدى، وتتسلقُ المدرجاتُ الزراعية خصر الهضاب كأنها درجاتٌ نحو السحاب الصافي.
تضاريسُ شاهقةٌ، وأوديةٌ عميقة تنساب فيها الغيول في موسم المطر، وحقولٌ خضراء تلتصق بالصخور لتنتزع الحياة من أنياب الجفاف.
في هذه الجغرافية الصارمة، تعلم الشاعر كيف يتسلقُ الصعاب، وكيف يُصغي لخرير الماء وهدير الرياح بين الشعاب.
طبيعةٌ تمنحُ الروح اتساعًا أفقيًا لا حدود له، لكنها تفرشُ الطريق بالحجارة والصوان، فغدا المكان دالًّا على التحدي الصامت ومصدر دهشته الأولى التي رافقته في قصائده..!
•••
تلمس الطفل خطاه الأولى نحو كتاتيب ومدارس وصاب، حيث درس المرحلة الابتدائية بمدرسة "الثورة" بقرية "هروره" التي تبعد عن قريته.
كان يقطع الطريق حافيًا إلا من شغفٍ مبكرٍ بالكلمة المكتوبة وسحر الحكايا.
ولم تكن طفولته ودراسته خلوة وادعة؛ بل كان في الإجازات الصيفية يعرك الحياة كادحًا، حيث عمل مع أساطية البناء من أبناء منطقته، وكثيرًا ما كان يسافر معهم إلى مديريات بعيدة كمديريتي "شرعب" و"مقبنة"، بمعية أخيه علي، ويتذكر أنه أقام بمركز "هجدة" فترة يعمل في البناء ومكابدة مشقة العيش.
تغذى خاطره الشفيف في الأسمار الرمضانية بسير الأبطال وحكايات "ألف ليلة وليلة" وتلاوات القرآن الكريم، لتتسع مداركه في بيت عمه عندما طالعت عينان متلهفتان صفحات مجلة "العربي".
وفي العام 1977، تمكن الشاعر من الدخول إلى معهد معلمي الشوكاني بالعاصمة صنعاء بنظام السنوات الخمس، وهو معهد تابع لوزارة التربية والتعليم ولا يتبع المعاهد العلمية.
لقد حالفه الحظ ليلتحق بالمعهد ضمن بعثة سودانية.
كان المعهد بقسمه الداخلي يقع داخل سور الجامعة الجديدة، وهناك، داخل السكن الداخلي للمعهد، كان طه يرقب طلاب كليات الجامعة بقمصانهم الأنيقة وكتبهم المجلدة وحديثهم الصاخب حول الفلسفة والسياسة.
تسللت تلك المشاهد إلى أعماقه وجرحت كبرياءه الطامح، فنبتت في رأسه فكرة جازمة: ألا يكتفي بشهادة المعهد، بل أن يكسر القيد ويواصل تعليمه الجامعي مهما بلغت التضحيات..!
•••
تخرج طه الجند مدرساً ضمن دفعة معهد الشوكاني، وتوزع إلى مكتب التربية والتعليم بمحافظة ذمار، والذي قام بدوره بتوزيعه إلى منطقته بوصاب العالي للتدريس بمدرسة "خالد بن الوليد".
خلال فترة إقامته بالقرية وتدريسه فيها، ارتبط بالعمل الجبهوي والعمل السري ضمن خلايا "حزب الوحدة الشعبية"، وتأذى في سبيل مبادئه الوطنية والسياسية الصارمة، حيث تعرض للاعتقال والسجن والتعذيب مرتين.
ولم ينس الشاعر حلمه القديم الذي أوقدته مظاهر طلاب الجامعة؛ ففي العام 1984 انتسب والتحق بجامعة صنعاء -كلية التربية.

تطأُ أقدامُهُ عتباتِ الجامعةِ وهو يسيرُ تحتَ وطأةِ ركامٍ خفيٍّ، حاملًا في صدرِهِ أطيافَ سجنٍ مضى وصدى حربٍ لم تهدأ أوارُها بعد.
كان هناكَ بجسدِهِ فحسب، غائبًا عن اللحظةِ، تائهًا في زوايا الذهول، كمن يمشِي في ضبابٍ كثيفٍ لا يستبينُ أبعاده.
لم يكن يَعِي ما يدورُ حولَهُ، ولا يستشعرُ نبضَ الحياةِ من حولِهِ، فقد كان الفؤادُ مكلُومًا والروحُ شاردةً خلفَ قضبانِ الذكرياتِ وآلامِ المعارك.
مرّت الأعوامُ وهو يخوضُ رمادَ تلك السنين، حتى أذنَ الزمانُ للأرضِ الجرداءِ أن تورقَ من جديد.
لم يرتدَّ إليهِ رُشْدُهُ، ولم تلتئم جراحُ روحِهِ الغائرة، إلا بعدَ سنواتٍ طوالٍ من الصبرِ ولملمةِ الشتات بين المدرجات الأكاديمية وحلقات النقاش السياسي والأدبي، مستزيدًا من علوم اللغة والتربية والفكر الإنساني.
حينها فقط، بزغَ الفجرُ جديدًا في داخلِهِ، واستعادت النفسُ سكِينَتها بعد طولِ عناء.
لقد خاض تجربة التعليم الجامعي بمزيج من التحدي والعاطفة المعرفية الجامحة حتى تكللت تلك المرحلة بالحصول على درجة البكالوريوس في "الدراسات الإسلامية واللغة العربية"، ليخرج مسلحًا بالوعي والمعرفة وصقل ذائقته الأدبية والنقدية.
على إثر تخرجه من الجامعة حاملًا البكالوريوس، عاد إلى القرية ودرس فيها مجددًا حتى قيام دولة الوحدة الميمونة عام 1990؛ حيث انتقل بعدها إلى إدارة التوجيه بمكتب التربية والتعليم بمحافظة ذمار كموجه تربوي، قبل أن يستقر به المقام بشكل نهائي بأمانة العاصمة موجهًا تربويًا في مدارسها خلال عقد التسعينيات.
قضى الجند سنوات طوالًا يطوف بين الفصول الدراسية ويوجه الكوادر التعليمية، معجونًا بهوم الناس وأوجاع أجيال المتعلمين..!
•••
لم يكن الالتزام الوظيفي في الميدان التربوي سوى استنزافٍ يومي هادئ لطاقة الشاعر وإبداعه الزاخر.
كانت المتاعب اليومية وأعباء التوجيه والتدريس تلتهمُ الساعات والأوقات، فسرقت من عمره الإبداعي أحلى السنين، وأجلت إخراج أعماله الشعريّة إلى العلن.
ظل الشاعر يُخبئ نصوصه في أدراج الحيرة والتردد، خائفًا من الزيف ومستغرقًا في أداء واجبه الوظيفي الصارم الذي يعد السبب الأساسي لتأخره الطويل في إصدار ديوانه الأول.
غير أن تلك المعاناة اليومية في المدارس وبين أحياء المدينة المزدحمة غدت الخزانات الخلفية التي اختزن فيها صور الناس وآلامهم، لينسكب ذلك كله لاحقًا في شعره المغاير..!
•••
توازي سيرته الذاتية مسارًا نضاليًا صلبًا، أصلته محطات السجن والتعذيب التي خاضها في بداياته الجبهوية، ليواصل نضاله الوطني الجسيم بمناطق وصابين وعتمة.
استمر في خط النضال مستميتًا حتى وقعت فاجعة حرب صيف 1994، التي أورثته انكسارًا روحيًا هائلًا، وجعلته يتخلى تمامًا عن الأنشطة السياسية والحزبية المباشرة.
انكفأ الشاعر على ذاته، محولًا الأوقات التي كانت تستهلكها الاجتماعات والأيديولوجيات إلى قراءةٍ مركزةٍ وغزيرة في الأدب والفلسفة.
صنع من مرارات السياسة وعثرات الحياة مادةً دسمةً للتعاطي مع القصيدة، حيث صار يكتبُ الشِّعر بوصفه تفكيكًا لمفارقات الواقع وانعكاسًا أمينًا لمرارات الإنسان المهزوم القابع في القاع..!
•••
هكذا تتشكل قصة طه الجند، من طين وصاب الشامخ إلى مقاهي صنعاء وأرصفتها المليئة بالغبار والغرباء.
شاعرٌ كتب سيرته بعرق الجبين ودموع الخيبة، وحوّل القلق المعرفي والوجودي إلى ملاذٍ شعريٍ يضج بالدهشة والحكمة الشفيفة.
لم يستسلم لمرارة الحرب ولا لقسوة التهميش، بل ظل واقفًا كالشجرة الصامدة في الخطوط الأمامية للكلمة الشريفة.
يعيش حياته اليومية كقصيدة نثر تمشي بين الناس، يبتسم للمحرومين ويشاطرهم كسرة الخبز والشك الأنيق.
إنه الصوت الذي ينبع من جوهر الأرض اليمنية ليقول لنا جميعًا:
إن الشِّعر الحقيقي هو ما يكتبه المهزومون حين يبتسمون في وجه العاصفة..!
السفر الثاني: مظاهر التجربة الشعرية عند طه الجند
إن من يقف متأملًا متعمقًا في استقراء دواوين "مراثٍ لزمن الجراد"، "أشياء لا تخصكم"، "رجل في الخارج يقول إنه أنا"، "البيت الهادئ يدعو للقلق"، "دخان القرى"، "جهات المحبين"، وعند إخضاعها للتشريح النقدي سيفضي به الأمر إلى تحديد معالم وأسس التجربة الشعرية لدى الشاعر طه الجند.

إن أبرز تلك الأسس تتكون من مصفوفة مظاهر رؤيوية وجمالية تتكامل فيما بينها لتصوغ لنا عوالم نصوصه المائزة.
وليس بالإمكان النفاذ إلى جوهر تجربة الجند دون استقراء المقومات التي نسجت بنيتها من ناحية، ومن ناحية أخرى دون استكشاف ثيماتها المركزية المتمثلة في تسعة مظاهر جوهرية تستوعب تجلياتها الحياتية والإبداعية[1] على النحو الموضح أدناه.
•••
أولًا: اغتراب الذات والمنفى الداخلي
يشكل الاغتراب وحشة نفسية تسكن تفاصيل النص الشعري لدى طه الجند، حيث يتحول المكان من حِضْنٍ دافئ إلى مساحة غريبة تضاعف عزلة الذات.
يتجلى هذا المظهر في تحول البيت والمدينة إلى دهاليز شاسعة تفصل الشاعر عن محيطه الوجداني، مما يورثه قلقًا فلسفيًا وجوديًا يتجاوز حدود الزمن المادي.
تغدو العزلة هنا ليست انسحابًا من الحياة، بل موقفاً نقديًا يرفض المهادنة ويكشف غربة الروح في واقع مشحون بالاضطراب[2].
تتأسس شعرية هذا المظهر على مساءلة الكينونة والبحث عن أمان مفقود وسط ازدحام العالم..!
هل يمكن للمرء أن يلوذ بالصمت حين تغدو جدرانه صدًا لكل هذا الضجيج..؟
•••
ثانيًا: ثنائية البيت والشارع
تتصارع في عوالم الشاعر فضاءات البيت المستكين مع صخب الشارع الممتلئ بالغبار والتحولات الشديدة.
لا يقف البيت في ديوانه مجرد معمار صلب، بل يرمز إلى الهدوء الظاهري الذي يغلي في باطنه بالقلق والترقب.
وفي المقابل، يمثل الشارع حركة الحياة الدائبة ومسرحًا لمعاناة العابرين والمحرومين.
تنسج هذه الثنائية مفارقة جمالية تفكك أوهام الاستقرار وتكشف أن السكون المعلن ليس إلا هدوءًا يسبق العاصفة.
يتحول المكان من دلالته الجغرافية إلى رمز وجودي مفتوح على كل الاحتمالات..!
•••
ثالثًا: صراع الذاكرة والمكان الأول
تلقي جغرافية وصاب الشاهقة بظلالها الروحية على مخيلة الشاعر، لتشكل المرجعية الأولى لدهشته البصرية وحساسيته تجاه الطبيعة.
تتلاقى هضاب وصاب ومدرجاتها الخضراء مع قسوة صنعاء وصخب أزقتها، لتنشأ جدلية حادة بين البراءة الأولى والشتات المادي.
تظل الذاكرة مشدودة إلى كفوف الوالدين وتراب الحقول، مستمدة منها الصلابة الأخلاقية والروحية التي تقاوم انكسارات المدينة.
تصوغ هذه الجدلية نصًا يتنفس عبق الطين ويمتزج بآلام العاصمة المزدحمة بالغرباء..!
•••
رابعًا: الانحياز للهامش والاحتفاء بالبسطاء
تنبثق قصيدة طه الجند من قاع الحياة اليومية لتكتب أوجاع الكادحين والفقراء والمهزومين الذين لا صوت لهم.
يرفض الشاعر الخطاب العاجي، وينحاز بأصالة إلى البسطاء، متخذًا من معاناة الناس مادة صلبة لبناء عالمه الشعري.
تتحول صورة الأم المزارعة والحنون إلى مرجعية قيّمة تخترق نصوصه بالصدق والإنسانية العمومية[3].
إن الشعر عنده ليس رفاهية لغوية، بل هو انحياز أخلاقي وقيمي للذين يبتسمون رغم قسوة الظروف..!
•••
خامسًا: فاجعة التحول وانكسار المبادئ بفعل الحرب
تنعكس في شعر الجند جراح التجربة النضالية وما خلفته الخيبات السياسية المتتالية منذ نضاله السري وحتى انكسار حرب صيف 1994.
أورثت الحرب في وجدانه خيبة هائلة، فانسحب من التنظيم المباشر نحو انكفاء فلسفي يعيد قراءة الواقع عبر اللغة.
تتوارى الأيديولوجيا الصريحة لصالح قراءة تفكيكية تحول مرارات السجن والمطاردة إلى تجربة جمالية تصهر الروح.
تغدو القصيدة مساحة لتأمل أسباب الانكسار ومواجهة التحولات التاريخية العنيفة..!
كيف يستطيع المبدع أن يرمم روحه بعد كل هذا الانهيار الكبير..؟
•••
سادسًا: مكابدة الوجود ومواجهة الموت
يحضر الموت والغائبون في قصائده بوصفهم أسئلة وجودية تؤرق الكينونة، ولا تترك لها مجالاً للاستكانة.
يواجه الشاعر فكرة المتفلت والغياب بروح صامدة تشبه الشجرة التي تأبى الفرار عند قدوم العاصفة.
تتجسد هذه المكابدة في تحويل فعل القلق إلى أداة لمقاومة العدم والانتصار للحياة عبر الكتابة الصارمة.
تفتح النصوص أفق التلقي على الترقب والتأمل في حتمية القدر الإنساني.
•••
سابعًا: جماليات السخرية السوداء والمفارقة (الشك الأنيق)
يتخذ الشاعر الشك الأنيق القائم على التهكم الشفيف والسخرية السوداء درعًا لمواجهة عبثية الواقع وقسوته المتزايدة.
تتجلى هذه المفارقة في بناء الجملة الشعرية التي تجمع بين المتضادات، لتصنع دهشة بصرية وفكرية لدى القارئ.
يمارس الجند هذا "الشك الأنيق" ليتطهر من أوهام السلام الزائف، ويعيد ترتيب مفاهيم العالم بوعي نقدي حاد.
تتحول السخرية هنا إلى فعل مقاومة جمالي يفكك تناقضات المأساة اليومية..!
•••
ثامنًا: الاستنزاف اليومي ومكابدة شظف العيش
تترك المتاعب الوظيفية وأعباء التدريس والتوجيه التربوي بصماتها الواضحة على عمر الشاعر الإبداعي.
كان الالتزام اليومي يلتهم الساعات ويؤجل إخراج ديوانه الأول إلى العلن، خائفًا من الزيف ومستغرقًا في أداء الواجب.
غير أن هذه المعاناة اليومية في المدارس وبين الناس غدت الخزان الحقيقي الذي اختزن صور الألم والكدح.
تنسكب تلك المكابدة في نص شعري مغاير يضوع برائحة التعب الصادق..!
•••
تاسعًا: الانتصار الجمالي بالقصيدة (فلسفة الكتابة والشعر)
تتوج تجربة طه الجند بالنظر إلى الشعر بوصفه الملاذ الأخير والانتصار الوحيد المتبقي أمام انهيار الأفكار الكبرى.
ليست القصيدة عنده مجرد رصف للمفردات، بل هي إعادة خلق للوجود وترميم للذات التي أرهقتها الخيبات.
تكتب القصيدة بلغة مكثفة تبتعد عن التكلف، وتنتصر للإنسان المهزوم حين يبتسم في وجه العاصفة.
يظل الشعر لديه القوة الشريفة التي تقاوم طغيان الزمن وتمنح البقاء معناه الحقيقي[4].
أليس الشعر هو الأثر الباقي حين تتلاشى كل التفاصيل الأخرى..؟
الهوامش:
[1] استنبط الكاتب هذه المظاهر بناءً على القراءة الاستقرائية الشاملة لسبع مقالات تناولت سيرة وتجربة الشاعر طه الجند لكل من الأديب والكاتب الكبير علوان الجيلاني، والأديب الشاعر والكاتب المتميز د. عبدالحكيم الفقيه، والكاتب والشاعر الرائع فتحي أبو النصر، وللصحفي أحمد الأغبري، والشاعر والباحث محمد العديني، والكاتب محمد المخلافي، والكاتب محمد الزراف، وحوار مع الأديب صدام الزيدي.
[2] انظر: صدام الزيدي، «حوار مع الشاعر طه الجند: عن الشعر والبيت والقلق»، موقع ضفة ثالثة، 28 يوليو 2022م.
[3] انظر: صدام الزيدي، «طه الجند: الهامش بوصفه مركزًا للإبداع»، حوار صحفي.
[4] انظر: صدام الزيدي، «شهادات نقدية حول تجربة طه الجند الشعرية»، موقع ضفة ثالثة، 28 يوليو 2022م.



