صياغة الصمت

في قاعة رخامية بلا نوافذ، كان التمثال الحديدي يحاكي حركة الحياة وهو جالس على عرش من أقلام مكسورة. حوله، رفوف تحمل جراراً زجاجية، بداخلها أصوات معلبة لهتافات وتصفيق، وملصقات، وصور ترقص كأنها انتصار حقيقي، تطل منها ابتسامات تحمل بذور الانهيار القادم.
كل صباح، كان التمثال يرفع يده. فيهرع الخدم، يفتحون جرة، ويطلقون صوتاً من اختياره ليملأ الصمت. لكن الأصوات كانت تبهت مع الزمن، وتتحول إلى همسات جوفاء.
ذات يوم، قرر التمثال أن يصنع "سيمفونية الخلود". أمر الخدم بإجبار كل جرة على ترديد اللحن نفسه، تحت تهديد الطمس. ربطت الأصوات بأنابيب رفيعة موصلة بعرشه، لتخرج نغمة واحدة، قوية، متكررة.
ظن التمثال أنه اخترع الموسيقى النهائية. لكن في الأعماق، داخل الجرار، بدأت الأصوات الحقيقية تموت، تاركة فراغاً صامتاً يزداد ثقلاً. كان الصمت أثقل من العرش؛ لأنه ولد من الخوف، وكل ما يولد منه لا يعرف البقاء. بدأت الشروخ الخفية تظهر على جدران القاعة الرخامية، نابعة من الضغط الداخلي للصمت المكبوت.
وفي يوم هادئ، خرج إلى الساحة التي كان يملؤها الهتاف كل صباح.
لم يجد أحداً.
عاد إلى القاعة، واتجه إلى الجرار.
كانت كلها فارغة.
جلس على عرشه، ورفع يده.
انتظر الهتاف.
فلم يجد من يهتف له، ولا من يخاف منه.



