الأربعاء 30 سبتمبر 2026

رسالة اعتذار إلى أولادي

إلى أغلى ما أملك في هذه الدنيا.. إلى أولادي:
سامحوني.
أكتب لكم هذه الكلمات وأنا أراكم تنامون أمامي، وجوهكم البريئة متعبة، وأحلامكم الصغيرة أكبر من هذا الوطن الموجوع.

سامحوني يا أولادي، لأني لم أستطع أن أكون لكم الأب الذي يأخذكم من هذا الضجيج إلى عالم آمن.
أعلم أنكم تستحقون أفضل من هذا بكثير. تستحقون مدارس لا يسمع فيها صوت القصف، وشوارع مضيئة لا تنقطع عنها الكهرباء، ومستقبل لا تخافون فيه من الغد. تستحقون أن تفتحوا الصنبور فينزل الماء، وأن تفتحوا الثلاجة فتجدوا ما تشتهون، مثل باقي أطفال العالم.
وأعلم أنكم ربما تسألون بصمتكم الذي يقتلني: لماذا يا أبي لم تأخذنا إلى بلد آخر؟ لماذا لم تهاجر بنا إلى وطن فيه رفاهية وأمان؟
يا الله، كم يؤلمني هذا السؤال.
كم مرة فكرت فيه، وكم مرة وضعت جواز سفري أمامي، وقلت سأرحل، سأحملهم وأهرب بهم من هذا التعب.
لكن في كل مرة، كانت يدي تعجز عن فتح الباب.
لأنني يا أولادي ببساطة لا أستطيع أن أترك وطني.
أعرف أن كلمة وطن صارت ثقيلة عليكم وأنتم ترون كل هذا الخراب، لكن هذا الوطن هو جذوري التي لا أستطيع أن أنتزعها من قلبي. هو حضن أمي وأبي، هو ذاكرة طفولتي، هو كل شيء كبرت عليه. كيف أترك قلبي وأمشي؟ كيف أترك أمي وهي تنزف وأقول لها سأعود عندما تتعافين؟
لو تركته اليوم، من سيبقى له؟
يا صغاري، لم أستطع أن أنقلكم إلى وطن أكثر رفاهية، لأنني آمنت أن الكرامة أغلى من الرفاهية، وأن تبقوا في وطنكم، أشرف من أن تكبروا غرباء بلا وطن.
أنا لا أبرر عجزي، أنا أعتذر عنه.
أعتذر لأني لا أستطيع أن أشتري لكم كل ألعاب الدنيا.
أعتذر لأن ضحكاتكم تختلط أحيانًا بصوت خوفكم.
أعتذر لأني جعلتكم تكبرون قبل أوانكم، وتفهمون الحرب والسياسة والأسعار، وأنتم في سن يجب أن تفهموا فيها فقط معنى اللعب.
لكنني أعدكم بشيء واحد، وعد رجل يحبكم أكثر من روحه:
أعدكم أن أبقى بجانبكم، أن أكون لكم الوطن الصغير إذا ضاق الوطن الكبير. أن أكون لكم الأمان إذا غاب الأمان. أن أزرع فيكم حب هذه الأرض، ليس لأنها جميلة الآن، بل لأنكم أنتم من سيجعلها جميلة غدًا.
أنتم لستم ضحايا حرب يا أولادي، أنتم أبطالها.
أنتم الجيل الذي سيحكي يومًا أنه بقي، وصمد، وتعلم، ونجح رغم كل شيء.
فلا تحزنوا من أبيكم. أنا أحبكم حبًا لو وزع على هذه الحرب لأطفأها.
سامحوني يا قلبي.
أبوكم المحب لكم للأبد