ماذا فعلت الحرب بالإنسان اليمني؟
كان اليمنيون يحاولون طوال السنوات الماضية، أن يتعلموا كيف يعيشون مع الحرب. ثم اكتشفوا أنهم لم يتعلموا العيش معها، بل تعلموا فقط كيف يتحملونها.
وهذه واحدة من أقسى نتائج الصراعات الطويلة. فحين تطول سنوات القتال، لا تقتصر آثاره على البيوت والطرقات والمدارس، بل تمتد إلى طريقة الناس في التفكير، وإلى علاقاتهم، وإلى الأشياء التي يرونها مقبولة أو طبيعية.
مع الوقت، يتغير الكثير بصمت. يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، ويتقدم البحث عن الأمان على التخطيط للمستقبل. ويعتاد الإنسان الأزمات المتكررة، حتى يغدو ما كان يرفضه بالأمس أمرًا يمكن التعايش معه اليوم.
غير أن ما هو أبعد أثرًا أن سنوات الصراع تضغط على بعض القيم التي يحتاج إليها أي مجتمع كي يحافظ على تماسكه.
فعندما يضعف حضور الدولة والقانون، يبحث الناس عن وسائل أخرى لحماية مصالحهم. وعندما يصبح السلاح حاضرًا في الحياة العامة، قد يتحول عند بعض الناس من أداة مرتبطة بالقتال إلى مصدر قوة ونفوذ. ومع الانقسام السياسي والمناطقي، يصبح من السهل أن يُنظر إلى الإنسان من خلال انتمائه، لا من خلال شخصه وأفعاله.
ثم تتسع دائرة التبرير.
ما كان مرفوضًا في الظروف الطبيعية قد يجد من يبرره بحجة الحرب. الواسطة تتحول إلى طريق للحصول على الحق، والكذب قد يصبح عند بعضهم وسيلة للنجاة، والخطاب القاسي يصبح مألوفًا، والتخوين وسيلة لإسكات المختلف.
ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نقول إن الحرب أفسدت أخلاق اليمنيين جميعًا. فقد كشفت هذه السنوات أيضًا عن قدر كبير من التضامن والتكافل، وعن أسر فتحت بيوتها للنازحين، وأشخاص ساعدوا غيرهم في ظروف بالغة الصعوبة.
فالصراع يستطيع أن يكشف أجمل ما في الإنسان، وأن يضغط في الوقت نفسه على قيم أخرى تحمي المجتمع من التفكك.
والأخطر أن بعض السلوكيات قد تنتقل إلى الجيل الجديد باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة.
فالطفل الذي يكبر وهو يرى القوة تحسم الخلاف، والانتماء يتقدم على المواطنة، والتحايل طريقًا لتجاوز الأزمات، يحتاج لاحقًا إلى بيئة مختلفة حتى يتعلم أن الحياة يمكن أن تقوم على قواعد أخرى.
وهنا يصبح ما بعد الحرب أصعب من مجرد إعادة بناء ما تهدم.
يمكن إعادة بناء منزل، وإصلاح طريق، وإنشاء مدرسة. أما إعادة بناء الثقة، واحترام القانون، وقبول الاختلاف، والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، فذلك لا يتحقق إلا بالتجربة اليومية.
القيم لا تُعاد بقرار، ولا تُبنى بالخرسانة. تحتاج إلى أسرة ومدرسة وإعلام ومؤسسات عادلة، وقبل ذلك إلى سلوك يومي يرى فيه الإنسان أن الصدق ليس سذاجة، وأن القانون ليس شيئًا يمكن تجاوزه بالعلاقات.
ولهذا فإن السلام الذي يحتاج إليه اليمن ليس مجرد توقف إطلاق النار.
السلام يبدأ حين يشعر الإنسان بأن حياته لم تعد رهينة الخوف، وأن حقوقه لا تتوقف على قوته أو علاقاته.
نحن نتحدث كثيرًا عن إعادة إعمار اليمن، وهذا أمر ضروري. لكن إعادة الإعمار الحقيقية يجب أن تشمل الإنسان أيضًا؛ لأن المجتمع الذي يستعيد مبانيه من دون أن يستعيد ثقته وقيمه سيظل يحمل آثار السنوات الماضية، حتى لو اختفت آثار الدمار من شوارعه.
قد نستطيع أن نبني مدينة فوق أنقاض مدينة، لكن بناء الإنسان الذي أنهكته سنوات الصراع يحتاج إلى وقت أطول.
فالتحدي بعد الحرب لن يكون فقط: ماذا سنبني؟ بل أيضًا: أي مجتمع نريد أن نعيش فيه بعد كل ما حدث؟
أستاذ الإعلام



