الثلاثاء 11 أغسطس 2026

آسفون يا أطفال غـ ـزة

آسفون يا أطفال غزة

جئنا متأخرين

كما يأتي المطر بعد احتراق الحقول

وكما تأتي الأغنية

بعد أن يصمت المغني

جئنا نحمل كلمات كثيرة

لكن الكلمات أمام عيونكم

تقف خجلى

ماذا نقول لطفل

كان يجب أن يحمل لعبة

فحمل سؤالًا؟

ماذا نقول لطفلة

كان يجب أن ترسم بيتًا

فرسمت بيتًا بلا جدران؟

آسفون

لأننا علمناكم أسماء الأشياء الكبيرة

الحدود

المصالح

المؤتمرات

البيانات

ونسينا أن نعلم العالم

اسم الشيء الأصغر

يا صغير غزة

هل كنت تنتظر العيد

أم كان العيد ينتظرك؟

هل خبأت ثوبك الجديد

تحت وسادتك؟

أم أن الحرب جاءت مبكرًا

ومزقت الصفحة قبل أن تكتمل؟

قالوا لك

اكبر

لكنهم لم يقولوا

سنحميك

فكبرت أسرع من عمرك

وصرت تعرف من العالم

ما لا ينبغي لطفل أن يعرفه

وقف الصمت في المحكمة

سأله القاضي:

لماذا لم تتكلم؟

قال: كنت أنتظر بيانًا؟

قال القاضي:

ومن أين يأتي البيان؟

قال: بعد أن ينتهي الحدث

فصرخ طفل من بين الشهود:

لكنني كنت الحدث؟

وسقط الصمت

لأن الطفل

كان أكبر من الخطب

قال العالم:

نحن آسفون؟

سأله الطفل:

هل تعيد كلمة آسف

بيتًا هدم؟

قال العالم:

لا

سأل:

هل تعيد أمًا إلى طفلها؟

قال: لا

سأل:

إذن لماذا تأتي متأخرًا؟

لم يجد العالم جوابًا

فبعض الأسئلة

أثقل من كل اللغات

يا أطفال غزة

أنتم لم تكونوا أرقامًا

في نشرة المساء

لم تكونوا صورًا عابرة

على شاشات باردة

كنتم أحلامًا صغيرة

تمشي على قدمين

كنتم ضحكة

كان يمكن أن تصبح أغنية

كنتم مستقبلًا

لم يمنحوه فرصة للوصول

فإذا كتب التاريخ يومًا

عن هذا الزمن

لن يسأل فقط:

من أطلق النار؟

بل سيسأل:

من رأى الطفل ولم يحمِ الطفل؟

يا أطفال غزة

إذا عجز العالم عن الاعتذار

فإن التراب يعتذر

والبحر يعتذر

والزيتونة التي بقيت واقفة

تقول:

سامحونا

لقد كان ينبغي

أن يكون لكم غد أجمل

لكن أسماءكم

لن تسقط من الذاكرة

فالأطفال الذين رحلوا

لا يموتون مرتين

يموتون مرة في الحياة

ويبقون مرة في ضمير الإنسانية

آسفون يا أطفال غزة

لقد تأخرنا قليلًا

كان علينا أولًا

أن نعقد اجتماعًا طارئًا

حول معنى الطوارئ

وأن نختلف ساعة

حول الفاصلة

في جملة البيان

هل نقول:

نشعر بقلق؟

أم نقول:

نشعر بقلق بالغ؟

فاللغة يا أطفال

لها بروتوكولاتها أيضًا

وللموت آداب دبلوماسية

آسفون

كان علينا أن نحصي عددكم

قبل أن نحصي عدد القتلى

وأن نعرف

هل أنتم أطفال بما يكفي

كي نستحق أن نبكيكم

أم أنكم

أرقام صعبة على الشاشات

فتحذفون من النشرة

قبل نشرة الطقس؟

آسفون يا أطفال غزة

لقد كنا مشغولين

بإنقاذ العالم

من الكلمات الخطرة

كنا نفتش عن كلمة سلام

في أفواه السياسيين

ونفتش عن كلمة إنسانية

في البيانات

ولم ننتبه

أن كلمة أم

كانت تركض في الشارع

وحدها

في القاعة الكبيرة

جلس العالم

جلس العالم مرتاحًا

على كرسي العالم

وأمام العالم

طاولة مستديرة

لا تصل إلى غزة

قال الأول:

ينبغي أن نتحلى بالحكمة

قال الثاني:

ينبغي أن نلتزم بالقانون

قال الثالث:

ينبغي أن نمنح السلام فرصة

رفع طفل من غزة يده:

أي سلام؟

فنظروا إليه باستغراب

قالوا:

من سمح لك بالدخول؟

قال: أنا صاحب الدعوة

أنا الذي اجتمعتم من أجله

أنا الذي في الأخبار

أنا الذي على الخريطة

أنا الذي تحت الأنقاض

أنا الذي لم تجدوا له

مكانًا في جوازات سفركم

فساد الصمت

ثم عادوا إلى الاجتماع

قال الرئيس:

لنعد إلى جدول الأعمال

آسفون يا أطفال غزة

كان جدول الأعمال طويلًا

كانت هناك قضايا أهم

أسعار النفط

أسواق الأسهم

نتائج الانتخابات

مواعيد القمة

وآخر أخبار الطقس

أما أنتم

فكنتم خبرًا عاجلًا

والخبر العاجل

يموت سريعًا

قالوا:

الضحية؟

قلنا:

طفل؟

قالوا:

الهدف؟

قلنا:

بيت

قالوا:

الأضرار الجانبية؟

قلنا:

أم كانت تعد الخبز

قالوا:

عملية عسكرية؟

قلنا:

ليل

قالوا:

ضرورة أمنية؟

قلنا:

مهد فارغ

قالوا:

أرقام؟

قلنا:

أسماء

قالوا:

أزمة إنسانية؟

قلنا:

إنسان

فقالوا: لا تكبروا الموضوع

فقلنا:

كيف نصغر طفلًا

كان يناسب شاشة التلفاز؟

يا أطفال غزة

لقد اخترع الكبار

قاموسًا رائعًا

قاموسًا لا توجد فيه

كلمة جريمة

إلا إذا وقعت

في الجهة الخطأ من الخريطة

ولا توجد فيه

كلمة موت

إلا إذا كان الميت

يحمل الجنسية المناسبة

ولا توجد فيه

كلمة طفل

إلا إذا كان الطفل

يصلح لصورة جميلة

في حملة تبرعات

آسفون

لقد كنا نطور اللغة

بينما كنتم تفقدون البيوت

كنا نمنح الكلمات

حصانة دبلوماسية

وأنتم

كنتم تبحثون عن غرفة

لا يسقط سقفها

الكاميرا تعرف كل شيء

دخلت بيتكم

قبل أن يدخل إليه الموت

صورت الجدار

والدمية

والحذاء الصغير

والنافذة التي لم يعد لها

شارع

صورت الأم

وهي تبحث عن ابنها

صورت الطفل

وهو يبحث عن اسمه

بين الأسماء

ثم قالت الكاميرا:

مشهد مؤثر جدًا

ثم انتقلت

إلى الإعلان

يا أطفال غزة

العالم يحبكم

حين تكونون صورة

حين تكونون

عينين واسعتين

غبارًا على الوجه

يدًا صغيرة

تمسك بيد أكبر منها

لكن العالم لا يحبكم

حين تكبرون

حين تسألون:

من هدم بيتنا؟

من قتل أبي؟

من سمح؟

من منع؟

من شاهد؟

من صمت؟

من باع لنا

وردة في الصباح

ثم باع السلاح

في المساء؟

آسفون يا أطفال غزة

لقد بكيناكم

بكاء مناسبًا

بكاء لا يفسد مصالح الدول

بكاء يمكن وضعه

في منشور أنيق

ثم إغلاق الهاتف

ثم تناول العشاء

في المحكمة

لم يجلس القاضي

جلس طفل

قال: أنا القاضي اليوم

فأنتم حاكمتمونا طويلًا

بأسمائنا

بخرائطكم

بصمتكم

بأسئلتكم التي لا تنتهي

ثم دخل العالم

قال الطفل:

اسمك؟

قال: العالم

مهنتك؟

قال: الإنسانية

سأله الطفل:

وأين كنت؟

قال: هنا

قال الطفل:

طوال الوقت

قال: تقريبًا

قال الطفل:

إذن أنت شاهد؟

قال العالم: نعم

قال الطفل:

ولماذا لم تشهد؟

ثم دخلت الدول

كل دولة تحمل

مظلة من الكلمات

قال الطفل:

لماذا جئتم؟

قالوا: للتضامن

قال: وأين كان تضامنكم

حين كنا نحتاجه؟

قالوا:

كنا تراقب الوضع

قال: وماذا رأيتم؟

قالوا: الكثير

قال: وماذا فعلتم؟

سكتوا

فقال الطفل:

إذن أنتم لستم شهودًا

أنتم جمهور

ثم دخل التاريخ

كان شيخًا متعبًا

سأله الطفل:

هل ستكتب ما حدث؟

قال التاريخ: سأحاول

قال الطفل: لا تحاول

اكتب

فأنا لا أريد

أن أصبح رقمًا

في كتاب مدرسي

بعد خمسين عامًا

أريد أن أعيش خمسين عامًا

يا أبي

إذا مت

لا تقل لهم

إنني كنت شجاعًا

قل لهم:

كان يريد أن يعيش

لا تجعلوا موتي

بطولة مجانية

أنا لم أطلب

أن أكون رمزًا

كنت أريد كرة

ومدرسة

وصديقًا

وشحرة أمام البيت

وأن أتشاجر مع أخي

على قطعة حلوى

ثم أصالحه

قبل النوم

كنت أريد حيلة

عادية جدًا

وهذا يا أبي

كان طلبي الوحيد

الذي بدا العالم

مبالغًا فيه

يا أمي

إذا بقي صوتي

ضعيه قرب النافذة

ربما يسمعه أحد

لا تقولي:

كان هنا طفل

قولي:

كان هنا مستقبل

كان هنا شاعر صغير

لم يكتب قصيدته

كان هنا طبيب

لم يصل إلى الجامعة

كان هنا مهندس

لم يرَ أول بناية لم يصممها

كان هنا لاعب

لم يعرف إن كان سيصبح نجمًا

كان هنا إنسان

فقط إنسان

وهذا يكفي

كي يكون موته

فضيحة في وجه العالم

آسفون يا أطفال غزة

لكن ماذا تفعلون باعتذارنا؟

هل يبني بيتًا؟

هل يعيد أبًا؟

هل يعيد عينًا

إلى وجه طفلة؟

هل يعيد النوم

إلى طفل صار يعرف

صوت الطائرة

أكثر مما يعرف صوت العصفور؟

هل الاعتذار

يخرج الموتى من الأرض؟

هل يملأ حقيبة المدرسة

بعد أن صارت الحقيبة رمادًا؟

آسفون

هذه الكلمة أصبحت ثقيلة جدًا

كلما قلناها ازداد ثقلها

كلما قلنا آسفون

سأل الطفل: على ماذا؟

فنقول: على ما حدث؟

فيقول:

ماذا حدث؟

فنقول:

الأمر معقد

فيقول: أنا طفل

لماذا يجب أن أفهم التعقيد

كي أستحق الحياة؟

آسفون يا أطفال غزة

لكننا هذه المرة

لا نريد أن ننهي القصيدة

بدمعة

فالدمعة وحدها

قد تكون شكلًا آخر

من أشكال الهروب

نريد أن تبقى الكلمة

مفتوحة كالجرح

وأن يبقى السؤال

واقفًا في منتصف العالم

كيف اعتدنا موت الأطفال

ثم سميناه سياسة؟

يا أطفال غزة

لسنا آسفين

لأنكم رأيتم الموت

نحن آسفون

لأننا رأيناكم

ولم نرَ أنفسنا

نحن آسفون

لأننا عرفنا أسماءكم

بعد أن صار لكل اسم

تاريخ موت

نحن آسفون

لأننا تعلمنا كيف نصف المأساة

ولم نتعلم كيف نمنعها

فإن عاد طفل من تحت الركام

وقال: أين كنتم؟

لا تقولوا:

كنا نبكي

قولوا الحقيقة

قولوا: كنا هناك

وكنا نعرف

وكنا نستطيع أن نفعل شيئًا

ثم لم نفعل

آسفون يا أطفال غزة

هذه ليست خاتمة

هذه تهمة

وهذه القصيدة ليست مرثية

إنها محضر اتهام

كتبه طفل صغير

على جدار بقي واقفًا

وفي أسفل الجدار

ترك جملة واحدة:

لا تعتذروا لي غدًا

إن كنتم تستطيعون

أن تمنعوا موتي اليوم

آسفون يا أطفال غزة

وصلنا البيان

كان أبيض جدًا

أبيض كأنه لم يرَ شيئًا

فيه كلمات جميلة

قلق.. أسف.. دعوة.. ضرورة.. حل.. سلام

لم تكن فيه

رائحة بيت محترق

لم يكن فيه

اسم أم

لم يكن فيه حذاء طفل

وحيدًا أمام الركام

لكن البيان كان أنيقًا

وهذا مهم

فالقلب في هذا العصر

يحتاج إلى لغة مهذبة

قال المذيع:

وردنا الآن

أن الوضع الإنساني

يتدهور

تدهور؟

أيها المذيع

الوضع لم يتدهور

الوضع مات

لكنكم تخافون

من الكلمات التي لها جثث

أهلًا بكم في جمهورية القلق

هنا الجميع قلقون

الرؤساء قلقون

الوزراء قلقون

السفراء قلقون

المتحدثون الرسميون قلقون

جدًا

حتى الذين يرسلون القنابل

قلقون من آثارها

يا لها من أخلاق عظيمة

في جمهورية القلق

يموت الطفل

فتصدر الدولة بيانًا

بموت عشرة

فيصدر بيان أكثر حزنًا

بموت مائة

تضاف كلمة بالغ

يموت ألف

تعقد قمة

ثم تعود الطائرات

يا أطفال غزة

لا تقلقوا العالم معكم

العالم معكم جدًا

إلى درجة

ألا يستطيع أن يترككم

دون أن يرسل لكم

مزيدًا من القلق

في الصباح

استيقظ وزير الموت

ارتدى بدلته

ربط ربطة عنقه

شرب قهوته

قرأ الصحيفة

قال لزوجته:

لدينا يوم مزدحم

قالت:

هل ستذهب إلى الوزارة؟

قال: طبعًا

لدينا اليوم مئات القرارات

سألته:

وقرارات الحرب؟

قال:

لا تقولي حربًا

قولي: إدارة أزمة

ضحكت

فضحك

كانا سعيدين

فاللغة الحديثة

تجعل الجريمة

وظيفة مكتبية

في الوزارة

كانت هناك شاشة كبيرة

على الشاشة

غزة

قال الموظف:

سيدي هناك أطفال

قال الوزير:

كم؟

قال: كثيرون

قال الوزير:

ضعوا الرقم

قال:

لكنهم أسماء

قال الوزير:

الأسماء تعقّد الجداول

ضعوا الرقم

وفي آخر اليوم

وقع الوزير الورقة

لم ترتجف يده

اليد التي توقع الموت

تتعلم سريعًا

أن تكون رسمية

قالوا لنا:

هذه ديمقراطية

فصفقنا

قالوا:

هذه حرية

فصفقنا

قالوا:

هذه حضارة

فصفقنا

ثم سأل طفل من غزة:

إذا كانت الحضارة

تحتاج إلى كل هذه المقابر

فماذا كان يفعل البرابرة

ليستحقوا كل هذا الشقاء؟

سكت الجميع

فالسؤال حين يكون صادقًا

أخطر من الصاروخ

قالوا: نحن نحترم القانون

قال الطفل:

أي قانون؟

قالوا:

القانون الدولي

قال:

وأين يسكن؟

قالوا:

في المؤسسات

قال:

هل يستطيع أحد أن يأتي إلى هنا؟

قالوا: الأمر معقد

قال: إذن قانونكم لا يملك جواز سفر

جاءت الكاميرا

صورتني

صورت أمي

صورت البيت

صورت سريري

صورت دميتي

ثم قالت: هذه صورة مؤثرة

يا كاميرا

لماذا صورتني؟

قالت: لأخبر العالم

قلت: وماذا سيحدث

بعد أن يعرف العالم؟

قالت:

سيحزن

قلت: وماذا بعد الحزن؟

قالت: سينشر الصورة

قلت: وماذا بعد النشر؟

قالت:

سيضعون قلبًا أحمر

قلت: وماذا بعد القلب؟

سكتت الكاميرا

لأن التكنولوجيا

لم تخترع بعد

زرًا اسمه

أوقفوا الموت

في الساعة الثامنة

كان العالم يشاهد غزة

في التاسعة

كان العالم يناقش غزة

في العاشرة

كان العالم يتعاطف مع غزة

في الحادية عشرة

كان العالم متعبًا من غزة

في منتصف الليل

العالم أغلق هاتفه

نام

أما غزة فلم يكن عندها هاتف

لتغلقه

كان عندها ليل

والليل هناك

ليس وقتًا

الليل هناك

اختبار للبقاء

يا أطفال غزة نحن آسفون

لقد كنا نحتاج إلى النوم

أنتم أيضًا

كان يجب أن تناموا

لكن الطائرات

لم تكن تعرف

أن عندكم مدرسة غدًا

تقدم الطفل

قال: لنحاكمهم

قالوا: من؟

قال: الجميع

قالوا: هذا كثير

قال: الموت كان كثيرًا أيضًا

أحضروا الدولة الأولى

سألها: هل رأيت؟

قالت: نعم

هل عرفت؟

قالت: نعم

هل استطعت؟

قالت: نعم

فماذا فعلت؟

قالت:

أصدرت بيانًا

قال: إلى القفص

أحضروا الدولة الثانية

هل رأيت؟

نعم

هل عرفت؟

نعم

هل استطعت؟

نعم

فماذا فعلت؟

قالت: أرسلنا مساعدات

قال: وبيد أخرى؟

سكتت

قال الطفل: إلى القفص

أحضروا الإعلام

قال:

هل رأيت؟

قال: نعم

هل صورت؟

قال: نعم

قال:

نقلت الحقيقة؟

تردد قال:

قلت ما يسمح به الهواء

قال الطفل: إلى القفص

ثم جاء الصمت

لم يسأله الطفل

قال الصمت: أنا بريء

فقال الطفل: أنت أخطرهم

يا موت نحن آسفون أيضًا

لقد ظلمناك

قلنا: الموت قدر

ثم اكتشفنا أن بعض الموت

له توقيع

وقلنا: الموت يأتي فجأة

ثم رأينا

الطائرة تأتي من السماء

وقلنا: الموت لا يفرق

ثم اكتشفنا

أن البشر بارعون جدًا

في اختيار من يموت

يا موت سامحنا

لقد جعلناك ذريعة لكل شيء

كلما قتلنا طفلًا

قلنا: الموت

كأن الموت هو الذي ضغط الزر

كأن الموت هو الذي وقع الأمر

كأن الموت هو الذي جلس أمام الشاشة

وقال: الهدف التالي

يا خريطة

لماذا أنت صامتة؟

قالت: لأنكم ترسمونني

كلما احتجتم إلى حرب

قلت: وأين غزة؟

قالت:

هنا

قلت: وأين الطفل؟

قالت: لا أستطيع رسمه

قلت: لماذا؟

قالت: أنا خريطة

لا أملك مساحة كافية

لأرسم قلبًا

لكنني رأيت على الخريطة

خطوطًا كبيرة

حدودًا.. ممرات.. مناطق

نقاطًا.. مربعات

إحداثيات ولم أرَ شيئًا واحدًا

مكانًا آمنًا لطفل

لا نريد منكم خطابًا

لا نريد منكم دمعة رسمية

لا نريد منكم شمعة أمام الكاميرا

لا نريد صورة جماعية

بملامح حزينة

لا نريد دقيقة صمت

تعود بعدها الموسيقى

نريد أن نعرف

كم دقيقة يحتاجها الضمير

كي يتحول إلى فعل؟

لا تقولوا: نحن نتابع

فنحن أيضًا نتابع

نحن نتابع السماء منذ ولدنا

لا تقولوا:

نحن قلقون

نحن أيضًا قلقون

لكن قلقنا لا يملك طائرة

ولا يملك سفارة

ولا يملك حق النقل

ولا يملك مؤتمرًا صحفيًا

قولوا الحقيقة مرة واحدة

دون ربطة عنق

دون مكياج

دون مترجم

قولوا: هناك أطفال يموتون

ونحن نعرف

ونستطيع أن نفعل شيئًا

ثم افعلوا

آسفون يا أطفال غزة

آسفون لأن العالم تعلم أسماء مدنكم

من نشرات الأخبار

آسفون لأن بعض الناس

عرفوا عددكم

قبل أن يعرفوا أحلامكم

آسفون لأنكم اضطررتم

أن تثبتوا للعالم

أنكم بشر

لكن لا تسامحونا بسرعة

أرجوكم

لا تفعلوا

دعوا الاعتذار واقفًا في الشمس

دعوه يشيخ

دعوه يحمل أسماءكم

دعوه يمر على البيوت المهدمة

دعوه يقف أمام كل قبر

دعوه يسأل:

من فعل ومن رأى ومن صمت ومن قال؟

ولا يمكننا فعل شيء

لا تسامحونا

ليس الآن

فالتسامح المبكر

قد يكون طريقة أخرى

لإغلاق الملف

قالوا: أغلقوا الملف

قلت: أي ملف؟

قالوا: غزة

قلت: عزة ليست ملفًا

قالوا: كل شيء له نهاية

قلت: إذن افتحوا التاريخ

قالوا: لماذا؟

قلت:

لأنكم إذا أغلقتم الملف

سيبقى الطفل خارجه

وفي آخر الليل

جلس موظف وحيد

أمام الحاسوب

كتب:

ملف غزة مغلق

وقبل أن يضغط زر الحفظ

ظهرت على الشاشة يد طفل

كتبت: أنا لم أمت كي تغلقوا الملف

ثم اختفت

آسفون يا أطفال غزة

لكنني هذه المرة سأحذف كلمة آسفون

سأترك الجملة عارية

يا أطفال غزة

لقد رأينا

لقد عرفنا

لقد سمعنا

لقد استطعنا

ولم نفعل بما يكفي

هذه هي الجملة

لا موسيقى خلفها

لا دمعة

لا نشيد

لا أعلام

فقط الحقيقة

واقفة في منتصف الساحة

وإذا جاء غدًا

طفل من بين الركام

وحمل دفترًا صغيرًا وقال:

أريد أن أكتب قصيدة

فلا تسألوه عن الحرب

لا تسألوه عن الموت

لا تجعلوه شاعرًا بالقوة

اعطوه قلمًا

اعطوه بيتًا

اعطوه مدرسة

اعطوه نافذة

اعطوه صباحًا

لا يسمع فيه شيئًا

إلا صوت أمه

استيقظ الغد تأخرت عن المدرسة

حينها فقط حين يصبح للطفل

مستقبل لا يحتاج إلى مرثية

يمكننا أن نقول:

انتهت القصيدة

أما الآن فهي لم تبدأ بعد