أسفار متناثرة من أسفار سيرة وتجربة الشاعر طه الجند(2/2)

كنتُ قد تناولتُ في الحلقة الأولى السِّفر الأول الخاص بسيرة الطين ورحلة القلق، أبرزتُ من خلالها الروافد الذاتية والموضوعية التي تُشكّل كينونة التجربة الإبداعية للشاعر طه الجند، وأبرزتُ في السِّفر الثاني المظاهر والثيمات المركزية التي تدور حولها تجربته الشعرية المائزة.
أما الحلقة التي بين أيدينا فمخصصة لدراسة لديوان البيت الهادئ يدعو للقلق.
•••
السِّفر الثالث: قراءة تفكيكية لديوان البيت الهادئ يدعو للقلق
تجدر الإشارة -قبل الولوج إلى تفكيك نصوص المجموعة الشعرية- إلى أن مجموعها يبلغ 53 قصيدة موزعة على ثلاثة عناوين داخلية، كل عنوان منها يُعد ديواناً شعرياً مستقلاً بذاته.
23 قصيدة جاءت بعد عنوان وتصدير ديوان "غرفة للمسودات والنوم".
14 قصيدة جاءت بعد تصدير وعنوان ديوان "البيت الهادئ يدعو للقلق".
16 قصيدة جاءت بعد تصدير وعنوان ديوان "ساق الحرب".
غير أنه بفعل الظروف المعيشية الصعبة، وجد شاعرنا نفسه اضطرارياً يجمع القصائد والمجموعات الشعرية الثلاث في ديوان واحد ليسمه بـ "البيت الهادئ يدعو للقلق"؛ لهذا لا يجب أن يغفل القراء هذه الإشارة، ومن أنهم أمام ثلاث مجموعات شعرية وليس مجموعة شعرية واحدة.
والآن لنرى ما يكتنف ديوان شاعرنا من عوالم ودلالات من الغلاف حتى آخر قصيدة.
•••
أولاً : العتبات البصرية والنصية للديوان
تُشكل العتبات البصرية والنصية (العنوان، اللوحة الفنية، الألوان، التصدير) لديوان «البيت الهادئ يدعو للقلق» للشاعر طه الجند الممر الإجباري والأول لفك شفرات التجربة الشعرية واستكشاف عوالمها الداخلية.
أ _ العتبة البصرية والنصية للغلاف:
تمثل هذه العتبة المفتاح الفلسفي الأول للديوان، وعليه فإن غلاف الديوان ليس مجرد غلاف خارجي، بل هو بيان بصري ومفتاح دلالي موازٍ لقصائد الديوان.
1 _ العتبة البصرية للغلاف
تتوسط غلافَ الديوان لوحةٌ فنية تجريدية ذات طابع تعبيري متوتر يجسد الحيرة والمعمار الداخلي.
وما يؤكد ذلك هو اعتماد الفنان ياسين غالب [1] عند تكوين أو رسم لوحة الغلاف على خطوط متداخلة وتعرجات تشبه السلالم الملتوية أو المتاهة العمرانية ليترجم لنا مفهوم "البيت" لا بوصفه جدراناً منتظمة، بل بوصفه دهاليز نفسية معقدة ومتشابكة.

ولزيادة تجسيد الحيرة والمعمار الداخلي، قام بتداخل الألوان فجعلها تتدرج في اللوحة بين الألوان الداكنة (الأسود والبني) وضغوط من اللون الأحمر والبيج؛ وبذلك استطاع أن يعكس الصراع بين السكون الظاهري (خلفية الغلاف الترابية/البيج) والغليان الداخلي (الأحمر والأسود المحبوس داخل الإطار).
2 _ العتبة النصية لعنوان الغلاف
منذ الوهلة الأولى التي تقرأ فيها عنوان الديوان تبرز شعرية المفارقة والتضاد؛ مفارقات لغوية ونفسية صرّح بها الشاعر في أربع كلمات هي:
البيت الهادئ يدعو للقلق.
ثلاثة أسماء وفعل؛ الأسماء هي: اسم ذات (البيت)، ونعت ومصدر متضادان (الهادئ، القلق).
والفعل (يدعو) مضارع لا يعني (ينادي) ظاهرياً، بل يعني باطنياً (يبعث على القلق)؛ فهو فعل (إشارة وتحذير).
كما نلاحظ أن جملة العنوان تتكون من مركبين متناقضين هما (البيت الهادئ) و(يدعو للقلق).
البيت هنا يُعلم أنه يرمز للسكينة، الأمان، والاستقرار.
الهدوء يشير إلى حالة من السكون المفترض أن تبث الطمأنينة.
القلق يمثل حالة الانزعاج، التوتر، والتوجس من المجهول.
عبر هذا التركيب المزدوج، ينسف الشاعر الفكرة التقليدية للمكان (البيت)؛ فالهدوء هنا ليس سلاماً، بل هدوء ما قبل العاصفة، أو صمت ثقيل يُخبئ تحته توتراً كبيراً.
العنوان يضع القارئ منذ اللحظة الأولى في حالة استعداد ذهني لمواجهة نص لا يطمئن، بل يثير الأسئلة ويستفز الاستقرار.
3 _ التناغم بين النص والبصر في الغلاف
لقد نجح الفنان ياسين غالب في ترجمة مضامين نص العنوان في لوحة الغلاف.
ففي حين قام الشاعر ببناء عنوان معماره الشعري من أربع كلمات، قام الفنان برسم ذلك المعمار الوجداني بعدد من الألوان، فاختار أرضية الغلاف بلون بيج-ذهبي هادئ وباهت ليجسد حالة "الهدوء الظاهري" للبيت، وجعل اللوحة الفنية في مركز الغلاف تشكل العقدة البصرية التي تُجسد حالات "القلق" والاضطراب.
إن غلاف ديوان طه الجند يمارس لعبة إغواء بصري وفكري؛ حيث يضع القارئ أمام عتبة تتأرجح بين الأمان والاضطراب، مُعلناً أن ما بعد هذا الغلاف ليس قصائد للاسترخاء، بل تجربة للبحث والتأمل في مفاهيم القلق، المكان، والوجود، ليس في اليمن فحسب، ولا في البيت العربي، بل في أكبر بيوت العالم.
•••
ب _ العتبة النصية للتصدير الأول:
إن عتبة التصدير الأول في (ص 3) المكونة من سطرين مكثفين [2] تمثل المفتاح الفلسفي الثاني للقصائد الممهورة تحت عنوان "غرفة للمسودات والنوم" ص6 وعددها (23) قصيدة، وهي بمثابة مجموعة شعرية أولى ضمن الديوان.
بدأ شاعرنا يُصدّر هذه المجموعة بالقول:
عند قدوم العاصفة
لا تفكر الشجرة بالفرار...
سطران مكثفان اختزل فيهما الشاعر موقفه الوجودي من حالة الهدوء الزائف الذي أحس به، فارتعدت أوصاله بالقلق، وأصر أيما إصرار على أن يبدأ تحذيراته في هذا الديوان بتصدي ثنائية الصدمة والصمود.
تصدير تجلت فيه الجمالية التي لا يقوى على إظهار ملامحها الظاهرية والباطنية إلا شاعر محترف بصنعة الشعر، وعالم بأسراره، وجدير بتوجيه مضامينه إلى الغايات التي يرجوها من صناعته.
لهذا نجده لتجسيد حالات القلق والتحولات القاسية التي تهدد طمأنينة البيت، استخدم مفردة "عاصفة" واستخدم "الشجرة" رمزاً للذات المتجذرة في أرضها وهويتها، والتي تفتقر لكل سُبل الهروب.
إن البياض الشاسع المحيط بالنص يمنحه بُعداً بائساً من الصمت والترقب، بينما تفتح علامات الحذف (...) أفق التلقي على أسئلة المواجهة والانكسار.
إنها عتبة تُعلن انحياز الشاعر للبقاء والمكابدة، مرسخةً مناخ التوتر الذي يفيض به النص الشعري.
•••
ج _ العتبة النصية للتصدير الثاني:
إن عتبة التصدير الثاني في (ص 38) المكونة من عبارة واحدة تمثل المفتاح الفلسفي الثالث للقصائد الممهورة تحت عنوان المجموعة الشعرية الثانية "البيت الهادئ يدعو للقلق"؛ وهي المجموعة التي حَمَلَت عنوان الديوان الرئيسي وبلغ عدد قصائدها (14) قصيدة [3].
وقام الشاعر بتصدير هذه المجموعة بالقول:
لستُ جباناً
بما يكفي لأصمت...
تتجلى في هذه العتبة الشديدة التكثيف والمباشرة جماليةُ المفارقة الأخلاقية والوجودية.
حيث يُعيد الشاعر تعريف مفهوم "الصمت" ومفهوم "الشجاعة" في أزمنة التحولات والاضطراب.
فالصمتُ هنا ليس مجرد حالة استرخاء أو سكون عابر، بل يُصوّره النص ببراعة بوصفه ممارسة تتطلب قدرات من النكوص والتراجع (الجبن) لا تمتلكها الذات الشاعرة.
ينسف طه الجند فكرة الصمت الحيادي، ليجعل من فعل الكلام والمواجهة التزاماً أخلاقياً وجودياً لا مفر منه، مبرراً بذلك دوافع القلق الداخلي الذي يفيض به عنوان المجموعة.
تُرسخ هذه العتبة الشحنة الدلالية الصارمة للشهادة على العصر؛ فإذا كانت الشجرة في التصدير الأول تستسلم لقدر الثبات في وجه العاصفة، فإن الذات الشاعرة في التصدير الثاني تمتلك لسان الكشف والتعبير، رافضةً الصمت ومتحديةً منطق الاستكانة.
•••
د _ العتبة النصية للتصدير الثالث:
إن عتبة التصدير الثالث في (ص 68) المكونة من عبارتين مكثفتين تمثل المفتاح الفلسفي الرابع للقصائد الموسومة تحت عنوان المجموعة الشعرية الثالثة "ساق الحرب" (ص 69) والتي بلغت عدد قصائدها (16) قصيدة [4].
وتصدرت مجموعة "ساق الحرب" عبارتا:
للمنتصر حكايات كثيرة
وللمهزوم ساق خشبية.
تُشكل هذه العتبة الميثاق الجمالي والفكري الأشد إيلاماً وعرياً في الديوان؛ إذ يضع الشاعر عبر هذه الثنائية المتقابلة (المنتصر / المهزوم) ملخصاً فلسفياً وانحيازاً إنسانياً صريحاً لمنطق الضحايا.
فالمنتصر يُصنع له التاريخ عبر الروايات، والمبالغات، والبطولات المزيفة ("حكايات كثيرة")؛ وهو ثراء نسيجي من التزييف والادعاء تضطلع به السلطة.
أما المهزوم -وهو الإنسان البسيط المتضرر من الويلات- فحصيلته من الحرب تجسدها حقيقة مادية صلبة ومأساوية: ("ساق خشبية")، تُعبر عن البتر، والتشويه، والترميم الزائف للحياة.
استطاع طه الجند عبر هذا التقابل النظري البليغ أن يُعرّي زيف الحروب ومجانيتها؛ فالنتيجة النهائية لمآسي الحروب ليست سوى أوهام للمنتصرين وإعاقات دائمية وأحزان مقيمة للمهزومين.
•••
ثانياً : معاينات استقرائية في أفياء الديوان
تُمثل الثيمات المركزية في ديوان «البيت الهادئ يدعو للقلق» خريطة دلالية يتقاطع فيها الذاتي بالجمعي.
حيث يُفكك طه الجند طبقات التجربة الشعورية عبر التقاط الحساسية الوجودية للإنهاك والغربة والمأساة الوطنية.
وتَكشف المعاينة الاستقرائية لنصوص الديوان عن تشابك موضوعاتي يصوغ وثيقة إنسانية تشهد على تحولات الذات والمكان والزمن، واقتناص المعنى من قلب القلق.
أستطيع القول إن مظاهر الثيمات والموضوعات التسع التي تناولتها في الحلقة الأولى وتمثل مظاهر تجربته الشعرية في دواوينه السابقة تتكرر هنا في ديوان «البيت الهادئ يدعو للقلق» مضافاً إليها خمسة مظاهر أخرى لم تظهر في دواوينه السابقة ووردت في الديوان محل هذه الدراسة، وهي من المظهر العاشر حتى الرابع عشر على النحو الذي سنأتي عليه تالياً.
•••
الأول : اغتراب الذات والمنفى الداخلي
يمثّل اغتراب الذات والمنفى الداخلي حجر الزاوية في تجربة طه الجند.
إذ يتجاوز نفي الجغرافيا إلى انفصال وجداني وتحول الذات إلى كائن شبحي يرزح تحت ثقل الزمن وتلاشي الجدوى.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في تسعة نصوص:
_ الغربة في المدينة والتطلع للملاذ الأول: كما في نص (لا أدري ما الذي أنتظره).
حيث تغدو المدينة مكاناً مسكوناً بالأوهام الهاربة من أصلها (القرية):
وشختُ متنقلاً في بيوت الإيجار
أريد العودة إلى القرية
من يعيش هنا يا عزيزي
ما هو إلا شبح
_ مرور الزمن ووعي الخمسين: يواجه الشاعر في هذا النص انقضاء العمر وشعور العزلة التامة أمام العالم الذي يصفه بأنه "بلا نوافذ يدور"، لتتحول الذات إلى كائن يراقب أفوله الذاتي بصمت وسكون.
كما في نص (رجل في الخمسين):
رجل في الخمسين
ماذا يعمل بالعمر الباقي
ونص (أيها الليل):
العالم بلا نوافذ يدور
لا يدري أين هو
ونص (أحوال):
أدرك أن الذي تبقى أقل بكثير من الذي مضى.
_ الوحشة والتماثل مع المحيط: يفر الشاعر من صخب البشر وضياع اليقين ليصادق الليل والقمر والأرض، معلناً استسلامه الصارم لحقيقة العزلة.
كما في نص (القمر):
سأجلس إلى جواره إذاً
وأتأمل وأنظر من هناك.
ونص (من رباعيات الليل):
لم يبقَ سواه
مشرداً في الأرض
الليل أوله شجون
الليل آخره بعيد
_ الفرار من مواجهة الذات المنكسرة: كما في نص (القصيدة).
حيث تتغرب القصيدة ذاتها لتغدو كائناً يفر منه تجنباً للمواجهة:
أفر منها إلى الرياضة والمشي
هكذا أنجو بجلدي
_ الاحتماء بالعائلة وسط الفراغ: كما في نص (الفراغ الممتد).
حيث يلوذ بالأبناء قبالة قسوة العزلة المكانية:
لست حراً لأذهب
أحتمي بالأبناء
_ التسليم بحتمية العزلة وقسوة الوجود: كما في نص (أنت وحدك).
مصغياً لعدمية الوجود الثابتة:
أنت وحدك في الأرض
تبحث عن عدل
والوجود التعيس
سوف يبقى كما كان.
•••
الثاني : انكسار الحلم الجمعي وتشظي الأمل الثوري
يُرسي طه الجند في هذا المظهر مرثية حادة للتطلعات الوطنية والسياسية التي تبددت في مجرى الصراعات والتحولات.
حيث تحول الحلم الجمعي بالتغيير والعدالة إلى ركام من الخيبات والحروب العبثية التي أثقلت كاهل الإنسان.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في أربعة نصوص:
_ رثاء التحولات السياسية وضياع أمل التغيير: كما في نص (في ذكرى 11 فبراير).
حيث تتكشف ذكرى التغيير عن مراجعة مريرة تتساءل عن حصيلة النضال بعد تبدد الشعارات..؟
في هذه الذكرى
نقف على الحكام
ما الذي تبقى من الحلم
غير الدخان والندم..؟
_ الصدمة من انحراف المسار وانكسار الرموز: كما في نص (نجمة العدل).
إذ يتقصى الشاعر تلاشي قيم الحرية والانحراف عن الغايات النبيلة التي أملت بها الجماهير:
غابت نجمة العدل
في سماء ملغمة
ولم نعد نرى
غير الظلام والوعود
_ تجسيد الانهيار الأيديولوجي وتشتت الرفاق: كما في نص (رحلة الحزب القاسية).
حيث يعري الشاعر مأساة المسار الحزبي وتساقط الشعارات في منتصف الطريق:
رحلة الحزب قاسية
تفرق فيها الأحبة
وسقطت الرايات
في منتصف الطريق
_ تعرية أوهام الخلاص وشهادة الانكفاء: كما في نص (إيضاحات).
حيث يُلخص الشاعر تحول المبادئ وتغير الوجوه في المشهد السياسي المتداعي:
تبدلت الوجوه
ولم يعد الشعار هو الشعار
•••
الثالث : السخط على الحرب وتفكيك أدوات القتل
يُمثّل موقف طه الجند من الحرب رفضاً مطلقاً لآلات الدمار وصناع الموت.
إذ يتجرد النص لديه من التهويل الحماسي ليفكك الجريمة ويُعري مجانية الاقتتال وتزييف الانتصارات على حساب الضحايا والأبرياء.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في أربعة نصوص:
_ التعرية الفائقة للآلة الحربية وزيف الحداثة القاتلة كما في نص (الطائرات الأنيقة والمعقمة).
حيث تبرز المفارقة بين شكل الطائرة المنظم ونظافتها الظاهرية، وبين الدمار الهائل الذي تسكبه على الأرض:
الطائرات الأنيقة والمعقمة
تلقي جحيمها بنظام
ثم تعود إلى قواعدها
دون أن تتسخ
_ انحياز النص الصريح لضحايا الحرب والمهزومين كما في نص (ساق الحرب).
إذ يُجرد الشاعر الحرب من أدبيات البطولة الزائفة، مؤكداً أن حقيقتها الوحيدة هي البتر والتشويه:
للمنتصر حكايات كثيرة
وللمهزوم ساق خشبية
_ السخرية المريرة من تحول المواطن إلى حطب للصراع كما في نص (وطن اللصوص المؤمنين).
حيث يتكشف الاستغلال البشع للإنسان باسم القضايا والمقدسات:
يسرقون الرغيف
ثم يذهبون إلى الصلاة
بخشوع تام
_ فضح عبثية الموت ورعب العتمة القادمة من السماء كما في نص (في الظلمة).
إذ يُصوّر الشاعر حصار الخوف وتحول الجغرافيا إلى ساحة قصف واختناق دائم:
نعيش في الظلمة
التي أعدوها لنا بعناية
حيث لا رأي يُسمع
ولا شعاع ينفذ من الجدار
•••
الرابع : وحشة المدن وتغريب المكان (صنعاء، تعز، عدن)
تتحول المدينة في تجربة طه الجند من ملاذ احتضن الصبا والذاكرة إلى فضاء طارد يُكرس التغريب والوحشة.
حيث تتجرد المدن اليمنية الثلاث (صنعاء، تعز، عدن) من أساطيرها لتغدو ساحات للجفاء والضياع والانسداد الوجودي.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في خمسة نصوص:
_ نقد أسطورة الألفة مع صنعاء وتعرية قسوتها كما في نص (صنعاء لا فضل لها على أحد).
حيث يُعري الشاعر جفاء المدينة التي تستنزف أعمار قاطنيها وتتركهم في العراء:
صنعاء لا فضل لها على أحد
تأخذ سنواتك الهاربة
ثم تتركك في قارعة الطريق
بلا ماء ولا ظل
_ رصد الرتابة والوجه الثقيل للمدينة في الصباح كما في نص (المدينة صباحاً).
حيث يتكشف الفضاء الحضري عن حركة بلا روح واستنزاف يومي للأحلام:
المدينة صباحاً
تفتح أبوابها للغبار
لوجوه المارين العجالى
الذين نسوا أحلامهم تحت الوسائد
_ تعز بين نقاء الذاكرة وألم الخراب الحاضر: كما في نص (قلبي مع تعز).
حيث تقف المدينة كأيقونة صبا أولى يتهددها الوجع والتغير:
قلبي مع تعز
التي ما زالت مضيئة في ذاكرتي
من أيام الطفولة
كونها أول مدينة يشاهدها ذلك الولد
_ فاجعة التحول في عدن وضياع أفق البحر: كما في نص (عدن).
إذ يمتزج حنين الشاطئ بمرارة الانكسار وحزن الاستلاب الذي خيم على أرجائها:
عدن التي كانت بوابتنا إلى البحر
صار هواؤها ثقيلاً
تجلس على الشاطئ وحيدة
تبكي أيامها الجميلة
_ انمحاء الملامح المكانية وتلاشي الهوية في الشتات كما في نص (الكلمات التي لا نراها).
حيث تتوارى المعالم الأليفة للمدن أمام ضباب الحرب والنزوح:
الكلمات التي كنا نصيح بها
أصبحت بلا أرض
تتطاير في الهباء
دون أن يمسك بها أحد
•••
الخامس : الانكسار الذاتي والإنهاك الوجودي
يُسجل الشاعر طه الجند في هذا المظهر صرخات التداعي الداخلي وضياع الجدوى تحت وطأة العزلة وركام الإنهاك النفسي والجسدي.
حيث تتهاوى قوى الذات الشاعرة أمام ثقل التجربة وعناء مكابدة التفاصيل اليومية الضاغطة، ليستحيل الكائن الشعري إلى مراقبٍ مغترب يشهد افول طاقته على المواجهة واستسلامه للتهميش.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في نصوص عدة:
_ الارتطام بالخيبة وفقدان السند الوجودي كما في نص (انكسار).
حيث تتكشف الذات عن هوانها واستسلامها التام للخواء المطلق بعد تداعي الاتكاءات الرمزية:
تكسرت العصا
التي كنتُ أتوكأ عليها
ولم أجد أحداً
يشد على يدي
_ شعور الإنهاك وثقل العيش اليومي: كما في نص (تعب).
إذ يغدو التعبُ هويةً ممتدة ومستقراً دائكاً يستبد بالجسد والروح معاً قبالة انسداد أفق الخلاص:
تعبٌ هو الطريق
وتعبٌ هو المساء
ولم أعد أملك
غير هذا الجسد المنهك
_ التلاشي الرمزي وغياب الأثر: كما في نص (محي).
حيث تُمحى الخطى وتتلاشى الهوية الإنسانية في هباء المكان دون أن تترك أدنى ثلمة في ذاكرة العابرين:
محوتُ أثري
من هذا الشارع
ولم يلاحظ غيابي
أحد من المارين
•••
السادس : الوعي بالزمن وفجيعة المشيب
يُمثل الزمن لدى طه الجند كائناً مفترساً يلتهم الشباب والأحلام بضراوة صامتة، تاركاً الشاعر في مواجهة عارية ومباشرة مع وعي الخمسين وفجيعة الأفول الوشيك.
حيث تتشكل القصيدة هنا بوصفها مرثية ذاتية تستحضر مأساة انقضاء العمر دون تحقق الرؤى، وتستجلي حسرة الوقوف الوجل أمام المرآة القاسية.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في عدة نصوص:
_ تسلل العمر وغدر السنين كما في نص (شيب).
حيث يفاجئ المشيبُ الذاتَ الشاعرة أمام مرآة الوجود لتكشف عن غدر التحولات البيولوجية والنفسية:
على حين غرة
تسلل الأبيضُ إلى رأسي
ولم أكن مستعداً
لهذا الرحيل البطيء
_ حسرة الضياع والوقوف على أطلال العمر كما في نص (سنوات).
إذ يتحول الماضي بكل صخبه وآماله إلى مجرد أرقام جافة تبددت في الفراغ:
مرت السنواتُ
كأنها لم تكن
وما زلتُ أقفُ
في النقطة الأولى
•••
السابع : أنسنة الأشياء والتوسل بالجماد
يهرب الشاعر من جفاء الكائن البشري ووحشة العلاقات الزائفة ليقيم حوارات وجدانية عميقة مع أثاث البيت، والأسرة، والأوراق المهملة، والأبواب الصامتة.
حيث تكتسب الأشياء الجامدة في نص طه الجند روحاً ورقةً ورهافة، لتستحيل الملاذ الموثوق الذي يعوض الشاعر عن قسوة الواقع البشري وجفائه.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في نصوص عدة:
_ مصادقة المكان والأثاث الأليف كما في نص (السرير).
حيث يغدو السرير القديم هو الشاهد الوحيد والنقي على اللوعة واللجوء وحفظ السرائر:
هذا السرير القديم
يعرف سرائري
ويحمل معي
ثقل هذا الليل
_ الحوار مع الأوراق والمسودات المهملة كما في نص (غرفة المسودات).
إذ تستحيل الأوراقُ المبعثرة كائنات حية تنبض بالقلق والإنصات لشجون الشاعر المكتومة:
الأوراق المتناثرة
تستمع إلى أنفاسي
وتعرف أنني
لم أعد أكتبُ سوى خيباتي
•••
الثامن : رثاء المبادئ وتداعي النخب والرفاق
يستحضر طه الجند بمرارة بالغة سقوط الأيديولوجيا وتحول الرفاق القدامى في مسيرة النضال إلى تجار قضايا أو صانعي خيبات جديدة.
حيث يعري الشاعر ارتهان النخب للغنيمة وانتكاس الرؤية الثورية أمام أول امتحان للسيطرة والمكاسب، صائغاً وثيقة نقدية لأزمة الأخلاق السياسية.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في عدة نصوص:
_ خيانة القضية وتغير الوجوه: كما في نص (رفاق الأمس).
حيث تتكشف التحولات الخائبة لرموز النضال الذين انخرطوا في سوق المساومات:
رفاق الأمس
غيروا عناوينهم
وصاروا يبيعون
ما كنا نموت لأجله
_ سقوط الشعارات في امتحان الواقع: كما في نص (المسار).
إذ تتشظى المبادئ البراقة أمام المغريات الضيقة، ليتصدر المشهدَ الباعةُ والسماسرة:
سقطت الشعارات البراقة
في أول الطريق
ولم نجد غير الباعة
يتنافسون على المزاد
•••
التاسع : اغتراب اللغة والعجز عن التعبير
تتحول الكلمات لدى طه الجند من أداة طائعة للكشف والبيان الجمالي إلى عبء ومصدر عجز، حيث تتوارى البلاغة التقليدية خجلى أمام هول الفاجعة والخراب الاتساعي.
إذ يكتشف الشاعر أن اللغة قاصرة عن إحاطة المأساة، ليصبح الصمت والفرار من النص أبلغ شكل من أشكال الاحتجاج.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في عدة نصوص:
_ خيانة النص وتراجع الكلمة كما في نص (عجز).
حيث يقف الشاعر عاجزاً عن ردم الفجوة الدلالية بين ألم الواقع وصفاء العبارة:
تعجز الكلماتُ
عن حمل هذا الأسى
وتبقى القصيدةُ
قاصرةً عن الوصف
_ الفرار من الكتابة وتواري البلاغة كما في نص (صمت).
إذ يغدو الفرار من الكتابة هو الخيار الأخير لمواجهة عبثية المشهد:
كلما حاولتُ الكتابة
فرت مني الحروفُ
إلى العدم
•••
العاشر : مفارقة السكون الظاهري والغليان الداخلي
يُكرس هذا المظهر ثنائية الهدوء الخادع والجمر المشتعل تحت الرماد، وهي الثيمة المركزية التي اختزلها العنوان الرئيس للديوان «البيت الهادئ يدعو للقلق».
حيث يُفكك الشاعر قشرة الطمأنينة الزائفة في المكان والجسد ليكشف عن بركان مجوف من الاضطراب والترقب الحذر.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في نصوص عدة:
_ رعب الصمت الخادع للبيت كما في نص (البيت الهادئ).
حيث يُغلف السكونُ الظاهري للمكان توتراً وجودياً يبعث على التوجس والخوف:
هذا الهدوءُ الذي يلفُ البيتَ
ليس سلاماً
بل صمتٌ
يُخبئ تحته العاصفة
_ الصراع النفسي المحبوس في الجسد كما في نص (داخل الإطار).
إذ يعيش الشاعر غلياناً مكتوماً وحرائق ذاتية خلف الملامح الهادئة والإطار الخارجي المستكين:
يبدو كل شيءٍ هادئاً
من الخارج
بينما في الداخل
تشتعلُ الحرائقُ بلا صوت
•••
الحادي عشر : تجريد الحرب وفضح زيف الانتصارات
يتجاوز طه الجند التغطية الحماسية المباشرة للحروب ليقدم رؤية نقدية تجريدية تفضح مكاسب الأمراء وأوهام النصر المقامة على حساب أشلاء الإنسان البسيط.
إذ يتقصى النص جثة الحرب ليتوصل إلى أن البطولات المدعاة ليست سوى ادعاءات سلطوية بينما حصيلة الضحايا حقيقة مادية مأساوية.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في نصوص عدة:
_ تعرية أرباح تجار الحرب كما في نص (ساق الحرب).
حيث تتجسد الحقيقة النهائية والوحيدة للحرب في البتر والتشويه الحاصل للمستضعفين:
للمنتصر حكايات كثيرة
وللمهزوم ساق خشبية
_ مجانية الموت وسقوط البطولات المزيفة كما في نص (ضحايا).
إذ يتحول الأبرياء إلى أرقام مهملة في النشرات اليومية بينما يُصنع المجدُ المزيف للقتلة:
يموت الصغارُ
في القصف
ثم يخرج القادةُ
ليتحدثوا عن النصر
•••
الثاني عشر : الشتات المكاني وتلاشي مفهوم الوطن
يُفكك الشاعر أسطورة الوطن الثابت والملاذ الأليف، ليغدو المكان في تجربته مجرد محطة عبور ومأوى مؤقت يُكرس مشاعر الاقتلاع والضياع والتغريب المستمر.
حيث تتساوى المدن في ممارسة الجفاء، ويتحول البيت ذاته إلى مساحة إيجار طاردة تفاقم وحشة الساكن.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في عدة نصوص:
_ الغربة في المسكن المؤقت: كما في نص (بيوت الإيجار).
حيث تتلاشى الحميمية بين الجسد والجدران التي لا تملكها الذات:
أنتقلُ من بيتٍ إلى بيت
وكأنني غريبٌ
لا يملكُ سقفاً في هذا العالم
_ انمحاء جغرافيا الأمان: كما في نص (خارطة).
إذ تتوارى حدود الوطن القديم ليحل محلها المنفى الداخلي الواسع:
تبددت الخارطةُ
التي عرفناها
وصار كل مكانٍ
منفانا الجديد
•••
الثالث عشر : تعرية زيف القضايا والمقدسات المستغلة
يكشف الشاعر عن تجارة الدين والوطنية والشعارات النبيلة التي تُمارسها الأطراف المتصارعة لتبرير القتل وسلب اللقمة الشريفة من أفواه الجياع.
حيث يمارس النص تعرية حادة للشيزوفرينيا التي تعيشها جماعات العنف وتجار الحروب.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في عدة نصوص:
_ نقد المتسلقين باسم الدين كما في نص (وطن اللصوص المؤمنين).
حيث يمتزج أدعيائي التقوى الظاهري باللصوصية المنظمة والتنكيل بالبسطاء:
يسرقون الرغيف
ثم يذهبون إلى الصلاة
بخشوع تام
_ فضح الشعارات النبيلة المستغلة كما في نص (متاجر).
إذ تُستغل عواطف الناس الشريفة ودماء الضحايا لبناء كراسي النفوذ:
يتاجرون بأوجاعنا
ويصنعون من دماء الشهداء
عروشاً جديدة
•••
الرابع عشر : الانكفاء على الذات والاحتماء بالعائلة
أمام قسوة العالم الخارجي وجفاء السياسة وانسداد آفاق التغيير، يلوذ طه الجند بالدائرة الأسرية الضيقة وبالأبناء بوصفهم الملاذ الأخير المتبقي للنجاة والسكينة.
إذ يستسلم الشاعر للعدمية المباشرة للعالم الخارجي، محولاً جدران بيته إلى حصن حامي لما تبقى من الشعلة الإنسانية والوجدانية.
وتتجلى أبعاد هذا المظهر في عدة نصوص:
_ العزلة الأليفة واللجوء للأبناء كما في نص (الفراغ الممتد).
حيث يغدو الأبناء البوابة الوحيدة للنجاة والترميم النفسي قبالة عواصف الخلاء:
لستُ حراً لأذهب
أحتمي بالأبناء
_ الاستسلام للعدمية الوجودية وحماية الجذور: كما في نص (ملاذ).
إذ تنكفئ الذاتُ داخل القوقعة الأسرية تاركةً العالم الخارجي يغرق في عبثيته الممتدة:
أغلقُ البابَ
على عائلتي الصغيرة
وأتركُ العالمَ الخارجي
يموجُ في عبثه
•••
ثالثاً: أبرز المآخذ النقدية على الديوان
على الرغم من الجمالية العالية والحساسية الوجودية المائزة في ديوان «البيت الهادئ يدعو للقلق» لشاعرنا طه الجند، إلا أن القراءة التفكيكية الفاحصة لقصائده الـ 53 تكشف عن جملة من المآخذ النقدية، أبرزها..:
1 _ التكرار النمطي في الثيمات والقاموس الشعري من خلال طغيان مفردات القلق، التعب، الليل، والمنفى، مما أوقع بعض القصائد في رتابة دلالية وتكرار في الحالات الشعورية دون تجديد في الصورة الشعرية..!
2 _ تفاوت البناء الفني بين المجموعات الثلاث من حيث البساطة وربما المباشرة الشديدة في بعض قصائد ديوان "ساق الحرب" وقصرها المخل، مقابل الكثافة والعمق المعماري في قصائد "غرفة للمسودات والنوم"، مما أوجد عدم تكافؤ في المستوى الفني العام للديوان الموحد..!
3 _ التفكك البنائي ودمج دواوين مختلفة عبر تجميع ثلاثة دواوين متمايزة في كتاب واحد بفعل الظروف المعيشية أربك الوحدة المفهومية البصرية والنصية للعمل، وجعل العنوان الرئيسي غير قادر على استيعاب كافة مناخات القصائد الـ 53 بنفس الدرجة..!
4 _ المباشرة التقريرية والاتكاء على البياض (اقصد به الفراغ الكبير بالصفحات سواء صفحات التصدير او القصائد القصيرة) حيث جاء الإعتماد المفرط أحياناً على الجمل الجافة والتقريرية والسكتات النصية (علامات الحذف) للتعبير إما عن العجز أو العدمية، وهذا بدوره أضعف التكثيف البلاغي في عدد من النصوص القصيرة جداً..!
•••
في ختام هذا السِّفر، تتجلى تجربة طه الجند في ديوانه «البيت الهادئ يدعو للقلق» بوصفها وثيقة وجودية وجمالية فارقة في المشهد الشعري اليمني المعاصر..!
لقد نجح الشاعر -عبر عتباته البصرية والنصية ومظاهره الأربعة عشر- في تحويل القلق الشخصي والخراب الجمعي إلى نص يتقاطع فيه الذاتي بالوطني، مفككاً أوهام الحرب ووحشة المكان..!
ورغم بعض المآخذ النقدية المتمثلة في التكرار النمطي وتفاوت البناء بين مجموعاته الثلاث، يظل الديوان شهادة استثنائية تجعل من الشعر خط الدفاع الأخير عن إنسانية الإنسان في زمن التحولات القاسية..!
•••
الهوامش:
1 _ ياسين غالب (1956 - 2022م): فنان تشكيلي ومهندس معماري يمني، حاصل على الماجستير في الهندسة المعمارية من أوكرانيا (1983م)، وماجستير الإدارة الحضرية من هولندا، يُعد من الأعضاء المؤسسين لجماعة الفن الحديث في اليمن (1988م).
تمتاز تجربته الفنية بأسلوب تجريدي فريد يعتمد على استخراج الجمال من المهملات والمخلفات اليومية وإعادة تدويرها تشكيلياً، وله مشاركات واسعة في معارض محلية ودولية، علاوة على قيامه برسم لوحات تجريدية لإبداعات يمنية من بينها لوحة غلاف ديوان «البيت الهادئ يدعو للقلق» للشاعر طه الجند.
2 _ انظر: طه الجند، ديوان «البيت الهادئ يدعو للقلق»، الطبعة الأولى، إصدارات مركز وِد، صنعاء - الجمهورية اليمنية، رقم الإيداع بدار الكتب (صنعاء): 925 / 2018م (ص 3).
3 _ انظر: المصدر نفسه، الصفحات (40 - 67).
4 _ انظر: المصدر نفسه، الصفحات (70 - 103).



