الثلاثاء 11 أغسطس 2026

نخوة ترند ورصاصة سمعه

• هناك نساء في اليمن يمتن وهن بيننا دون أن نعرف.. يمشين بيننا، يتحدثن، يبتسمن أحياناً، لكن شيئاً بداخلهن توقف عن النبض منذ اللحظة التي قرر فيها أحدهم أن "شرفهن" مادة صالحة للتداول.. وترند يصلح لحصد المزيد من المتابعين... وفي لحظة تكون المرأة قد اغتيلت برصاصة "السمعة".. وهي جريمة بلا قاتل معلن ولا سلاح مادي.. جريمة تُرتكب بجملة عابرة، بشائعة تُطلق في مجلس قات، بمنشور مجهول على "فيسبوك".. جريمة اسمها: "التعريض بشرف امرأة".. وتهمة المرأة لا تحتاج إلى دليل، يكفي أن تُقال، وتتكرر، وتصدَّق فوراً.

• لطالما تفاخر اليمنيون بالنخوة والشهامة، إلا أن تلك الصفات تذوب سريعاً حين تتحول خصومات الرجال إلى معارك قذرة تُقاس فيها الخسائر بشرف النساء. ويتم تسديد اللكمات للخصوم عبر أجساد وأعراض النساء. تختلف مع رجل في موقف سياسي، أو فكري، أو حقوقي .. فتجد الخصم يترفع عن الحجة، ويتجاوز قواعد الشرف والرجولة ليتجه فوراً إلى إشهار السلاح الجاهز والأرخص: الخوض في عرض ابنته، أو زوجته، أو أخته.. ولطالما تساءلت أيّ قدرة لدى "علي البخيتي" على تحمل كل تلك التعليقات المتخمة بالانحطاط إن قال رأياً جدلياً كعادته .. وفي كل مرة أتحسر على النخوة اليمانية المزعومة وهي ترى في الأعراض كروت ضغط وتصفية حسابات سياسية.
• وهذه التصفية لم تعد حكراً على خصومات العامة، بل طالتني بحكم موقعي أيضاً: فطيلة عملي النقابي والحقوقي لم أجد انتهاكاً طرفه زميلة صحفية إلا وكان مساساً بأخلاقها وشرفها، لدرجة أنّ محافظاً اختلفت زوجته مع صحفية إذا به يأمر باعتقالها، وكانت التهمة معلبة وجاهزة ولا تحتاج إلى إثبات، فالصحفية لا تُناقَش في مقالها، ولا تُحاجَج الحقوقية في تقريرها، ولا تُنتقد السياسية في رؤيتها؛ بل يُفتش في حياتها الخاصة، وتُنشر الصور المُلفقة، وتُحاك الإشاعات، وتُنسج حولها الروايات الخبيثة، بهدف واحد وواضح: كسر إرادتها، وإجبارها على الانسحاب والصمت.
• وهذا بالضبط ما رصدته الزميلة "اسوان شاهر" الأسبوع الماضي، حين سخرت من الترند الذي استفز ما يسمى "شرف اليمني"، وهي تقارن بين قضيتين لا تجمع بينهما إلا قسوة الميزان الذي يزنهما: ظهور السجينة "انتصار الحمادي" في لقاء تلفزيوني وهي تبكي بحرقة ساردة قصتها وقصص التنكيل بالنساء في السجون من تعذيب واغتصاب وتهم دعارة وانتحار، مقابل تسرب خبر طلاق فنانة يمنية بإرادتها وفي صميم خياراتها الشخصية. فكتبت: "لكم أن تقيسوا أي الموضوعين ضرب ترند واستفز شرف اليمني وغيرته، منشان تعرفوا إن الحرب عادها مطولة، وأن اللي واقع علينا قليل". وللأسف لا كدمة تظهر على الجسد، ولا دم يُراق، لكن هناك ما هو أشد صمتاً من الدم: امرأة تُدفن حية بجملة، لمجرد أن الكلام طالها.
• هل فكر أحدكم في الأسباب التي تجعلنا نقبل ذلك؟ لأننا، وبصراحة موجعة، وجدنا في هذا الخطاب راحة نفسية. أسهل أن نُصدّق أن فلانة "سيئة السمعة" من أن نواجه حقيقة أن فلانة كانت تقول الحق ودفعت ثمنه. أسهل أن نتضامن مع الشائعة من أن نتضامن مع الضحية، لأن التضامن مع الحقيقة يكلّفنا مواجهة السلطة والمجتمع، بينما التضامن مع الشائعة لا يكلّفنا شيئاً سوى صمتنا..
• تلك الحملات الشرسة ليست مجرد أخطاء فردية، بل هي منهجية تستغل وطأة المجتمع المحافظ الذي يعتبر "السمعة" فيه أثمن ما تملكه الأسرة. يعلم هؤلاء الأدعياء أن الطعن في شرف المرأة اليمنية يمتد ليحرق عائلتها بأكملها، فيصبح الأب والزوج والأخ تحت ضغط اجتماعي رهيب يدفعه لفرض الإقامة الجبرية على نسائهم خوفاً وقهراً من ألسنة المجتمع الذي لا يرحم.
• ولأن هذا المجتمع لا يُدار وحده، بل تسنده منابر تمنحه غطاءها المقدس، تجد المشهد يزداد غرابة ووجعاً حين ترى خطيب مسجد ممن يفترض به أن يكون داعية للرحمة والستر والفضيلة، يترك قضايا الأمة وآلام الناس وغلاء المعيشة والحرب والدماء المراقة، لينشغل بتتبع النساء ومراقبة تحركاتهن والتحريض الضاري ضدهن من فوق المنبر! فتتحول المنابر التي أُسست للحق إلى رافد آخر لتلك التصفية نفسها، منصات للتفتيش في النيات واستهداف الكرامات.. فحين تتماهى السلطة السياسية مع خطاب ديني متشدد، فإن أول من يدفع الثمن هي المرأة، لأنها الحلقة الأضعف في معادلة الهيمنة، ولأن تقييدها يمنح تلك السلطة شرعية زائفة أمام مجتمع يعتبر نفسه حارساً مزيفاً لفضيلة يفتقدها.
• من الترند العابر إلى مجلس القات، من غرفة المحافظ إلى فوق المنبر، تتبدل الأدوات وتبقى الضحية واحدة. فالشرف الذي لا يُصان يدفن النساء أحياء في صمت مخيف .

الشرف الحقيقي لا يكمن في تكميم المرأة.. بل حينما نملك الشجاعة لنقول: كفانا استخدام "شرفها" ذريعة لقتل "حقها".