الجمعة 25 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • سبتمر الثَّورة الشَّاهِدَة وَالشَّهِيدة

سبتمر الثَّورة الشَّاهِدَة وَالشَّهِيدة

السَّادس والعشرون من سبتمبر؛ اليوم الوطني لليمن كلها؛ عبَّرَ عن الإرادة الوَطنِيَّة لأبناء اليمن في الشَّمَال (المتوكلية اليمنية)، ولأبناء الجنوب الواقع حينها تحت الاحتلال البريطاني.

يحتفي شعبنا بالعيد الرَّابع وَالسِّتين للثورة؛ يوم المواطنة اليَمنيَّة. حصرت الإمامة البائدة الحُكْم في البطنين؛ فعارضها كبار مشايخ الضَّمَان، والقُضَاة، وبعض العلماء الأجلاء أمثال أبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني، ونشوان بن سعيد الحميري، ومحمد بن إبراهيم الوزير، والعلامة الجليل الحسن بن أحمد الجلال صاحب «براءة الذمة»، والعلامة المجتهد صالح بن مهدي المقبلي، ومحمد بن إسماعيل الأمير، وحتى الأسر التي كان لها دور في الكفاح ضد الأتراك؛ كأسرة أبو راس، ودماج، ومشايخ حاشد، وجُلّ قبائل اليمن التي انقلب الإمام ضِدَّها، ونَكَّلَ برموزها.
كان معظم اليمنيين ضِدَّ حصر الإمامة في البطنين، واتسعت المعارضة داخل القُوَى التقليدية، حتى بلغت داخل الأسر الحاكمة، وكانت 1948، 1955، ثمرةَ هذه المعارضة.
وتقاتل أبناء البطن الحميدي الواحد ضد بعضهم: عبدالله، والعباس. وهناك شكوك في تسميم سيف الحق إبراهيم.
لن أتحدث عن أمجاد الثَّورة اليمنية سبتمبر 1962، وأكتوبر 1963. فسبتمبر وضعت اليمن في قلب القرن العشرين، وحققت المواطنة للملايين من اليمنيين، وفتحت الباب أمام حركة التَّحرُّر الوطني في الجنوب، ونيل الاستقلال.
ما يهمنا الآن، ونحن نحتفل بالعيد الرَّابع والسِّتين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وعلى أبواب العيد الثالث والستين لثورة الرَّابع عشر من أكتوبر، أن نَستخلصَ العِبَر مِمَّا حَدثَ هُنَا وهُنَاك. ففي الشمال ما إن انفجرت الثورة؛ حتى احتشد أتباع الإمامة معلنين ولاءهم لها، وتحركت العربية السعودية في الشَّمَال، وبريطانيا من الجنوب لضخِّ السِّلاح والمال.
منذ الأسابيع والأيام الأولى للثورة، تَحوَّلَ التَّمرُّد القبلي إلى حرب وطنية وقومية، ودعم الزَّعيم العربي جمال عبدالنَّاصر الثورة بجيش في مواجهة غَزْو تشاركت فيه الدُّوَل الاستعمارية، والرَّجعيات العربية، وشاه إيران، والأردن، وتوافد عشرات الخُبَراء والمرتزقة؛ لوأد الثورة الوليدة، وقاتل أبناء الشَّمال والجنوب عبر الحرس الوطني، وخلال «حرب السَّبع سَنَوات».
ورغم الإعاقة والاستنزاف، فقد تمكنت الثورة من إنشاء نواة الكيان الوطني بمؤسساته الحديثة: السُّلطة التنفيذية، والجيش، والأمن، وبناء المدارس والمستشفيات، وكان عون: مصر والكويت والاتحاد السُّوفيتي والصِّين الشعبية والديمقراطيات الشعبية وسوريا والعراق والجزائر، مهم.
لا شكَّ أنَّ حرب السنين السَّبع؛ أعاق التنمية، والبناء، وَالتَّحديث، وكانت القوى التقليدية في الصَّف الجمهورية؛ وهم قوة وازنة: كبار مشايخ الضَّمَان، وكبار ضباط الجيش، وبقايا حزب الأحرار، هِيَ الأساس.
كانت الأمية الأبجدية تعم غالبية السُّكان وكذلك الأمية السِّياسية؛ وهي سند الثَّورة المضادة.
كان رهان القُوَى المعادية على خروج الجيش المصري. وبخروج الجيش المصري، وهزيمة الخامس من حزيران 1967، اعتقد أعداء الثورة أنَّ هزيمة الثورة مؤكدة؛ فحشدوا قادة المرتزقة، والموالين للإمامة، وتمكنت صنعاء من كسر الحصار؛ بصمود أبنائها من صغار الضُّباط والجنود والشَّباب والطُّلاب والعُمَّال في المقاومة الشعبية والقبائل المساندة للثورة، وبدعم عربي ودولي من القوى الثورية والتقدمية العربية والعالمية، وكان أعظم الإنجازات استقلال الجنوب.
حَقَّقَتْ ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 إنجازات أعمق في مختلف مناحي الحياة، وكانت الصِّرَاعات، ومحاولة حرق المراحل، ومكائد أعداء الثورة، «كعب أخيل» في مسار الثورة سبتمبر وأكتوبر، كما أنَ صراعات الشَّطرين كان لها أبلغ الأثر في تدمير الثَّورتين، والعودة باليمن إلى ما قبل 1962، وما قبل 1963 في عدن؛ بل كانت العودة أسوأ وأقسى وأمر.
السُّؤال أو الأسئلة التي يجب طرحها اليوم، وبعد مضي خمسة وستين عامًا على قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وأربعة وستين عامًا على ثورة الرابع عشر من أكتوبر:
لم انتكست الثَّورتان؟ أو لماذا عدنا إلى ما هو أسوأ وأفجع؟
لماذا لم نَحمِ الثَّورة. ولماذا لم ندافع عن الوحدة؟ ولماذا انكسرت الإرادة الوطنية؟
ولماذا، والشَّباب لايزالون في ميادين الاحتجاج في المدن اليمنية، يتصدر من جديد أعداء الثورة المَشْهَد، ويقتسمون السُّلطة، ويلتفون على الرَّبيع العربي في اليمن؟
صَحيح أنَّ لهزيمة 1967 أثر كبير، ولسقوط المعسكر الاشتراكي، وَتَسيُّد القطب الواحد، وتراجع تيار الثَّورات، وتكلس حركات التحرر الوطني أثَرُهُ أيضًا. وذلكم أيضًا صحيح، ولكنه لا يجيب على خصوصية عوامل انتكاسة ثورتي سبتمبر وأكتوبر في اليمن، وأسبابها الفعلية والدَّاخلية.
فمنذ السَّاعات الأولى للثورة، كانت القُوَى التقليدية المجمهرة هي أساس الثَّورة المُضَادَّة؛ مستفيدة من استبداد مراكز القُوَى المصرية، وتحالفها معها، ومع كبار المشايخ، وكبار الضُّبَّاط، وتوسيع نطاق الحرب ومدها، ولم تكن القُوَى الجديدة قادرة على الحفاظ على مسار الثَّورة وحمايتها، وأسهمت صراعاتها السَّيئة التي تظافرت مع نقل مراكز القُوَى المصرية لخلافات مصر مع شقيقاتها العربية إلى اليمن المحتاجة إلى عون العرب والعالم، في هذه الانتكاسة.
كما أنَّ الحرب المتداخلة والمركبة من الأهلي، والقومي، والدَّولي، كان لها الأثر الكبير على مسار الأحداث، وإعاقة بناء الدولة، والحؤول دون تحقيق التنمية والتَّحديث.
الطَّبَقة الوسطى ضعيفة ومنقسمة ومشتتة، والأحزاب الحديثة محدودة الخبرة ومتصارعة، وتحملت أوزارَ الصِّراعات خارج مجتمعها الشَّديد التخلف والأمية بمعنييهما: الأبجدي، والمعرفي.
وفي الأخير لا بُدَّ من الإشارة إلى قضيتين أساسيتين:
الأولى: الصراعات المُمضَّة بين قُوَى الجديد، وعدم فهم الواقع، وقُصُور قراءة طبيعة المجتمع اليمني، والتَّاريخ، ومحاولات حرق المراحل، وإسقاط نظريات القومية والأممية على واقع مغاير ومختلف؛ وذلكم مرض أصيبت به الحركات الثَّورية العربية، سَببٌ أساسٌ في الكارثة التي نعيشها.
الملمح الثاني والأخطر: رمي تهمة ما جرى ويجري على الرَّجعية والاستعمار. فقد احتلَّت التهمة التي لاكتها الألسن، ومجتها الأسماع، مركز الصَّدارة في الخطاب الإعلامي، وفي بيانات الأحزاب حتى المعارضة، وفي خطابات الرؤساء، وتصريحات المسئولين؛ فَلكأنها التبرير الجاهز النَّاجز عن العجز عن حل مُعضِلات الثَّورة، والعذر عن الإخفاق في بناء كيانات وطنية وديمقراطية، ومكافحة الفقر، والأمية، والمرض، وحماية السِّيادة الوطنية، والاستقلال.
ظَلَّ الخِطَاب في شمال اليمن وجنوبه، إلى ما قبل الوحدة، يُحَمِّل الاستعمار، والقُوَى المعادية للثَّورة المأساة التي يعيشها اليمن، أمَّا بعد الوحدة، فالرِّدَّة والانفصال هي اللازمة في خطاب سلطة صنعاء، قبل انقلاب 21 سبتمبر 2014، وفي الجنوب تُلقَى التَّبعة على الوحدة، وعلى الشمال كُلَّ الشَّمال.

لا أحد يُبرِّئ الاستعمار، ولا القُوَى المعادية، ولكن ما تعيشه اليمن اليوم يدفع لاستعارة مصطلح «الاستعمار الدَّاخلي»؛ تأسيًا بثوار أمريكا اللاتينية.