الجمعة 25 سبتمبر 2026

استعدوا لانقطاع الإنترنت

احتفظوا بنسخ من الوثائق الأساسية، وخزّنوا الملفات المهمة داخل الهاتف قبل أن تحتاجوا إليها. من المفيد أيضاً أن تعرفوا مصدراً آخر للأخبار. تبدو هذه الاحتياطات مضحكة في الأيام التي تعمل فيها الشبكة بصورة طبيعية، لكنها تصبح شديدة العملية عندما تتوقف فجأة.

علينا أن نستعد لانقطاع الإنترنت وشبكة الهاتف المحمول في أي لحظة. هناك شيء يجري التحضير له في أوروبا. أو هكذا تبدو الصورة حين تتراكم الأخبار فوق بعضها حتى تبدأ الخريطة نفسها في اكتساب رأي سياسي. الحرب التي تدور في الشرق الأوسط تمد ظلها إلى أوروبا. والظل يصل بدوره إلى حدود الصين. العالم صار غرفة واحدة كبيرة، والمشكلة أن أحداً ما ترك بابها مفتوحاً للهواء الساخن.
روسيا بدأت تحذر شعبها من هذا النوع من المفاجآت. قطعت الإنترنت وشبكة الهاتف المحمول بالكامل عن عدد كبير من الناس في موسكو. السلطات ربطت الإجراءات بالاستعداد لعمل عسكري جديد، فيما بقيت طبيعة هذا العمل غير واضحة.
الكرملين قدم روايته بعبارة مرتبة تصلح لكل الظروف، «هذه القيود ضرورة كبيرة لضمان أمن المواطنين». تبدو العبارة هادئة جداً حتى تتخيل الحياة اليومية داخلها من دون إنترنت. وفي روسيا أيضاً ارتفعت مبيعات خرائط الطرق خلال الأيام الماضية بنسبة 170 بالمئة، وبدأ الناس في شراء أجهزة اتصال لاسلكية تحسباً لفترات انقطاع الشبكة.
الوضع الأوروبي بدوره يحمل مساحة واسعة للقلق، والحرب الروسية الأوكرانية تدفع القارة إلى حسابات تتجاوز حدود الجبهة المعروفة. زيلينسكي نفسه أعلن أن العالم يتجه نحو حرب عالمية ثالثة، بالتزامن مع ضغوط متزايدة على روسيا والمعسكر الشرقي. وتظهر في المشهد مجموعة من المؤشرات التي تجعل القارة أكثر حساسية تجاه أي تصعيد جديد.
صربيا أعلنت أن كرواتيا وألبانيا وكوسوفو تستعد لشن هجوم عليها، وتنتظر التوقيت الذي قد يرتبط بأي تصعيد روسي ضد أوروبا. الدول الثلاث كانت قد عقدت اتفاقية تعاون دفاعي مشترك عام 2025، وقدمتها باعتبارها تعاوناً أمنياً وتنسيقاً للقدرات الدفاعية. بلغراد قرأت الخطوة بطريقة مختلفة، وربطتها بحسابات أوسع تمس مصالحها.
روسيا وجهت تحذيراً إلى بريطانيا قبل عدة أيام، بعد استخدام أوكرانيا صواريخ ستورم شادو في هجوم واسع على مصنع بريانسك الروسي الذي ينتج مكونات للصواريخ. وأسفر الهجوم، وفق المعلومات المتداولة، عن مقتل ستة أشخاص وإصابة سبعة وثلاثين.
وفي الجهة الأخرى من العالم، ظهرت الصين في المشهد بطريقة تستحق الانتباه. نشرت نحو 1200 قارب صيد على طول سواحلها، وهي خطوة فسّرها خبراء بأنها استعداداً لعمل عسكري أو نزاع إقليمي محتمل في بحر الصين الجنوبي.
تتجمع هذه التطورات بينما يعبّر ترامب عن غضبه من أوروبا بسبب رفضها المشاركة معه في العمل العسكري ضد إيران. وحتى داخل حلف شمال الأطلسي ظهرت مقاومة لدعوته إلى المشاركة في الهجوم، مع رفض تركيا وعدد من الدول الأوروبية الأعضاء الانخراط فيه.
الحساب الأوروبي مرتبط بالخوف من أن يؤدي أي عمل عسكري إلى هجمات على الأراضي الأوروبية تنفذها خلايا نائمة مرتبطة بإيران، إلى جانب حاجة الدول الأوروبية إلى إبقاء قدراتها السياسية والعسكرية متاحة للتعامل مع روسيا. أوروبا لديها جبهة شرقية مفتوحة أصلاً، ولا تبدو مستعدة لإضافة جبهة أخرى إلى دفتر الحسابات.
هذا الوضع يضع أمريكا أمام حرب أطول مع إيران، وما يرافق ذلك من تكاليف اقتصادية وعسكرية ومالية أكبر. لذلك قد يجد ترامب مساحة للمناورة في التعامل مع أي تحرك روسي داخل أوروبا، بالتزامن مع محاولاته فتح مسار تفاوضي سري مع الصين حول مضيق هرمز أو تايوان.
روسيا تستفيد من استمرار الأزمة في مضيق هرمز. كما أن إغلاق المضيق واستمرار الحرب يبقيان أسعار الطاقة في حالة ضغط، ويمنحان موسكو هامشاً أوسع للمناورة. ترامب كان قد هدد بإعادة فرض العقوبات على روسيا بعد انتهاء حربه على إيران وفتح مضيق هرمز.
وطالما بقي المضيق مغلقاً واستمرت أزمة النفط، ستظل واشنطن أمام حاجة إلى تخفيف الضغط على مبيعات النفط الروسي. موسكو تستفيد سياسياً أيضاً من توجيه ترامب غضبه نحو الأوروبيين والأوكرانيين، خصوصاً بعد رفضهم إبرام اتفاقية مع روسيا. المفاوض الروسي في الكرملين على منصة إكس كتب أن أوروبا ستعترف قريباً بخطئها الاستراتيجي لأنها لم تعقد اتفاقاً مع موسكو.
تنتهي القصة عند جملة روسية تنتظر اعترافاً أوروبياً بخطأ لم تعترف أوروبا بوقوعه بعد. أما انقطاع الإنترنت وشبكة الهاتف يستحق اهتماماً عملياً بعيداً عن سيناريوهات الحرب الكبرى. الحياة اليومية تعتمد على الاتصالات أكثر مما يلاحظ الناس أثناء عملها بصورة طبيعية.
وحين تتوقف الشبكة، تظهر أ الأشياء التي كانت تعمل في الخلفية طوال الوقت واحدة تلو الأخرى. عندها يعرف الناس أهمية الأشياء الصغيرة التي لم يفكروا في الاحتفاظ ببدائل لها.