السبت 8 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • حين تزهر الإنسانية في زمن الجفاف ستجد هذا الطبيب..!

حين تزهر الإنسانية في زمن الجفاف ستجد هذا الطبيب..!

في أقصى نقطة من بهاء الحقيقة، حيث تتصادق الصلابة مع الرحمة، ينتصب الدكتور عبده مقبل سيف الحمادي كجذع سدر يماني عتيق، ضربت جذوره في صخر الأرض، وتسامقت أغصانه لتمنح الظل لكل مكلوم.

لم يكن تخرجه من جامعة «طشقند» عام 1993، حاملًا بكالوريوس الطب والجراحة بتقدير امتياز، مجرد عبور أكاديمي عادي في مدن الثلج والغربة، بل كان الميثاق الأول لعهد إنساني اختط بدموع الوفاء ونبض الانتماء.
عاد ذلك الشاب المحمل بالتفوق الشاهق عام 1994، لا ليبني أبراجًا من الأرباح في صالونات العواصم البراقة، ولا ليحول مشرطه إلى أداة جباية في عيادات توزن فيها صحة الإنسان بعدد الأوراق النقدية، بل ليغرس روحه وأنامله في طين قريته التي رعت طفولته.
عبده مقبل سيف الحمادي
عبده مقبل سيف الحمادي
قبل أن يقف عند أعتاب «يافق» في عزلة بني حماد، كان قد طاف بروح السالك المخلوص بين مستوصفات «نجد البرح» في «حيفان» و«الأمجود» في «شرعب»، كأنما كان يستكشف خريطة أوجاع الريف قبل أن يتيقن أن القلب لا يهدأ سكونه إلا حيث نبتت الجذور، يستقر به المقام عام 1996 في قريته بيافق عزلة بني حماد.
انتقل ليعيد خلق المعنى، حافرًا في صخر الممكن ليجعل من مستوصف قريته المهجور محرابًا ترتل فيه صلوات الشفاء.
ومن قلب العزم الصامت وسهر الليالي الموصولة بنور الفجر، ارتقى بحجرة علاجية ضيقة وتوسع في خدماتها حتى بعث فيها الروح، لتصير مع حلول العام 2002 صرحًا ريفيًا يدعى «مستشفى يافق الريفي».
أصبح هذا الملاذ المأوى الأخير لكل صدر أنهكه السعال، ولكل أم تصارع الخوف عند وسادة طفلها، ولكل شيخ يتلمس بقية الحياة عند باب الرجاء.
كانت إذا حشرة دخلت إلى أذن طفل أو مسن يسافر بها من القرية إلى مدينة تعز.
وإذا لسعت أفعى أو حية شخصًا فالموت الزؤام مصيره المحتوم، فالوقت لا يكفي لإسعافه إلى مدينة تعز، لأن انتشار السم في الجسم يكون أسرع من أية سيارة إسعاف. أما وقد صار المستوصف ذو الحجرة الواحدة مستشفى حقيقيًا، فإنقاذ المصاب صار متاحًا، لأن أمصال ولقاحات سموم الحيات والأفاعي باتت متوفرة للجميع.
لم يكن من قبيل المصادفة أن يتوج هذا الصرح لاحقًا باسم رفيق دربه ودراسته، القائد الشهيد اللواء ركن عدنان الحمادي، ليلتقي في المكان ذاته جلال السلاح الشريف مع نبل المشرط الإنساني الذكي.
لم يكن عبده مقبل سيف مجرد طبيب يدون الوصفات الجافة ويزن العقاقير بميزان المخبر.
مافتئ يمارس الطب كما يمارس الصوفي المعرفة، وكما يحفر الفلاح مجاري الماء في الحقل العطش.
يتخلى عن زخارف الثروات المادية، وعن سحر المدينة الذي يستبد بالأطباء الشباب الذين يتزاحمون على افتتاح عياداتهم الخاصة في أسواق المدن الكبرى، ورمى خلف ظهره بحلمه الأكاديمي العالي في التخصصات المرموقة التي كانت كفيلة بأن تجعله يسكن القصور الفارهة.
لم يكفه أن يكون القديس الحافي في أزقة قريته، مفضلًا الإقامة في مشفى الريف خدمة لأهالي قريته وبقية قرى وعزل مديرية المواسط، بل أخذ يمشي بين الفقراء بلا ألقاب ولا كبرياء، ويصغي لأوجاعهم كأنها مزامير حزن شخصية يخاف عليها من الضياع.
نعم مع امتداد عقود ثلاثة مليئة بالعطاء، لم يقبل الدكتور حصر نفسه خلف جدران العيادة أو عند حدود السماعة الطبية فحسب.
فقد فاضت إنسانيته لتصير شريانًا حيويًا يذود عن شروط الحياة الكريمة في كل زاوية من زوايا المناطق الريفية.
تسنم إدارة مشروع مياه «يافق» الصحي، راكضًا خلف النقاء ليوصل شربة الماء الصافية لكل بيت، مدركًا بحسه الوقائي أن الماء النظيف هو خط الدفاع الأول ضد الأمراض.
وبفضل حكمته الثاقبة وتواضعه الجم، تحول إلى مرجعية اجتماعية صلبة ومحط ثقة الجميع، يلتجئ إليها الناس حين تشتعل الفتن أو تتشابك خلافات الأراضي والعقارات والضغائن الأسرية.
كلماته صارت وصلًا، وحكمه عدلًا، وابتسامته بلسمًا يستل الأحقاد من الصدور قبل أن تنمو وتكبر.
لهذا لم يكن مستغربًا أن يحمله الناس على أعناق محبتهم ليمثلهم في انتخابات المجلس المحلي عام 2001.
إنهم حين انتخبوه إنما كانوا ينتخبون فيه الضمير الحي الذي لا تغريه المناصب، ولا تباع كرامته.
إن من يجالس هذا الرجل المعجون بالقيم يلمس فيه روحًا مترعة بالثقافة الموسوعية الرفيعة، وإحاطة شاملة ومستنيرة بتضاريس العالم وتحولاته السياسية والفكرية المحلية والعربية والدولية، دون أن تفقده هذه الشساعة شيئًا من انتمائه الصادق للبسطاء.
يمتلك دقة مناهجية صارمة في إدارة وقته وسلوكياته اليومية حتى اللحظة، كأنما يزن دقائق عمره بميزان الذهب، إيمانًا منه بأن الوقت ملك للأمة، وأن الخدمة أمانة لا تقبل التسويف.
يتنفس المدنية في أخلاقه الحضارية، ويمارس التواضع العميق والنقاء الإنساني في صمته وقوله، مترفعًا عن بهرجة الظهور وممارسات الادعاء والتعالي.
وكم هي المواقف النبيلة والأخلاقية التي لا تسعها الصفحات ولا تستوعبها المقالة، تلك التي شيدها عبده مقبل سيف بعيدًا عن أضواء الإعلام وهتاف الجماهير.
في أعتم سنوات الحرب العبثية التي هجرت فيها الأرواح وتشتتت بها الأجساد، وجدت فيه -أنا المنفي المبتور عن قريتي في «الصلو» خلال السنوات العشر التي قضيتها ومازلت في عزلة بني حماد- وطنًا دافئًا يعيد لي ثقتي بالمستقبل وإمكانية تحقق الأحلام.
بعد غياب الصديق القائد الشهيد عدنان الحمادي، وجدته السند والشهاب والعزاء الأكبر، ولا أبالغ إذا قلت إنه قد فاق الفقيد في إسنادي، وأسرتي، إلى حد أنه تكفل بمنحة دراسية لواحدة من بناتي العام الماضي، عندما علم أنها منذ سنوات ثلاث بعد إنهاء الثانوية العامة، جالسة في البيت لعدم قدرتي على إلحاقها بالجامعة، وبتعاونه هي الآن تدرس مساعدة طبيب بمعهد العين للعلوم الصحية.
بمواقفه معي ومع كل الناس دون استثناء، غدا الدكتور عبده بزهده المثالي ونبله النقي، منارة تشير إلى أن الخير لن يموت على ظهر هذه الأرض المثخنة بالمتاعب.
أبناء المدن الغارقة في المادية لا يقيمون أطباءهم إلا من خلال المشافي الشاهقة والأسعار المرتفعة.
وأطباء المدن لا يتذكرون قراهم ولا يزورونها إلا في مناسبات الموت أو الأفراح.
أما في ريف «المواسط»، فالناس يقيسون طبيبهم بحجم الأمل الذي يزرعه، وبالماء الذي يبث الحياة، وبالمناصرة العادلة، وبالمداواة التي تقدم بكبرياء ومحبة ورحمة.
عبده مقبل سيف هو الأيقونة الخالدة للزمن النقي، والشاهد الأساسي على أن عظماء التاريخ ليسوا أولئك الذين تلتمع في الخزائن أموالهم، بل أولئك الذين تترك آثارهم أزهارًا لا تذبل في قلوب المحرومين.
أخيرًا... لهذا العلم الإنساني الاستثنائي الذي ارتضى أن يكون ملحًا لهذه الأرض، نقف جميعًا بإجلال عميق، رافعين له قبعات التحايا وصلوات العرفان، لأنه لم ولا يداوي الأجساد من عللها فحسب، بل يطبب أرواحنا، ويعيد إلينا إيماننا النقي بالله والحياة والإنسان.