مناشدة.. وأد البنات
بأي ذنب قتلت الفنانة مايسة الكتف، أو كما كان يطلق عليها فيروز اليمن؟
وألم يكن وأدها رضيعة بحفنة من تراب -لا تدري معنى الموت ولا تعرف ما هو القبر- أهون عليها من الوأد وقد سابقت سناء النور، وشعشع إبداعها قبل الصباح، وبدأ صيتها يتجاوز الحدود؟

اليوم أتحدث بمرارة عن قرينة المستقبل، فنانة استثنائية بكل ما تعنية الكُمُود، فقد حلقت بأجنحة من أشعة الشمس، وشدت بحنجرة فردوسية، فصمتت تغاريد البلابل، صوتها صخت له أسماع الملائكة قبل البشر.
أتحدث اليوم بوجع: عن فنانة ورثت جمال جدتها بلقيس، دون أن تكشف عن عفاف ساقها، أو تهدر طهر فؤادها، فتباهت بأخلاقها كما يتباهى الطاووس بريشه، وسطعت بإبداعها كما يسطع البدر في الليلة الظلماء. فنانة اقترنت طلتها بتباشير المستقبل وأهلة الأعياد، فكانت ماسة الشاشة، وزمردة المسرح، ومزمار الغناء.
لكنها وئدت عند مطلع الفجر، واغتيلت أمام ميقات يلملم.
الأخ وزير الثقافة
أ. مطيع دماج المحترم
لا أشك أنك شاهدت أوبريت "هيا نغني للمواسم" الذي كانت الفنانة مايسة ثرياه، ولا أشك أنك سمعت هديل صوتها الفيروزي.. فنصصت وجدانيات أذنك لرخيم شدوها، ولا ريب أنك يومًا رأيت عافية صحتها، التي تغار منها أغصان النقاء المكللة بالذهب.

أخي الوزير: الآن تلك الشمعة تذوي كما يذوي الفرح في مأتم، وصحتها تتلاشى كما يتلاشى الأمل عند حشرجات الروح، فقد قست عليها الأيام، واستفرد بها المرض، ويكفي أن أذكر لك أن تلك القبرة لم تفقد القدرة على التحليق فحسب، وإنما تعجز عن السير أو الوقوف بسبب شلل نصفي، فقد داهمها المرض بعدما غدر بها الزمان، وسيطر عليها حين غاب السند، وتولت عنها الأبصار، وتناستها الحكومة.
الأستاذ مطيع إن فيروز اليمن صامتة كالجبال، لم تشكُ أو تتوسل، لكنه ضميري الذي أبى السكوت، عندما علمت أن الخريف يطوق أوراق شجرة الزيزفون.
فلا تخيب آمالنا في جبر خاطرها.



