الأربعاء 5 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الكلفة السياسية للحرب في اليمن: سيادة مُنتهَكة وحريات مُصادَرة (1-2)

الكلفة السياسية للحرب في اليمن: سيادة مُنتهَكة وحريات مُصادَرة (1-2)

انتهاك السيادة الوطنية ومصادرة القرار الوطني:
للسيادة مُحدّدان: خارجي وداخلي. يُعنى الأول بقدرة الدولة على إقامة علاقات تكافؤية مع الدول الأخرى وبما يحقق مصالح شعبها، أيّ استقلالية القرار الوطني للدولة، وعدم خضوعها لأيّ تدخّل خارجي أو نفوذ لدولة أجنبية.

أما المُحدّد الثاني فيتجسَّد في قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية، واحتكار امتلاك وسائل العنف المشروع، واستخدامها في حفظ الأمن والنظام العام، وبسط سلطتها على إقليمها الجغرافي برًَّا وبحرًا وجوًَّا. وقد تم التطرُّق – بشكل أو بآخر – إلى المُحدّد الثاني في المقالة السابقة، وبقي تناوُّل المُحدّد الأول (المُحدّد الخارجي).

تشهد اليمن تدخلات خارجية سافرة، تقوم بها دول إقليمية ودولية، وكانت البداية مع صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2041) والصادر في 26 فبراير 2014، الذي وضع اليمن تحت البند السابع، ثم اندلاع الحرب في مارس 2015، التي حوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة لحرب بالوكالة عن أطراف إقليمية.

في هذا الصدد، يمكن تقديم إضاءة حول الأدوار التدخُّليّة لأهم القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في اليمن [1] على النحو الآتي:

جمهورية إيران الإسلامية:

بدأ النفوذ الإيراني في اليمن يظهر إلى السطح مع تحوّل الحركة الحوثية من حركة دعويّة إلى حركة جهادية مسلّحة، وشروعها بفرض سيطرتها على بعض المديريات التابعة لمحافظة صعدة، وانخراطها في ست جولات من الحروب الدامية خلال الأعوام (2004 – 2010) ضد الحكومة المركزية. وصارت الحركة الحوثية تتلّقى تدريبًا عسكريًا وأموالًا بشكل منتظم من إيران، عن طريق "حزب الله اللبناني"، لاسيما منذ الجولة الرابعة من حروب صعدة التي اندلعت في يونيو عام 2007. وفي الجولة السادسة من الحرب التي بدأت في أغسطس 2009، وانتهت في فبراير 2010، تدخّلت المملكة العربية السعودية عسكريًا إلى جانب الحكومة اليمنية ضد الحركة الحوثية، وفي المُقابل اتّخذت إيران موقفًا إعلاميًا صريحًا مؤيدًا للحركة الحوثية.[1] وبُعيد انقلاب 21 سبتمبر 2014 تَزايَدَ النفوذ الإيراني في اليمن، وتغلغلَ بشكل كبير وواسع.

طوال السنوات الماضية (2014 – 2024)، قدّمت إيران و"حزب الله اللبناني" دعمًا لوجستيًا وتسليحيًا لجماعة الحوثيين، كما ساهمت إيران في تطوير قدرة الصواريخ الباليستية التي كانت بحوزة الجيش اليمني سابقًا، حتى باتت هذه الصواريخ قادرة على الوصول إلى مديّات كبيرة تتجاوز (2000) كلم. وفي ذات السياق أكّد تقرير دولي أنّ الحوثيين يتلّقون دعمًا مستمرًا من إيران، مُفيدًا أنّه "وثَّق مخلّفات قذائف ومعدّات عسكرية متصلة بها، وطائرات عسكرية مُسيَّرة من دون طيار ذات أصل إيراني جُلبت إلى اليمن."[2]

ترمي إيران من وراء هذه النّشاطات إلى إيجاد موطئ قدمٍ لها في اليمن، وتوظيف موقعها الجيو – استراتيجي، والتحكّم بمضيق باب المندب لاستكمال حلقات سيطرتها على خط الملاحة الدولية الذي يمتد من مضيق هرمز في الخليج مرورًا ببحر العرب فالبحر الأحمر، وصولًا إلى قناة السويس. بالإضافة إلى تهديد أمن دول الخليج الغنيّة بالنفط، وتحسين شروطها التفاوضية مع الدول الغربية حول الملف النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها.

المملكة العربية السعودية:

التدخلات السعودية في اليمن ليست جديدة بل تعود إلى عقود طويلة ماضية، وفي المجمل كانت الحكومة السعودية تتعامل مع اليمن كفِناء خلفي لها، وتقف غالبًا في صف النّظم الاستبدادية وضدًا على الإرادة الشعبية، مما جعلها محط سخط عام لدى اليمنيين، وليس أدلّ على ذلك، وقوفها إلى جانب القوى الملكية بُعيد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، وحتى عام 1970، ثم دعمها لمراكز القوى القبلية والتقليدية التي وقفت حجر عثرة أمام بناء الدولة الحديثة في اليمن طوال الستة العقود الماضية، بل إنّها شكّلت "لجنة خاصة" تولّت شراء ذمم قيادات سياسية وعسكرية وقبلية يمنية لضمان استمرار هيمنتها على اليمن.

لعبت السعودية دورًا مؤثرًا طوال سنوات الحرب، وساهمت في إنشاء فصائل ومكونات مسلحة ووحدات عسكرية أبرزها: قوات درع الوطن، كما أصبحت هي المُتحكّم الأساسي في صياغة القرار الوطني، واللاعب الرئيس في هندسة المشهد السياسي الوطني، ولعلّ أبرز مثال على ذلك: إسهامها في تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في ابريل 2022، الذي جاء تشكيله بعد ضغوطٍ مارستها على الرئيس السابق هادي، ودفعه للتنازل عن منصبه الرئاسي.

دولة الإمارات العربية المتحدة:

تدخلت الإمارات العربية المتحدة بقوات عسكرية منذ انطلاق عملية "عاصفة الحزم" في مارس 2015، وتولّت العديد من الأدوار المؤثرة طوال السنوات السابقة، ويمكن إجمال ذلك على النحو الآتي:

ساهمت في إنشاء تشكيلات عسكرية لا تخضع فعليًا للسلطة المُعترف بها دوليًا، مثل: قوات "حرّاس الجمهورية" أو "المقاومة الوطنية"، و"ألوية العمالقة"، وتشكيلات عسكرية ذات طابع مناطقي كقوات الحزام الأمني، والنّخبة الشبوانية، والنّخبة الحضرمية.

التحكّم بمعظم الجزر، وأبرزها: جزيرة سقطرى، وكذا السيطرة على الموانئ والمطارات اليمنية في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المُعترف بها دوليًا.

السيطرة على حقول النفط والغاز في محافظتي شبوة وحضرموت شرقي اليمن.

ممارسة الضغوط على الحكومة اليمنية، والتدخُّل في القرارات السيادية، وفي تعيين رئيس الحكومة وبعض الوزراء.

إنشاء معتقلات سريّة خارجة عن القانون في عدّة محافظات يمنية بمعيّة النّخبة الشبوانية والنّخبة الحضرمية وقوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وارتكاب جرائم تعذيب، وسوء معاملة المعتقلين.

التورُّط في تمويل اغتيالات بدوافع سياسيّة في اليمن.[3]

شهد الدور الإماراتي انحسارًا منذ مطلع يناير 2026، نتيجة انكفاء النفوذ العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي عقب المواجهات المسلحة التي شهدتها المحافظات الجنوبية الشرقية، ومع ذلك لا تزال الإمارات تحتفظ بنفوذ كبير في كلٍ من جزيرة سقطرى ومحافظة المهرة.

الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل:

تدخُّلات أمريكا وبريطانيا في اليمن ليست بنت اليوم، بل تعود إلى زمنٍ ماضٍ، وما استجدَّ فيها هو اتخاذّها طابعًا عدوانيًا سافرًا، وذلك بقيام الدولتين بشنّ غارات جوية وضربات صاروخية على عدة مواقع في اليمن، ابتداءً من 12 يناير 2024؛ بذريعة إضعاف القدرات الصاروخية والتسليحية لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، التي كانت قد بدأت في أكتوبر ونوفمبر 2023 بشنّ هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مُسيَّرة استهدفت مواقع في اسرائيل، واستهدفت – أيضًا – السُّفن المارَّة في خط المِلاحة الدولية بالبحر الأحمر والبحر العربي، مُبررةً تلك الهجمات بكونها تأتي إسنادًا لقطاع غزة بفلسطين، التي تتعرَّض لحرب اسرائيلية وحشيّة منذ "طوفان الأقصى" في الـ 7 من أكتوبر 2023.

استمرت أمريكا وبريطانيا في شنّ هجماتها على اليمن، ودخلت إسرائيل على الخط، فقد نفذّت غارات جوية في يوليو وسبتمبر وديسمبر 2024، واستمرت إسرائيل في توجيه ضربات في أوقات مختلفة من العام 2025، وقد استهدفت بنى تحتية مدنية، أبرزها: (مطار وميناء الحديدة، ومحطتي الكهرباء، ومخازن الوقود في مدينة الحديدة، ومطار صنعاء ومحطة كهرباء في العاصمة صنعاء، وغيرها من المواقع المدنية).

من العَرض السابق، يمكن استخلاص النتيجة الآتية: إنّ السيادة الوطنية اليمنية أصبحت في خبر كان، وأضحى القرار الوطني رهين حسابات دول الإقليم، وأَمستْ اليمن ساحة مفتوحة لصراع الأجندة الإقليمية والدولية، وباتت الفواعل المحلية الرسمية وغير الرسمية بمختلف تلاوينها، مسلوبة الإرادة، وصارت أشبه بأدوات تُحرَّك بالـ "رِيمونْت كنترول" (Remont control)، تُمْسِك بدفَّته دول خارجية!

الهوامش:

(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.

[1] كان كاتب هذه السطور قد نشر دراسة تحليلية شاملة تحت عنوان: "سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن – دراسة تحليلية نقدية"، تناولت باستفاضة تدخلات أبرز الفاعلين الإقليميين والدوليين في اليمن، انظر في ذلك: عيبان محمد السامعي، إشكالات الواقع اليمني: الثورة الشعبية والحرب.. الهُوية الوطنية وبناء الدولة، (القاهرة: مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة، 2023)، ص.ص221-291.

[2] ميساء شجاع الدين، الحوثي وإيران: اصطفاف شيعي أم حلف سياسي؟ (مقال)، موقع الوحدوي نت، تاريخ النشر: 21 فبراير 2016م، رابط:

[3] أحمد حميش [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2017، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2018، ص2.

[4] كشف تقرير استقصائي لقناة (BBC) النّقاب عن قيام الإمارات بتجنيد مجموعة من المرتزقة الأمريكيين، وعناصر سابقين في تنظيم القاعدة لتنفيذ عمليات اغتيال استهدفت خطباء مساجد وناشطين سياسيين في جنوب اليمن. راجع: