لماذا اخطأ البعض في فهم العلاقة بين السعودية و الجنوب
من السهل إطلاق الأحكام في السياسة، ومن السهل ايضاً تصديقها. فمنذ فترة يتردد على ألسنة بعض السياسيين الجنوبيين ( خاصة المحسوبين على المجلس الانتقالي الجنوبي) أن المملكة العربية السعودية “خسرت الجنوب”، بينما يذهب آخرون إلى الحديث عن تحول المزاج الجنوبي إلى حالة من العداء تجاه الرياض. لكن هل تعكس هذه العبارات حقيقة المشهد، أم أنها مجرد لغة سياسية تتغذى على الخلافات الآنية؟
برأيي، كلا الطرحين مبالغ فيه. فالسعودية لم تخسر الجنوب، لكن هناك شعور بالخذلان لا يمكن إنكاره. وفي المقابل، لم يتحول الجنوب إلى خصم للمملكة، لكنه ربما أصبح أكثر استعدادا لانتقاد سياساتها عندما تتعارض مع طموحاته السياسية. هذه ليست هزيمة سعودية، بل نتيجة طبيعية لتفاعل مشروعين سياسيين لكل منهما أولوياته وحساباته.
منذ تدخل التحالف العربي، دخلت السعودية اليمن وهي تحمل هدفاً واضحاً و هو حماية أمنها القومي ومنع قيام سلطة معادية على حدودها الجنوبية. أما قضية شكل الدولة اليمنية، سواء بقيت موحدة أو تحولت إلى دولتين، فهذا شأن يمني.
في المقابل، خاض بعض الجنوبيين الحرب وهم يحملون حلماً مختلفاً تماماً، وهو استعادة دولتهم السابقة. ومع مرور الوقت، بدأ كثيرون يعتقدون أن مشاركاتهم و تضحياتهم يجب أن تقود إلى اعتراف سياسي بمشروعهم، لا إلى إعادتهم إلى معادلة يمنية يعتبرون أنهم تجاوزوها.
هنا بدأ التباعد. فكلما حاولت السعودية الحفاظ على توازن بين مختلف القوى اليمنية، رأى بعض أنصار المجلس الانتقالي في ذلك إضعافاً لمشروع الجنوب. وكلما دعمت الرياض مؤسسات الدولة اليمنية أو شجعت التسويات السياسية، اعتبرها بعض الجنوبيين تراجعاً عن دعم قضيتهم.
لكن السؤال الحقيقي هو، هل كانت السعودية أصلًا تتبنى مشروع استقلال الجنوب؟ الإجابة الواقعية لا.
الكثيرون أسقطوا رغباتهم على السياسة السعودية، وفسروا الدعم العسكري والسياسي الذي تلقته القوات الجنوبية على أنه تبنٍ كامل لمشروع الدولة الجنوبية. غير أن السياسة الخارجية لا تُدار بالعواطف ولا بالشعارات، بل بالمصالح. والمملكة، كأي دولة، دعمت القوى التي رأت أنها تخدم استقرار الجبهة ومواجهة خصومها، وليس لأنها تبنت بالضرورة جميع أهداف تلك القوى.
وهذا يقودنا إلى خطأ يقع فيه بعض السياسيين الجنوبيين. فبعضهم يتعامل مع أي اختلاف مع الرياض باعتباره “خيانة”، بينما يتعامل آخرون مع أي تقارب معها باعتباره “تبعية”. وفي الحالتين يغيب التفكير السياسي الهادف و الهادئ الذي يميز بين المصالح الدائمة والخلافات المؤقتة. السياسة ليست علاقة وفاء شخصي، وليست عقد زواج دائم، وإنما شبكة مصالح متغيرة. و هنا، فإن الحديث عن قطيعة أو عداوة استراتيجية يبقى بعيداً عن الواقع.
وفي المقابل، لا ينبغي للسعودية أن تتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن المزاج السياسي في الجنوب (من المهرة مرورا بحضرموت و الى باب المندب) تغير. فهناك جيل يعتقد اليوم أن من حقه أن يكون صاحب القرار في مستقبله و إدارة شؤونه بشكل مباشر بعيداً عن المركزية المطلقة. تجاهل هذا الشعور أو الاكتفاء بإدارته أمنياً "فقط" قد يوسع فجوة الثقة مع مرور الوقت.
كما أن الخطاب المتصاعد ضد السعودية في بعض المنصات الجنوبية لا يمكن اعتباره مجرد ضجيج، صحيح أنه لا يمثل جميع الجنوبيين، لكنه يعكس شعوراً بالإحباط لدى شريحة ترى أن التفاهمات الإقليمية تتم على حساب تطلعاتها. ومع ذلك، فإن تحويل هذا الإحباط إلى عداء دائم ليس خياراً عقلانياً، لأن الجغرافيا لا تتغير، والمصالح المشتركة لا تختفي بمجرد تصعيد الخطاب.
الحقيقة التي يتجنب كثيرون قولها هي أن الطرفين يحتاجان إلى مراجعة توقعاتهما. على السعودية أن تدرك أن الجنوب اليوم ليس جنوب عام 2015، وأن الفاعلين الجدد (في عموم المحافظات الجنوبية) يمتلكون أدوات قوة ونفوذاً وشعبية لا يمكن إدارتها بالأساليب التقليدية او بالأدوات السياسية السابقة.
وعلى القوى الجنوبية أن تدرك أن الاعتراف الدولي لا يُنتزع بالشعارات، وأن أي مشروع سياسي، مهما بلغت شعبيته، يحتاج إلى شبكة من التفاهمات الإقليمية والدولية، لا إلى الدخول في صدام مع أهم القوى المؤثرة في محيطه.
في النهاية، لا السعودية خسرت الجنوب، ولا الجنوب أصبح عدواً للسعودية. ما انتهى بالفعل هو مرحلة التوقعات المبالغ فيها. لقد دخلت العلاقة مرحلة أكثر واقعية، تحكمها المصالح، والتفاوض، والاختلاف، وربما التنافس في بعض الملفات، لكنها لا تزال تقوم على حقيقة لا يمكن تجاهلها، لا يمكن لأي طرف أن يصنع مستقبل اليمن، أو الجنوب، بمعزل عن الآخر.
أما من يروج لانتصار كامل أو هزيمة كاملة، فهو يقرأ السياسة بعقلية المشجع الرياضي، لا بعين القائد السياسي. وفي السياسة لا تُقاس العلاقات بحجم التصريحات، بل بقدرة الأطراف على الحفاظ على مصالحها عندما تختلف، لا عندما تتفق.



