غزة أولاً..«حافظوا على إنسانيتكم»*
منذ اجتماع شَرم الشَّيخ في13 أكتوبر 2025، برئاسة هتلر العصر، ورجل الحروب الأول في العالم: ترامب؛ وهو الاجتماع الذي حَضَرتهُ 55 دولةً عربية وإسلامية وأوروبية، وَقَدّمَ فِيهَا ترامب بنوده العشرين التي شَاركَ في صياغتها نتنياهو، وَقَبِلَ بِهَا الحُكم العربي، وَنَصبَ ترامب نفسه رَئيسًا لِلسَّلام، ولريفيرا غزة كما يريدها.. فماذا حصل؟

كَانَ الحَلّ الذي اقترحه ترامب على مرحلتين: وقف الحرب، وإحلال السَّلام، وإدخال المواد الغذائية والضرورية، وتبادل الرهائن، وإطلاق الأسرى والمسجونين، وانسحاب جُزئِي للقوات الإسرائيلية، وتشكيل مجلس سلام.
اقترح ترامب أن يكون السِّيسِي أحد أعضائه، وشهد المؤتمر حُضورًا عَربيًّا وإسلاميًّا كَبيرًا؛ بما في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة.
إنَّهُ مؤتمر دولي تَحَوَّلَ فيه ترامب الضَّيف إلى مستضيف، وَتَفرَّدَ بِالرئاسَة، وَقَلَّ أدبَهُ على بعض ضيوف وضيفات المؤتمر. وبدل أن يَكونَ المؤتمر مؤتمر سلام، تَحَوَّلَ إلى إعطاء الجيش الإسرائيلي فُرصةَ التَّمَدُّد إلى أكثر من سبعين في المئة من رُقْعَة غَزَّة الضَّيِّقَة على أهلها، وَبَدلاً من وقف الحرب، وإحلال السلام، تَواصَّلَ القصف والاغتيالات وَالزَّحف؛ لابتلاع مَا تَبقَّى من أرض غَزَّة.
الحصار يتزايد ويشتد؛ وحتى سفائن رُسُل السَّلام الأوروبية تُوَاجَه بالقمع، والاعتقال، والمنع.
الزُّعمَاء الأوروبيون والقادة الإسلاميون والحكام العرب وحتى مُقَدِّمُو المبادرة؛ وفي المقدمة ولي العهد السعودي، وإندونيسيا، وباكستان، ومصر، وقطر، وتركيا= لم يُحَرّكُوا سَاكنًا؛ وهم يشاهدون الإبادة شبه اليومية، واستمرار الحصار، واحتلال ما تبقى من أرض غَزَّة، وَتَمَدُّد الاستيطان في الضَّفَّة الغَربِيَّة، وَخَنقَ المُدُن، واجتياحاتها المتكررة.
كان مؤتمر السلام الترامبي خَديعةً كُبرى. فقد تَواصَلَت إبادة غزة بِصُوَر وأشكال مختلفة، وَأُطلِقَ يَد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين؛ لِلمزيد من التَّمدُّد في الضَّفة الغربية، وخنق المُدُن الفلسطينية، وجرى تدمير جنوب لبنان، ومحاولة إلحاقه بغزة، واحتلال مراكز القوة من حول دمشق: الجولان، والقُنَيطِرة، وجبل الشَّيخ؛ وُصُولاً إلى السويداء التي تعمل إسرائيل على ضَمِّهَا.
الأنظمة العربية المُطَبِّعَة خاضعة للإرادة الأمريكية، ولا تمتلك الإرادة؛ لمواجهة التَّغَوُّل الإسرائيلي؛ رَغم إدراكها أنَّهَا مُستَهدَفَة أيضًا. وهناك من الزُّعَمَاء العرب والإسلاميين من يعتقد قدرته على منافسة إسرائيل في حَظوة ترامب.
والواقع أنَّ ترامب نفسه ونتنياهو وَضْرَان كبيران في مكنة أكبر يسميها لينين «الامبريالية أعلى مراحل الرَّأسمَالِيَّة». فترامب ونتنياهو شريكان وظيفيان في المكنة الجهنمية التي تخوض حروب العالم، وتعسكر في منطقتنا العربية للاستيلاء الكامل على الثَّرَوات، وسبيلها الآن تدمير إيران.
كان العائق -ولا يزال- العجز عن حسم الحرب على إيران. فصمود إيران، ورفضها للانصياع للجبروت الأمريكي الإسرائيلي الشَّامل على المنطقة العربية؛ هو مَا يُعِيق مُخَطَّط إعلان امبراطورية الدَّولة اليهودِيَّة من البحر إلى النهر.
الحرب على إيران لا تعني إيران وحدها. صحيح أنَّهَا الهدف المعلن والمُبَاشِر؛ وكيانها القومي وثرواتها أولوية، ولكن الأمَّة العَربِيَّة وثرواتها وتاريخها وحضارتها هي المعنى الحقيقي لِلشَّرق الأوسط الجديد الذي يدعو إليه اليسار واليمين الصُّهيوني على السَّوَاء، وَيَتبنَّاهُ ترامب منذ رئاستيه: الأولى، وَالثَّانية.
سَقَطَ اليَسَار الصُّهيوني الذي أنجزَ بِناءَ الكيان، وَصَنعَ كارثتي 1948، و1967، وَكَوارثَ عَديدةً في غير منطقة عربية، وَجَاءَ اليمين الصُّهيوني؛ لِيُحقِّقَ الحُلم الأكبر: التَّهجير القَسري، وَالتَّهويد، وقيام إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر.
سَيسقط اليمين حَتمًا؛ بفضل صمود الشَّعب الفلسطيني في الضَّفَّة والقطاع، ورفض الأمَّة العَربِيَّة للمخططات الامبريالية والصُّهيونِيَّة، ومقاومة الشَّعب الإيراني الباسلة.
جماعة «نِدَاء السَّلام» كانت تدرك منذ البداية أنَّ الحروب على فلسطين والعراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن لا غَايةَ لها إلا تدمير الكيانات العربية، وتدمير جيوشها، وتبديد طاقاتها، ونهب ثرواتها.
وكانت الحرب في اليمن وعليها والتي شاركت فيها الرُّباعية الدَّولِيَّة، ومليشيات يمنية عديدة =تَهدِف إلى تدمير الكيان اليمني، وتمزيق وحدته، ونسيجه المجتمعي.
كانت أمريكا وإسرائيل منذ بدء حربها على إيران حريصتان على جَرِّ دُوَل الخليج، وَالعَرَبِيَّة السُّعودِيَّة بِخَاصَّة، إلى هذه الحرب؛ لِتدمير الأمتين الإسلاميتين المتآخيتين منذ قُرُون، واشتركتا في صُنعِ حَضَارةً وَثَقافةً وَاحِدة؛ لِيتمكنا من إخضاع هاتين الأمَّتين، وَنَهبِ ثرواتها، وطمس السِّيادَة والاستقلال والهُّويَّة.
التريليونات التي حَصَلَ عليها السِّمسَار الدَّولي ترامب من دُوَلِ الخليج وَالسُّعودِيَّة؛ لتجنيب المنطقة ويلات الحرب؛ فتحت شهيته أكثر، وَكَانت وَقُودًا لإشعال الحرب؛ كَمَا أنَّ قِمَّة شرم الشَّيخ كانت غِطاءً على جرائم استمرار حرب الإبادة على غزة، وَبَوابةً لتوسيع نطاق هذه الحرب.
*فيتوريو اريغوني



