الكلفة الوطنية للحرب في اليمن.. دولة مُنهارة ومؤسسات مُجزَّأة
لأيّ حرب كُلْفَة باهظة، فـ "الحربُ أهوالٌ وأموال" كما يقال. وكُلفة الحرب الحالية مُضاعفة بمراتٍ عديدة عن مثيلاتِها من الحروب التي شهدتها اليمن طوال تاريخها المعاصر. فما "حدث في عام 2015 كان أمرًا فاصلًا بالفعل". والعبارة الأخيرة تُلخِّص بكثافة المُجريات الدراماتيكيّة والمآلات الكارثيّة لما حدث ويحدث؛ فاليمن منذ مارس 2015 حتى اليوم ليست اليمن ما قبل ذلك؛ فقد أحدثت الحرب تغيُّرات عميقة وحادَّة غيَّرتْ وجه البلاد، وقلبتْ حياة الناس رأسًا على عَقِبْ.

لا تأتِ هذه التوصيفات اعتباطًا، بل جاءت تعبيرًا صادقًا عن الأوضاع الكارثية التي وصلت إليها البلاد في مختلف مناحي الحياة؛ بفعل الحرب الجحيمية التي خلَّفت خسائر فادحة في الأرواح تجاوز تِّعدادها (377) ألف متوفّى [1]، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين؛ أطفالًا، ونساءً، ورجالًا، ومسنّين، وسحقت الملايين من أفراد المجتمع معيشيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وأحدثت خرابًا ماديًا هائلًا طال البنى التحتية، وشروخًا غائرةً في نسق العلاقات والقيم الاجتماعية، وتصدعات كبيرة في الهُوية الوطنية، وغيرها من المظاهر والآثار والمُعطيات التي تُبيّن فَداحة مشهديَّة الحرب؛ بيد أنّ المُعطى الأكثر فَداحةً – في تقديري – هو انزلاق اليمن إلى حالة "الدولة المُنهارة"، فهي "البُؤرة المُولِّدة" التي تتولَّد منها جُلّ المظاهر والآثار المذكورة سلفًا.
من الدولة الفاشلة إلى الدولة المُنهارة!
كانت اليمن تتصدَّر قائمة الدول الفاشلة منذ سنوات ما قبل الحرب الحالية، وفقًا لتقرير مُؤشّر الدول الفاشلة.[2] أما بعد اندلاع الحرب فقد انزلقت البلاد من حالة الدولة الفاشلة (أو الهشَّة) (Failed state) إلى حالة الدولة المُنهارة (Crumbling State)؛ ولتوضيح ذلك، لابدَّ من التطرق – بعجالة – إلى مفهوميْ "الدولة الفاشلة" و"الدولة المُنهارة".
فماذا تعني الدولة الفاشلة؟ وماذا تعني الدولة المُنهارة؟ وما الفرق بينهما؟
الدولة الفاشلة – وفقاً لأدبيات الفكر السياسي – هي تلك الدولة التي تعجز عن القيام بوظائفها الأساسية، إذ تفقد القدرة على فرض النظام وسيادة القانون، وتفقد احتكارها لحق استخدام العنف المشروع، ومن ثمَّ تعجز عن حماية مواطنيها، وتقديم الخدمات الأساسية لهم.
أما الدولة المنهارة فهي مرحلة أشد خطورة، إذ لا يقتصر الأمر على مجرد ضعف أو عجز مؤسسات الدولة، بل تصل إلى مرحلة الانهيار، لتتحول الدولة إلى كيان جغرافي مفرغ من أي حضور مؤسساتي، حيث تنهار المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، وتفرض الميليشيات المسلحة سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد، في ظل تغوّل التدخلات الخارجية التي تغذي الصراعات والانقسامات الداخلية، عبر تقديم الدعم التسليحي والمالي لجماعات مسلحة موالية لها، بما يرسخ وجودها كسلطات أمر واقع. فضلًا عن تصاعد مظاهر التشظي الاجتماعي، والتدهور الاقتصادي الحاد، وتنامي ظاهرة "اقتصاد الحرب" (War economy)، وتغوّل "أمراء الحرب"، وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان، وتغلغل الفساد، وتآكل قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات الفقر والعوز والجوع والبطالة والتضخم بصورة غير مسبوقة.
كل هذه المؤشرات والمظاهر متوفرة في الحالة اليمنية منذ عام 2015، وهو ما سيتضح معنا تباعاً من خلال الفقرات الآتية.
مؤسسات مُنقسمة ومُجزَّأة!
تسببت الحرب القائمة في اليمن في انقسام سلطات الدولة ومؤسساتها رأسيًا وأفقيًا.
فعلى المستوى الرأسي، ثمّة انقسام في سلطات الدولة ومؤسساتها بين طرفي الصراع: الحكومة الشرعية، وجماعة أنصار الله (الحوثيين)؛ وتبعًا لذلك نشأت حكومتان في البلاد؛ الأولى "حكومة صنعاء"، وتقع تحت السيطرة الكلية لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، والثانية "حكومة عدن" التي تتمتَّع باعتراف دولي، بيد أنَّها تعاني من انقسامات داخلية عميقة، تأخذ شكلًا أفقيًا في توزيع السلطة والقوة والنفوذ بين مراكز قوى متعددة، أبرزها: حزب الإصلاح، والمجلس السياسي للمقاومة الوطنية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والمجلس الوطني لأبناء حضرموت، ومكونات أخرى قبلية ومناطقية وسلفية مسلحة.
إجمالًا يمكن القول: إنّ اليمن اليوم منقسم إلى ما لا يقل عن ست مناطق "جيوسياسية" مختلفة، وتشمل:
المنطقة الشمالية الغربية التي يحكمها الحوثيون وحلفاؤهم، وتضمّ المحافظات الآتية: أمانة العاصمة، وصنعاء، وعمران، وصعدة، وحجة، وإب، وريمة، والمحويت، وذمار، بالإضافة إلى أجزاء من محافظات: الحديدة، وتعز، والبيضاء، ومأرب، والجوف، ... إلخ.
تعز التي تخضع لهيمنة حزب الإصلاح؛ باستثناء الجزء الشرقي من المدينة والخاضع لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين).
مدينة المخا الساحلية والمناطق المحيطة بها التي تسيطر عليها قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي.
محافظة مأرب، ومنطقة "حضرموت الوادي" اللتان يسيطر عليهما تحالف قبلي وعسكري بقيادة سلطان العرادة عضو مجلس القيادة الرئاسي الذي تربطه علاقة وثيقة بحزب الإصلاح.
محافظات: عدن، ولحج، والضالع، وأبين، وسقطرى، وشبوة، وتسيطر عليها ألوية العمالقة وهي تشكيلات مسلحة جنوبية ذات خلفية سلفية تخضع لإمرة عبدالرحمن المحرمي عضو مجلس القيادة الرئاسي، بالإضافة إلى وجود نفوذ شعبي وسياسي وعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي في بعض المناطق، ولاسيما في الضالع ولحج وعدن.
حضرموت الساحل، ويهيمن عليها مؤتمر حضرموت الجامع وحلف قبائل حضرموت، وتشكيلات عسكرية بقيادة سالم الخنبشي عضو مجلس القيادة الرئاسي.
أصبحت مناطق السيطرة الست هذه "تشبه مناطق حكم ذاتي، حيث تمتلك كلٌ منها ترتيبات إدارة عسكرية وأمنية ومدنية واقتصادية فريدة خاصة بها. وأضحت الخطوط الفاصلة بين المؤسسات العسكرية والمدنية الحكومية وغير الحكومية أقلّ وأقلّ وضوحًا". [3]
مجلس قيادة رئاسي برؤوس متعددة وبمشاريع متناقضة!
أُعلِنَ عن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 7 أبريل 2022 بمدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وبموجب ضغوطات سعودية على الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، الذي نقل صلاحياته كرئيس للجمهورية إلى مجلس قيادة رئاسي مُؤلَّف من 8 أعضاء هم: رشاد العليمي - رئيساً، وعضوية كلٌ من: عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وسلطان العرادة - محافظ محافظة مأرب والمقرب من نائب رئيس الجمهورية السابق علي محسن الأحمر، وطارق محمد صالح - قائد قوات المقاومة الوطنية وابن أخ الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، وعبدالرحمن أبو زرعة المحرمي - قائد ألوية العمالقة وأحد أهم القيادات السلفية، وعبدالله العليمي باوزير القيادي في حزب الإصلاح، وعثمان حسين مجلي القيادي في المؤتمر الشعبي العام، وفرج سالمين البحسني - نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ومحافظ محافظة حضرموت الأسبق.
وفي يناير 2026، شهد المجلس تعديلاً في تركيبته، وذلك بإقصاء عيدروس قاسم الزبيدي وفرج سالمين البحسني وتعيين: الفريق الركن محمود الصبيحي وسالم الخنبشي بديلين عنهما. جرى ذلك، بُعيد المواجهات المسلحة التي اندلعت في محافظة حضرموت في ديسمبر 2025، وامتدت إلى محافظات شبوة وأبين وعدن، بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من جهة، وقوات درع الوطن وقوات المنطقة العسكرية الأولى والمسنودتين بغطاء جوي سعودي من جهة ثانية، وقد انتهت المواجهات بانكفاء قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من المحافظات المذكورة إلى محافظة الضالع ولحج.
جاء في الإعلان الرئاسي في ابريل 2022 أن المجلس يمارس جميع صلاحيات رئيس الجمهورية بصورة جماعية توافقية، وإذا تعذّر ذلك فبأغلبية الأعضاء مع ترجيح صوت رئيس المجلس عند تساوي الأصوات. ويتولى المجلس الإشراف على إدارة المرحلة الانتقالية والقوات المسلحة وإصدار القرارات السيادية، وغيرها من المهام.
وبعد 4 سنوات ونيّف على تشكّله، تكشف التجربة الواقعية بأنّ المجلس يعاني من اختلالات دستورية وبنيوية وأزمات مستمرة تحدُّ من قدرته على أداء وظائفه بوصفه السلطة التنفيذية العليا للبلاد، ويمكن إجمال تلك الاختلالات في النقاط الآتية:
جاء تشكيل المجلس مناقضاً لنصوص الدستور اليمني، الذي لا يجيز نقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس رئاسي متعدد الأعضاء.
تشكل المجلس استجابة للضغوطات السعودية – كما أشرنا آنفاً – وهو ما يجعل المجلس فاقداً للشرعية الشعبية، إذ لم يأتِ تشكيله بناءً على إرادة شعبية حرة كما ينص الدستور، باعتبار الشعب هو مالك السلطة ومصدرها، وإنما جاء وفق ترتيبات سياسية وضغوط إقليمية.
يعاني المجلس من تعدد مراكز السلطة والقرار، وغياب القيادة الموحدة، بسبب التناقضات البنيوية التي تكتنفه، فلا توجد لدى المجلس رؤية سياسية واضحة موحدة لمستقبل الدولة اليمنية، ولا لائحة داخلية منظمة لأعماله، وتحدد مهام أعضاءه وصلاحياتهم، ناهيك عن كون أعضاءه يمثلون مشاريع سياسية متباينة بل متناقضة، ويستند كل عضو فيه إلى قوى سياسية وتشكيلات عسكرية، وعصبية قبلية وجهوية ومناطقية، وآلة إعلامية، وداعم إقليمي.
يؤدي هذا التباين والتناقض إلى إفراغ المجلس من وظيفته الأساسية، وتحوله إلى ائتلاف هلامي هش، أكثر من كونه مؤسسة رئاسية سيادية وطنية متجانسة، يناط بها قيادة الدولة والمشهد الوطني نحو التطلعات المنشودة.
مما تقدَّم، يتبيّن أنّ مؤسسات الدولة، وكذا الجغرافيا اليمنية، أمستْ مُجزَّأة ومنقسمة بين مراكز قوى نافذة وسلطات أمر واقع، وباتت هذه المراكز والسلطات سيّدة الموقف، وتتحكّم وتُدير الشأن العام، وتحلّ محل الدولة ومؤسساتها الرسمية، وتسلب منها سيادتها على التراب الوطني، ووظائفها في احتكار العنف المشروع واستخدامه، وأمسى مجال سيطرة الدولة محدودًا للغاية مقارنةً بمجال سيطرة تلك المراكز النافذة. فضلًا عن وجود جيش مُشرذَّم، لا يخضع لقيادة موحدة، بل تتجاذبه الولاءات الشخصانية والسياسية والمناطقية والقبلية، والارتباطات بدول إقليمية وجهات خارجية.
هكذا تتبدَّى حالة الدولة المُنهارة في اليمن التي تخلق "بيئة هوبزية"[4]؛ حيث "يسيطر أمراء الحروب على بقايا بنى الدولة"؛ مسنودين بالدّعم الخارجي، و"يتوسلّون بسياسات الهُوية"[5] لتفتيت المجتمع، وضرب نسيجه الاجتماعي.
يتبع...
الهوامش:
(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.
[1] ما يقرُب من (60%) من تلك الوفيات – أيّ (233) ألف – هي وفيّات غير مباشرة وناجمة عن قضايا مرتبطة بالصراع المسلح، مثل عدم الوصول إلى الغذاء، والمياه، والرعاية الصحية. (راجع: تايلور حنا وآخرين، تقييم أثر النزاع في اليمن: مسارات التعافي، صنعاء، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، 2021، ص12).
[2] للمزيد؛ راجع: تقارير مؤشر الدول الفاشلة للأعوام (2005 – 2014). وتقرير صندوق السلام لعام 2014 الذي وضع اليمن في الترتيب الـ (8) ضمن أخفق (15) دولة في العالم.
[3] راجع: البنك الدولي، المستقبل: بصيص أمل في زمن العتمة "المذكرة الاقتصادية القُطرية لليمن - 2022"، البنك الدولي، (أبريل 2023)، ص.ص7، 49.
[4] نسبةً إلى الفيلسوف "توماس هوبز" (Thomas Hobbes) (1588 – 1679)، الذي يرى أن انهيار الدولة يؤدي إلى فقدان المجتمع للأمان والطمأنينة، ويسود فيه التوحش وقانون الغاب، حيث "الجميع ضد الجميع".
[5] سينيشا مالشيفيتش، سوسيولوجيا الحرب والعنف، ترجمة: طارق عثمان، (بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2022)، ص419.



