أغنية في الحديقة توقظ شجون الوطن
في إحدى الأمسيات، كنت بين جمهور احتشد في حديقة عامة لحضور حفل غنائي. كانت العائلات تتوزع تحت الأشجار، والأطفال يركضون بين المقاعد. ارتفعت الموسيقى فوق ضجيج الأحاديث، وتداخل التصفيق مع ضحكات متقطعة، كأن الجميع جاء يبحث عن فسحة قصيرة من تعب الأيام وقلق الأخبار.
بدا المشهد عاديًا ومبهجًا. غير أن إحدى الأغنيات أخذتني إلى مكان آخر.
كان المغني يردد كلمات عن عالم تتوالى فيه صور الحرب والمجاعة والعنف على الشاشات، حتى تكاد المأساة تفقد قدرتها على الصدمة. مدن تُقصف، ووجوه مذعورة، وأطفال يحملون الخوف بدل الألعاب، ثم لا يلبث المشهد أن ينتقل إلى إعلان تجاري أو برنامج خفيف أو مقطع عابر. هكذا يصبح الألم جزءًا من التدفق اليومي، يمر أمام العين سريعًا، قبل أن يحل محله شيء آخر.
تساءلت وأنا أستمع: ماذا تفعل بنا كثرة المشاهدة؟ هل تجعلنا أكثر وعيًا بمعاناة الآخرين، أم تدربنا ببطء على المرور بجوارها من دون أن نتوقف؟ هل أصبحنا نعرف عن العالم أكثر، لكننا نشعر به أقل؟
كانت الأغنية تشير، من بعيد، إلى فكرة قديمة تقوم على إغراق الناس في الفرجة حتى ينصرفوا عن الأسئلة الكبرى. تغيرت الوسائل، لكن جوهر الفكرة بقي حاضرًا. لم تعد الساحات وحدها تصنع الفرجة، بل صارت الشاشات الصغيرة ترافقنا من الصباح إلى الليل، تقترح ما نراه، وما نغضب منه، وما نخافه، وما ننساه أيضًا.
في تلك اللحظة، قادني اللحن إلى اليمن.
لم أعد أفكر في الأغنية بوصفها حديثًا عن عالم بعيد، بل رأيت فيها مرآة لبلد أنهكته الحرب، وأثقلته الانقسامات، وأحاطت بأهله خطابات الخوف واليأس. فاليمنيون لا يعيشون فقط تحت وطأة الأزمات المادية، بل يواجهون كذلك سيلًا من الأخبار والصور والرسائل التي تعيد تشكيل نظرتهم إلى أنفسهم وإلى بعضهم بعضًا.
بعض هذه الرسائل يصل بلا تحقق، وبعضها يُصاغ عمدًا لإثارة الشك، أو توسيع المسافات بين الناس، أو ترسيخ فكرة أن التعايش لم يعد ممكنًا. ومع تكرار هذا الخطاب، قد يبدو الانقسام وكأنه قدر، والكراهية وكأنها أمر طبيعي، والعجز وكأنه الحقيقة الوحيدة المتاحة.
وهنا تكمن الخطورة. فالهزيمة لا تبدأ دائمًا حين تسقط مدينة أو تتعطل مؤسسة، بل قد تبدأ حين يفقد الإنسان ثقته بقدرته على الفهم والاختيار والعمل. وحين يقتنع بأن لا جدوى من صوته، يتحول من مواطن إلى متفرج، ومن شريك في المستقبل إلى مستهلك للأحداث.
الأوطان لا تنهض بقرارات السياسيين وحدهم، ولا تعود إلى الحياة بكثرة الشعارات. يبدأ البناء في لحظة أصغر وأكثر هدوءًا: حين يتوقف الإنسان قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويسأل قبل أن يحكم، ويرفض أن يختصر الآخرين في انتماء مذهبي أو مناطقي أو قبلي أو سياسي.
أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تستخدم القوة فحسب، بل تلك التي تدفع الإنسان إلى التخلي طوعًا عن عقله وضميره. حين نكرر ما نسمعه بلا سؤال، أو نقبل الظلم لأنه وقع على من لا يشبهنا، أو نصمت أمام الإهانة لأنها لم تمس جماعتنا، فإننا نضيف، من حيث لا نشعر، حجرًا آخر إلى جدار الانقسام.
لذلك يبدو اليمن اليوم بحاجة إلى ما هو أعمق من توقف أصوات السلاح. إنه بحاجة إلى استعادة الثقة بين الناس، وإلى ثقافة ترد للإنسان كرامته، وتعيد للحوار معناه، وتذكر الجميع بأن مستقبل البلاد لا يخص جماعة دون أخرى.
لا تستطيع مدينة أن تنجو وحدها، ولا يمكن لمنطقة أن تبني استقرارها فوق خراب بقية المناطق. ألم أسرة في تعز لا ينفصل عن ألم أسرة في الحديدة، وخوف أم في مأرب ليس بعيدًا عن خوف أم في عدن أو صعدة. تتعدد أسماء المدن، لكن الحاجة إلى الأمان والكرامة والتعليم والعيش الكريم تبقى واحدة.
هذا الفهم لا يلغي الاختلاف، بل يحرره من الخوف. يستطيع الناس أن يختلفوا في آرائهم وخلفياتهم من دون أن يتحول اختلافهم إلى عداوة. فالمجتمع القوي ليس الذي يجعل أفراده نسخة واحدة، بل الذي يتيح لهم أن يتعاونوا رغم اختلافهم، وأن يروا في التنوع مصدرًا للغنى لا سببًا للصراع.
وليس المقصود أن ندير ظهورنا للتقنية أو الإعلام. فالهاتف الذي يحمل الشائعة يستطيع أن يحمل معرفة، والمنصة التي تنشر الكراهية يمكن أن تجمع الشباب حول مبادرة نافعة، والشاشة التي تعزل إنسانًا عن محيطه قد تفتح له بابًا إلى التعليم والتواصل.
المشكلة لا تكمن في الأداة وحدها، بل في وعينا ونحن نستخدمها. لذلك نحتاج إلى تعليم لا يكتفي بحشو العقول بالمعلومات، بل يعلم الشباب كيف يسألون، وكيف يميزون بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والدعاية، وبين المعرفة التي توسع أفقهم والمحتوى الذي يستهلك انتباههم.
كما أن السلام لا يبدأ فقط في قاعات المفاوضات. قد يبدأ في بيت حين يتعلم طفل أن المختلف ليس عدوًا، وفي مدرسة حين يُسمح للطلاب بالسؤال، وفي حي حين يتعاون الناس على خدمة مشتركة، وفي كلمة مسؤولة ترفض أن تضيف وقودًا إلى نار الكراهية.
في الحديقة، كانت الموسيقى لا تزال تعلو، وكان الجمهور يصفق، لكن الأغنية بدت لي أقرب إلى تنبيه هادئ. لم تكن تحذر من التقنية بقدر ما كانت تحذر من الغفلة؛ من أن نعيش بلا سؤال، وأن نستهلك الصور والأفكار من دون وعي، وأن نسمح للآخرين بأن يحددوا لنا ما نراه وما نصدقه وما نشعر به.
غادرت الحفل وأنا أفكر أن اليمن لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والمنازل والمؤسسات، بل إلى ترميم تلك المسافة التي صنعتها سنوات الخوف بين الإنسان وأخيه الإنسان. يحتاج إلى استعادة الثقة بأن لكل فرد دورًا، وأن الفعل الصغير لا يصبح بلا قيمة لمجرد أنه لا يغير المشهد كله دفعة واحدة.
ربما يبدأ الوطن من لحظة يتوقف فيها شخص عن نشر شائعة، أو يرفض كلمة كراهية، أو يمد يده إلى من يختلف معه، أو يختار أن يكون نافعًا في محيطه. وربما تكون هذه الأعمال الهادئة أقل صخبًا من الأغاني والخطب، لكنها أبقى أثرًا.
وحين نحمي عقولنا من التضليل، وقلوبنا من القسوة، ونرفض أن نتحول إلى متفرجين دائمين على آلام بلادنا، فقد تتحول أغنية عابرة في حديقة إلى سؤال يبقى طويلًا.



