الإثنين 3 أغسطس 2026

الحرب وتعميق مظاهر الفساد في اليمن

لم يكن الفساد في اليمن وليد الحرب التي اندلعت عقب عام 2015؛ بل كان ظاهرة مستشرية أضرت ببنية الدولة وعطلت التنمية لعقود، شأنها في ذلك شأن معظم الدول النامية، غير أن الشوط الذي قطعته البلاد قبل 2015 في محاولة وضع تشريعات ومؤسسات للحد منه، انهار بشكل شبه كامل مع اندلاع الصراع المسلح. وتحول الفساد خلال سنوات الحرب من "فساد مؤسسي" يحاول القانون معالجته، إلى "فساد بنيويّ شامل" تدار به موارد البلاد وتُستغل فيه أزمات المواطنين، ليصل إلى أدق التفاصيل الخدمية والإنسانية، وصولاً إلى العبث بالمنح الدراسية والملفات الإغاثية.

فخلال فترة ما قبل الحرب، أدركت السلطات اليمنية – بضغط شعبي ودولي – خطورة منظومة الفساد، وسعت لتطبيق حزمة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية، كان من أبرزها، الإصلاحات الإدارية وإصلاح الميزانية العامة للدولة، فقد بُذِلت الجهود لتنظيف كشوفات المرتبات وتنقية نظام الوظيفة العامة من "العمالة الوهمية" والمزدوجين الوظيفيين عبر نظام البصمة والصورة في إطار مشروع تحديث الخدمة وترشيد الإنفاق العام،

ومن جانب آخر، شكّل قطاع المناقصات والمشتريات الحكومية في اليمن أحد أكبر منافذ استنزاف المال العام وسوء إدارة المشاريع الممولة من الميزانية العامة للدولة. ولمعالجة تلك الاختلالات، أقرت الحكومة قانون المناقصات والمزايدات، رقم (23) لسنة 2007، وتشكيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات كمؤسسة مستقلة بهدف منع التلاعب بالعقود والمشاريع الحكومية وضمان الشفافية في إرساء المناقصات وتنفيذ المشاريع. وبموجب القانون نفسه، تم إنشاء الهيئة العليا للرقابة على المناقصات والمزايدات كهيئة مستقلة بهدف حماية المال العام وممارسة الرقابة اللاحقة والمستمرة على سلامة إجراءات المناقصات والمزايدات التي تجريها كافة أجهزة الدولة ومؤسساتها، للتأكد من مدى مطابقتها للقوانين واللوائح التنفيذية.

وقبل ذلك، أقرت الحكومة إنشاء الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد كهيئة مستقلة بموجب القانون رقم (39) لسنة 2006 لتقصي حقائق الفساد، وإحالة المتورطين للقضاء، وتلقي إقرارات الذمة المالية. ورغم محدودية النتائج حينها بسبب نفوذ مراكز القوى، إلا أن تلك الخطوات أوجدت إطاراً قانونياً ومؤسسياً شاملاً كان يمكن البناء عليه لتجسيد حكم القانون.

الفساد وبيئة الاستثمار

قبل إندلاع الحرب، كان الفساد يشكل عائقاً هيكلياً ورئيسياً أمام التنمية الاقتصادية، وكان للقطاع الخاص والمستثمرين – سواء المحلين أو الأجانب – النصيب الأكبر من المعاناة جراء منظومة الشركاء النافذين وابتزاز مؤسسات الدولة. ومن مظاهر ذلك، فرض "الشراكة الإجبارية" وابتزاز النافذين، فقد كان كبار المستثمرين (محليين أو أجانب) يُجبرون على إدخال قيادات عسكرية أو مراكز نفوذ سياسي وقبلي كـ "شركاء صوريين" أو وكلاء محليين، مقابل تسهيل المعاملات وتوفير الحماية الأمنية. وإذا رفض المستثمر، كانت مشاريعه تتعطل حتى يُجبر على الامتثال أو المغادرة. كما كانت بيئة الأعمال تتسم بالبيروقراطية الشديدة وتعدد الجهات المانحة للتراخيص. وخلال فترة الحرب، ما تزال تلك المظاهر قائمة وتمارس في كل من مناطق عدن وصنعاء، فقد أدى الانقسام السياسي والمؤسسي والازدواج المالي والإبتزاز المستمر إلى إنهاك القطاع الخاص الوطني ودفع رؤوس الأموال والمستثمرين إلى تقليص أو توقف نشاطهم أو الهجرة خارج البلاد،

الحرب وتغول الفساد

ومع اندلاع الحرب في عام 2015 وانقسام البلاد بين سلطتين متصارعتين، انهارت منظومة الرقابة والشفافية بشكل تام، وتحولت أجهزة الدولة إلى أرقام في معادلة الصراع، مما أدى إلى تعطيل الأجهزة الرقابية أو تم استخدام بعضها كأدوات لتصفية الحسابات السياسية. كما غابت الموازنات العامة الموحدة والشفافة، وأصبحت الإيرادات تُحصل وتُنفق خارج الأطر القانونية والرسمية. وساد اقتصاد الحرب، حيث نشأت طبقات جديدة من "أثرياء الحرب" و"السماسرة" المعتمدين على التهريب، وتجارة المشتقات النفطية، والسيطرة على الأراضي والممتلكات العامة.

ويمكن القول أن الحرب أدت إلى تفكك مؤسسات الدولة الرسمية، ودخل الفساد مرحلة غير مسبوقة من المأسسة والتجذّر. وتحول الاقتصاد اليمني من اقتصاد "هش" تحكمه القوانين والرقابة الصورية، إلى "اقتصاد حرب شُمولي" تدار فيه الموارد عبر الشبكات المالية الموازية والإتاوات. وشكل هذا واقعاً طارداً للاستثمار والقطاع الخاص في مناطق سيطرة كل من سلطة عدن وسلطة صنعاء، بالتوازي مع ظواهر احتكار وتسرب الإيرادات السيادية من النفط والمنافذ الحدودية. كما أن المنح والمساعدات الإنسانية أصابها العبث والفوضى من خلال فرض قيود صارمة على المنظمات الدولية والإغاثية وإعادة توجيه المساعدات وفقاً لمصالح فئوية، مما أدى ألى حرمان المساعدات لأكثر من 15 مليون شخص يعانون من إنعدام الأمن الغذائي، حسب تقارير الأمم المتحدة.

الفساد في المنح الدراسية

شكل العبث بملف المنح الدراسية في الخارج، في ظل سلطة عدن، أحد أوضح المؤشرات على الحضيض الذي وصل إليه الفساد المؤسسي، فقد بينت كشوفات المبتعثين المسربة عن استحواذ أبناء وأقارب المسؤولين والنافذين في السلطة والدبلوماسية على معظم المقاعد والمنح المالية. وتم تحويل هذا القطاع الحيوي، الذي كان يفترض أن يرفد البلاد بالكفاءات لتغطي مرحلة التعافي والإعمار، إلى أداة للتكسب والإثراء والاستغلال الشخصي على حساب المبدعين من الطلاب المستحقين من أبناء العامة الذين لا حول لهم ولا قوة.

اليمن ومؤشر مدركات الفساد

يعكس مؤشر مدركات الفساد الصادر سنوياً عن منظمة الشفافية الدولية تحولاً مأساوياً في وضع اليمن؛ إذ انتقلت البلاد من وضع "الفساد المرتفع" قبل 2015 إلى قاع المؤشر العالمي بين "أكثر دول العالم فساداً" في فترة الحرب، فقبل الحرب، كان اليمن يعاني من فساد هيكلي ومؤسسي متجذر، إلا أن وجود أجهزة دولة مركزية وتشريعات رقابية كان يحافظ على بقاء اليمن ضمن نطاق التقييمات المتوسطة إلى المنخفضة دون الهبوط التام إلى ذيل القائمة، ففي عام 2012، حل اليمن في المرتبة 156 عالمياً (من بين 176 دولة).

ومع اندلاع الحرب وتفكك مؤسسات الدولة وتوزع السيطرة بين سلطات الأمر الواقع، انحدر تقييم اليمن بشكل متواصل ومريع ليراكم أدنى درجاته التاريخية. فخلال الفترة (2024 - 2026)، وصلت اليمن إلى أدنى مستوى قياسي في تاريخها، حيث احتلت المركز 177 عالمياً (من أصل 182 دولة).

وهذه المؤشرات توضح أن الحرب في اليمن لم تتسبب في أزمة إنسانية واقتصادية فحسب، بل جرفت أيضاً المكاسب المؤسسية المحدودة التي كانت قائمة قبل 2015، مما نقل البلاد من فئة "الدول ذات الاختلالات الهيكلية في الحوكمة" إلى فئة "الدول شديدة الفساد واقتصاديات الحرب الشمولية".

وخلاصة القول، لقد أنتجت الحرب منذ عام 2015 نموذجاً متقدماً من الفساد تجاوز الفساد الإداري التقليدي، ليصل إلى تدمير البيئة الاستثمارية وتفكيك الهيكل المالي والدستوري للدولة. حيث أصبحت الموارد السيادية (كالنفط والغاز والجمارك والضرائب والزكاة) تُستخدم في سلطتي صنعاء وعدن لتغذية شبكات المصالح وإدامة الصراع، بدلاً من توجيهها لدفع مرتبات الموظفين وتحسين الخدمات العامة والنهوض بالتنمية في البلاد.