الأحد 2 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • تحالف المصالح: عندما يلتقي الدين بالسلطة (١ - ٢)

تحالف المصالح: عندما يلتقي الدين بالسلطة (١ - ٢)

تحاول هذه المقالة بحلقتيها أن تلقي نظرة سريعة على إشكالية تاريخية تمحورت حول ثنائية رجل السلطة ورجل الدين - الفقيه - في علاقتهما النفعية بالنص الديني، وتتبع بعض ملامح تلك العلاقة وتأثيراتها في الواقع السياسي العربي. مع التنبيه إلى ما قد يعتري الموضوع من قصور أو نقص لاعتماده على الذاكرة. وتأسيساً على ذلك، فإن غاية السياسة في بلاد العرب هي السلطة. سواء ما يتصل بممارستها من قبل السلطة الحاكمة بهدف ترسيخها في الوعي الجمعي، أو ما يتعلق بالنخبة السياسية المعارضة التي تسعى بدأب لإزاحتها واعتلاء سِنامها. فالسياسة ترى في السلطة قِبلتها التي تولّي شطرها، وفقاً لشواهد تاريخية كثيرة معاصرة. 

 ورغم أن السلطة في جوهرها وسيلة غايتها تحقيق المصالح العامة للمحكومين، لا غاية تروم مصالح فردية أو فئوية أو حزبية - بعضها يزاحم الهوية الوطنية الجامعة بل ويطغى عليها، كما تشهد بذلك الممارسة السياسية في الحالة اليمنية - إلا أن السلطة يمكن أن تتجاوز مأزق ارتباطها بهذه المصالح إذا انطوت على مراجعة جادة من القائمين عليها وتطوير لقواعد عملها، بما يتيح لها النهوض بالمصلحة العامة إلى أقصى مدى.

لكن الإشكال أن الغالب على تفكير النخب العربية أن السلطة تشريف لا تكليف، ومَغنم لا مَغرم، وإن حاول جلّهم إظهار خلاف ذلك. ومن أجلها وُظف النص الديني - القرآن والسنة - انتقاءً واجتزاءً من سياقه لخدمة مقاصد رجل السلطة. وفي صدارة تلك المقاصد: احتكار السلطة والاستبداد بها، أو إطالة أمد البقاء فيها، أو توريثها وتحويلها إلى مُلك عَضوض، أو توسيع دائرة النفوذ، أو قمع كل صوت معارض، أو قطع الطريق على أي طامح.

ذلك أن مجتمعنا العربي مجتمع مسلم متدين بفطرته، ينقاد للدين بسلاسة، وينظر إلى النص الديني نظرة تقديس. ويصعب على عامته التفريق بين دلالة النص الديني بعموميته، والنص الديني المُسيّس.

ومن صور التوظيف السياسي للدين ما نجده في بعض أفكار المذاهب والفرق الإسلامية. كالمذهب الشافعي والحنبلي، وفرقتي الأشعرية والجبرية - على سبيل المثال - التي ترى أن الإنسان مجبور لا يملك إرادة في الفعل، فكل أفعاله مقدّرة إلهياً، ومن ثم، لا يجوز الخروج على الحاكم وإن كان فاسقاً جائراً، بل الواجب الإذعان والخضوع حتى تحكم فيه المشيئة الإلهية. ويستند هذا التوجه إلى القول المأثور: "سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم"، وهو قول بشري سوّغ مبدأ القوة والتغالب في الوصول إلى السلطة والتشبث بها.

ومن خلال استعراض سريع لآراء نماذج من أهل الكلام، نخلص إلى شبه إجماع لديهم على أن بعض أئمة وفقهاء الفرق والمذاهب الإسلامية اختلقوا أحاديث نُسبت إلى الرسول ﷺ، أو تعمدوا الإضافة إليها، أو انتزعوا بعض ألفاظها من سياقاتها واستبدلوها بألفاظ مخصوصة، أو حرّفوا معانيها للتمويه على الأتباع. والهدف من ذلك التأثير على عقولهم والتحكم بقناعاتهم، لتسهيل السيطرة عليهم وضمان انقيادهم. وذلك على النقيض من المنهج النقدي العقلي الذي تبنته فرقة المعتزلة، وكذا الزيدية في أصولها الأولى ذات المنزع المعتزلي.

وعلى غرار الجبرية، ذهبت فرقة المرجئة إلى عدم جواز محاسبة الحاكم ومساءلته ما دام مقراً بالشهادتين، باعتبار أن حسابه وعقابه مُرجأ إلى الآخرة. وقد سوّغت جملة هذه الأفكار للسلطان المستبد بقاءه في سدة الحكم، وبطشه بمعارضيه، وفرضت على الناس الإذعان له بوصفه ممثل المشيئة الإلهية في الخلق.

وفي هذا السياق جرى في مراحل تاريخية توظيف فريضة "الجهاد" لا لمواجهة الأعداء وإعلاء كلمة الله والدفاع عن حوزة الدين، بل من أجل سحق الخصوم وبسط النفوذ وكسب النصرة والتأييد للسلطان.

وبالمثل، فإن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهو ركيزة أساسية من ركائز الدين بنص القرآن والسنة - أدى من خلال الممارسة السياسية البراجماتية وظيفة مزدوجة متناقضة. فتوجيه النقد للسلطة الحاكمة والاعتراض على بعض سياساتها من منطلق هذا المبدأ، صراحة أو ضمناً، كان كافياً للزج بصاحبه في غياهب سجون الديكتاتوريات بتلفيق تهم سياسية، أقساها "الخروج عن طاعة ولي الأمر". وهنا يتضح كيف جرى توظيف المبدأ سياسياً لقمع الصوت المعارض، في الوقت الذي تُعد فيه ممارسة النقد والنصح للسلطة ترجمة دينية حقيقية لهذا المبدأ في واقع الحياة السياسية.

ومن صور التوظيف السياسي للدين أيضاً ظاهرة الفتاوى التي يدبجها الفقهاء للحكام لتمرير قضاياهم الخاصة والعامة، وإضفاء المشروعية عليها. ويتم ذلك بإحدى طرق استنباط الأحكام من مصادرها: سواء من نص صريح محكم، أو بإجماع العلماء، أو باللجوء إلى التأويل، أو بالقياس. ويغلب على الظن أن التأويل والقياس هما الصيغة الأغلب في فتاوى الفقهاء في الشأن السياسي ذي المنحى الجدلي.

فقد حدث - على سبيل المثال - في عام ١٩٧٩م أن أصدرت دار الإفتاء المصرية في عهد الرئيس السادات فتوى تجيز معاهدة كامب ديفيد ١٩٧٨م وتشرعن السلام مع الكيان الصهيوني. وكما سمعنا في عام ١٩٩٠م عقب غزو العراق للكويت، حيث أصدر بعض علماء الخليج فتوى تجيز الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت. وكما حدث في حرب صيف ١٩٩٤م في اليمن، والتي لا تزال فتوى تسويغها محل جدل ولغط في الأوساط السياسية. وغيرها كثير لا يتسع المقام لاستقصائه.

ورغم أن الفتوى الدينية ينبغي أن تراعي المصلحة العامة وفق مقتضيات الزمان والمكان، إلا أنها في الحالة السياسية تميل إلى الثبات، لثبات عين المصلحة القائمة على التحالف بين الفقيه والسلطان.

وقد تندرج في سياق التوظيف السياسي للدين برامج بعض الهيئات والجمعيات والأحزاب والمؤسسات التشريعية. كما يلاحظ ذلك في حملات الدعاية والتعبئة الإعلامية لمرشحي المجالس النيابية والمحلية في الأوساط الشعبية، والتي تُعد المساجد إحدى منابرها.

ولا يقتصر تدبيج الفتاوى على الفقهاء وحدهم. فالوقائع التاريخية تكشف أن بعض الحكام مارسوا الإفتاء استجابة لمقتضيات سياسية. فقد أفتى الإمام المتوكل إسماعيل عام ١٦٤٨م بأن مناطق ما عُرف حينها بـ "اليمن الأسفل" حكم أراضيها كحكم الأراضي الخراجية، لخضوعها للعثمانيين - ممن يعتقدون بالجبر والتشبيه - والذين اقتصر بقاؤهم فيها حتى عام ١٦٣٥م، بعد انسحابهم من مناطق المرتفعات الشمالية بموجب الاتفاق المبرم بين الإمام القاسم بن محمد عام ١٦١٩م وبين العثمانيين.

وقد استثار هذا الأمر ردود أفعال معارضة من جانب عدد من علماء الزيدية، وفي مقدمتهم ابن أخيه العلامة المؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم، فتصدوا له وفندوا حججه ومسوغات إجراءاته المالية المترتبة عليه. وفي أعقاب ذلك صاغ العلامة الحسن بن أحمد الجلال فتوى "براءة الذمة في نصح الأئمة"، ضمنها النصح للأئمة في سياق تذكيرهم بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الأصل الخامس من أصول الفكر الزيدي المعتزلي.

يتبع...