قراءة في بيان حلف قبائل حضرموت
جاء البيان الصادر عن حلف قبائل حضرموت بشأن الفاجعة الغادرة التي شهدتها مدينة الريدة الشرقية يوم الثلاثاء (28 يوليو 2026م)—والتي أسفرت عن استشهاد الشاب سعيد سعد بن العربي الثعيني وإصابة آخر—ليضع النقاط على الحروف في مرحلة استثنائية تتطلب مكاشفة جادة ومسؤولة حول واقع أمن حضرموت وسِلمها الاجتماعي.
إن المتأمل في المضمون القانوني والأخلاقي للنص يدرك أن البيان لم يكن مجرد مرثية لشابٍ قضى وهو يجسد أسمى صور النخوة العربية في نجدة الملهوف وإسعاف جريح، بل حمل في طياته رسالتين مفصليتين تشكلان جوهر الاستقرار ومرتكزه الأساسي ، حيث سجل البيان موقفًا رصينًا وحازمًا ضد واحدة من أخطر الآفات الدخيلة على الثقافة الحضرمية، وهي «تصدير الثارات القبلية من محافظات أخرى إلى أرض حضرموت» ؛ هذه المحافظة التي مثّلت عبر تاريخها نموذجًا للمجتمع المسالم، واحتضنت دولة القانون والأعراف الأصيلة التي تُحرّم سفك الدماء والاستهانة بأرواح الآمنين.
إن إدخال هذه السلوكيات المنفلتة يُعد خرقًا صارخًا لأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين النافذة، ومحاولة مكشوفة لتفتيت النسيج الاجتماعي المستقر، وهو ما يحتم الوقوف بحزم ضد أي مساعٍ لجعل حضرموت ساحة لتصفية الحسابات والنزاعات الوافدة.
وفي الجانب الآخر، ألقى بيان الحلف بالكرة في ملعب الأجهزة الأمنية والسلطة التنفيذية، داعيًا إياها إلى النهوض بمهامها الأصيلة، وتحمُّل مسؤولياتها الوطنية والقانونية في تقديم الجناة للعدالة دون تراخٍ أو تسويف.
إن هذه الدعوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع المعيش؛ فالحفاظ على أرواح المواطنين وصون أمنهم هو الواجب الأول والأساسي لأي سلطة.. ومن غير المقبول—أخلاقيًا وتنفيذيًا—أن تُهدر الإمكانيات والمبالغ المالية في تغذية التجاذبات والاستقطابات السياسية العقيمة التي لا طائل منها ولا تحظى بأي قبول أو حاضنة مجتمعية، في الوقت الذي تتطلع فيه حصرموت إلى تسخير الموازنات والاستثمارات لتثبيت دعائم الأمن، وتطوير كفاءة المنظومة الأمنية، وحماية المواطن في باديته ومدينته.
لقد أثبت حلف قبائل حضرموت عبر هذا البيان تفاعله الحي والمسؤول مع قضايا المجتمع ، منطلقًا من دوره الوطني في الوقوف كحائط صد يمنع تحويل ربوع حضرموت إلى ساحة لتصفية الحسابات ، معتبرًا الحفاظ على الأمن ليس خيارًا ثانويًا أو رفاهية سياسية، بل هو قضية وجود وأصل الاستقرار.
إن دماء الشهيد سعيد الثعيني—التي سُفكت وهو يترجم قيم المروءة والشهامة—يجب أن تشكل نقطة تحول حقيقية تفرض إعادة ترتيب الأولويات؛ عبر توجيه الدعم والإنفاق نحو الملف الحيوي والملموس وهو الأمن والاستقرار ، وقطع الطريق نهائيًا أمام الهلافيت ، وكل من يسعى لاستيراد الفوضى إلى قلب حضرموت.
