الحرب الدائمة في اليمن (الحلقة الثالثة) :
حرب 2015.. السياقات والديناميكيَّات
تشهدُ اليمنُ منذُ ما يزيد عن عقد من الزمن حربًا ضروسًا التهمت الأخضر واليابس، تسببت بحدوث إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وفقًا للأمم المتحدة.
لم يكنْ نشوبُ الحرب في مارس 2015 بالأمرِ المفاجئ، بل كانَ حصيلة تراكميَّة منطقيَّة لسياق سياسي مُضطرب، بدأت حلقاتُه الأولى مع اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في مُستهلّ العام 2011، مُطالِبةً بإسقاط نظام الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح الذي حكم اليمن طوال (34) عامًا، انتهجَ فيها سياسات الاستبداد والفساد، وسخَّر مُقدَّرات الدولة لخدمة شخصه، وعائلته، وشبكة زبائنية من الحلفاء والمُقرَّبين، وعَمَدَ إلى إفراغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي. أبعد من ذلك، بَدتْ اليمن تتّجه إلى أنْ تصير "دولة جملوكية" [1]، عبر مساعي صالح لتوريث السلطة لنجله الأكبر أحمد الذي كان يقود قوات الحرس الجمهوري، وهي القوة الضاربة في الجيش اليمني وقتذَّاك. كل هذا وغيره، وضع اليمن في فُوهة بركان مُلتهب، فكانَ أنْ انفجر البركان، ولا تزالُ حُمَمُهُ تتطايرُ في كل اتّجاه حتى اللحظة!
أرغمتْ الاحتجاجات الشعبية صالح على التنّحي عن الرئاسة في إطار "المبادرة الخليجية" التي رَعَتها دول مجلس التعاون الخليجي، وبمقتضاها مُنح صالح حصانة من المحاكمة، في مُقابل أنْ يقوم بتسليم السلطة لنائبه عبدربه منصور هادي، وتشكيل حكومة انتقالية مُناصفةً بين الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) وحلفائه، والمعارضة المتمثّلة بتكتّل أحزاب اللقاء المشترك، وتتولى الحكومة إدارة البلاد خلال مرحلة انتقالية. بَيْدَ أنَّ صالح لم يُسلّم السلطة إلا شكليًا، فقد ظلَّت الكثير من أجهزة الدولة الأمنيّة والعسكريّة، والتشريعيّة، والتنفيذية تحت نفوذه؛ ما أَمْكَنه القيام بدور تقويضيّ للعملية السياسية الانتقاليّة. وقد سعى إلى التحالف مع جماعة أنصار الله (الحوثيين) والتخطيط والتنفيذ لانقلاب 21 سبتمبر 2014 المُسلّح، ضد الرئيس التوافقي عبد ربه منصور هادي والحكومة الانتقالية. وكان الهدف من وراء ذلك، قطع الطريق أمام عملية التغيير. فقد كان اليمنيون على مَرمى حجرٍ من الشُّروع بأول خطوة في بناء الدولة الاتحادية، والمتمثّلة بالاستفتاء على مسوّدة الدستور المُنبثق عن وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي عُقِدَ في الفترة (18 مارس 2013 – 25 يناير 2014)، غير أنّ هذه الخطوة أُجهِضت قبل أن تولد؛ بفعل قيام تحالف الحوثيين وصالح، بتأزيم المشهد السياسي، وشنّ هجمات مسلّحة، والسيطرة على محافظتي صعدة وعَمران، ثم اقتحام العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، والاستيلاء على المعسكرات والسلاح التابع لوزارة الدفاع، واتّخاذ إجراءات انقلابية، المتمثلة بـ: الإعلان الدستوري الذي أعلنت عنه جماعة الحوثيين في 6 فبراير 2015، وتضمّن حلّ البرلمان، وتشكيل مجلس وطني انتقالي بديلًا عن مجلس النواب، ومجلس رئاسي لتنظيم الفترة الانتقالية التي حددتها بعامين. ووضع الرئيس عبدربه منصور هادي ورئيس الحكومة والوزراء تحت الإقامة الجبرية بمنازلهم في صنعاء، وفرض حالة الطوارئ، والسيطرة على مؤسسات الدولة، وعلى المحافظات اليمنية بقوة السلاح، والقيام بحملات اعتقالات واسعة شملت عددًا من السياسيين والصحفيين والناشطين المدنيين. ليس ذلك وحسب، بل سعت جماعة الحوثيين إلى تعزيز ارتباطها بدولة إيران، ورهن مصير اليمن بالأجندة الإيرانية.
لقد وضعت تلك الخطوات والإجراءات الانقلابية أمام اليمنيين تحديات وجودية مصيرية كبيرة وغير مسبوقة، وأدخلت البلدَ في نفقٍ مُظلِم، وحوَّلتها إلى مَسرح مفتوح للتدخُّلات الخارجية، بلغت ذُروَّتُها مع قيام المملكة العربية السعودية ودول أخرى [2] بإطلاق عملية عسكرية تحت اسم "عاصفة الحزم" في 26 مارس 2015؛ تلبيةً لطلب الرئيس عبدربه منصور هادي لتلك الدول بالتدخُّل لإيقاف انقلاب تحالف الحوثيين – صالح والنفوذ الإيراني، واستعادة السلطة الشرعية.
وطوال السنوات الـ11 الماضية شهدت البلاد تحوّلات عاصفة، وتبدَّلت مسارات الحرب، وتغيَّرت أنماطها وديناميكيّاتها، فـ "الحرب حرباء حقيقية" – كما يقول "كارل فون كلاوزفيتز" (Carl Von Clausewitz) –؛ لأنّها قادرة على تغيير مظهرها باستمرار.[3]
وبناءً على ما سبق، يمكن القول: إنَّ الحرب في اليمن بعد مرور عقد من الزمن، لم تَعُدْ حربًا محصورة بالعمليات العسكرية القتالية بين طرفي الصراع المُعلن عنه في بداية الحرب 2015 (جماعة الحوثيين وحليفها صالح من جهة، والحكومة الشرعية من جهةٍ ثانية)، بل صارت "حرب الكل ضد الكل"؛ وأضحتْ حروبًا عديدة داخل دائرة الحرب الرئيسة؛ فصارت حروبًا مسلحة، وحربًا اقتصادية، وحربًا إعلامية، وحربًا دبلوماسية، وحربًا فكرية، وحربًا نفسية، وحربًا أهلية، وحربًا إقليمية، وحربًا بالوكالة،.... إلخ. وتتضمّن – أيضًا – بعض خصائص حرب الجيل الرابع، وحرب الجيل الخامس.[4]
كما دخلت على الخط مُتغيّرات جديدة متمثلةً بالتطورات العسكرية التي يشهدها البحران الأحمر والعربي منذ نوفمبر 2023، والهجمات التي شنّتها جماعة الحوثيين على مواقع في إسرائيل. وفي المقابل الهجمات العدوانيّة التي شنّتها القوات التابعة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل على مواقع مختلفة في اليمن، جلّها أعيان مدنية وبنى تحتية. وهذه المتغيرات الجديدة مرتبطة بأحداث "طوفان الأقصى"، وحرب الإبادة الجماعية التي شنّتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في أكتوبر 2023، مما يُضيف بُعدًا آخر للحرب الدائرة في اليمن، وهو البُعد الدولي. كلُّ هذه الديناميكيّات والتحوَّلات والأنماط المختلفة للحرب ستتضّح تِباعًا في ثنايا التناولات القادمة.
الهوامش:
(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.
[1] "جملوكية": صكّ هذا المصطلح د. سعد الدين إبراهيم عالم الاجتماع المصري، وهو كلمة هجينة من كلمتى "جمهورية" و"ملكية"، والمقصود بها الحفاظ على الطابع الشكلي للنظام الجمهوري كنصٍ في الدستور، لكن في الواقع يجري تحويله إلى حُكم ملكي وراثي، من خلال تمهيد المسرح لتنصيب أبناء الرؤساء لمنصب الرئاسة.
[2] شكّلت السعودية تحالفًا أطلقت عليه "التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن"، وتكوّن من (10) دول، هي: المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، والأردن، والمغرب، ومصر، والسودان، وباكستان.
[3] عبدالجواد عمر، حرباء "كلاوزفيتز": في نقد التقسيم الجيلي للحرب، مقال، موقع باب الواد، تاريخ النشر: 19 يوليو 2020، رابط:
[4] من خصائص حروب الجيل الرابع:
الامتداد الزمني، إذ تمتد لعدة سنوات، وفي بعض الأحيان لعقود من الزمن.
تصاعُد استهداف المدنيين: نظرًا لأن القتال يتم في مناطق مكتظة بالسكان.
محورية حرب المعلومات: يتزايد الاعتماد على حرب المعلومات، وتوظيف وسائل الإعلام بكثافة في الحرب.
تدخُّل الأطراف الخارجية: قد تُقَدِّمُ دولةٌ ما أو "فواعل مُسلَّحة من غير الدِّول" الدَّعم التّسليحي واللوجستي للجماعات المُتقاتِلة مما يُؤدي إلى إطالة أَمَدْ الحرب.
من خصائص حروب الجيل الخامس:
تُعدُّ حروب هذا الجيل تطويرًا عن حروب الجيل الرابع، وأبرز خصائصها:
ارتبط ظهور هذا الجيل من الحروب بتراجع احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة، وظهور "فواعل مُسلَّحة من غير الدِّول" قادرة على شنّ الحرب، مثل: "التنظيمات المتطرفة"، وتعتمد تلك الجماعات على القيادة الكاريزمية، والولاءات الأيديولوجية العابرة للحدود القومية.
يتم توظيف عدة مجالات من الحرب (العسكرية والاقتصادية والمعلوماتية وغيرها) بصورة متزامنة، مع المزج بين التكتيكات التقليدية وغير التقليدية على حدٍّ سواء.
تعد "الحرب بالوكالة" نمطًا خاصًا من هذا الجيل، وتعني قيام دولة ما "بتوظيف دولة ثانية أو "فاعل مسلح"، واللذان تتفق أهدافهما مع الدولة الأولى، من أجل شنّ الحرب ضد الطرف المناوئ لهما.
(المرجع: شادي عبدالوهاب منصور، حروب الجيل الخامس: "أساليب التفجير من الداخل" على الساحة الدولية، (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2019)، ص25 وما بعدها).
