البحر الأحمر من الحياد البارد إلى صراع الممرات: أطماع إثيوبيا وإسرائيل في باب المندب
يشكل البحر الأحمر نقطة اتصال بحري حيوي بين الشرق والغرب، وزادت أهميته أكثر بعد فتح برزخ السويس الذي ربطه بالبحر الأبيض المتوسط في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، فزادت أهميته كممر مختصر لنقل البضائع ومتعلقات التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا، ثم تطورت تلك الأهمية بشكل لافت بعد اكتشاف النفط وازدهار تجارته الدولية بعد الحرب العالمية الثانية التي قادت إلى خلق تنافس دولي محموم بين القوى العظمى المنتصرة في الحرب، وتحول الأمر إلى تسابق للسيطرة على الممرات والمنافذ البحرية المرتبطة به، بهدف تأمين عملية النقل اللوجستي وتأمين الحركة التجارية المرتبطة بالنفط، لا سيما أن البحر الأحمر يقع بالقرب من منطقة الخليج العربي المركز الحيوي المتعلق بالنفط والمصالح الأمريكية والأوروبية في المنطقة، وذلك جعل من البحر الأحمر محل أنظار القوى الدولية التي سعت جاهدة لترسيخ أقدامها على شواطئه لتأمين أكبر قدر من النفوذ لحماية المصالح الاقتصادية المرتبطة بها في الإقليم القريب من شريان البحر الأحمر الحيوي.
أدركت القوى الدولية مدى أهمية الخط الملاحي الحيوي الذي يمر بالبحر الأحمر لدوره في تحقيق الربط والاتصال السريع بين المحيط الهندي شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً عبر البحر المتوسط، وهذا الربط يمنح الحركة التجارية مجموعة من العوامل المشجعة على الاستمرار والازدهار معاً، لما تتمتع به حركة المرور البحرية في البحر الأحمر من مزايا اقتصادية مرتبطة بانخفاض أسعار التأمين على السفن التي تجتازه بأمان، فضلاً عن انخفاض تكاليف الشحن التجاري الذي يمر به واختصار المسافة بين المنتج في أقصى الشرق والمستهلك في أقصى الغرب، وهذا بطبيعته يوفر لشبكات النقل الدولية العملاقة الكثير من الأموال والأرباح المرتفعة نتيجة تلك العوامل التي أشرنا إليها، وخلق بعداً محفزاً لتطور النشاط الملاحي في شريان البحر الأحمر على المستوى العالمي. أما على المستوى الإقليمي فإن الدول المشاطئة استفادت من الحركة الملاحية القوية والكبيرة في البحر الأحمر لإنعاش موانئها التجارية وربطها بحركة الملاحة في البحر وإنعاش أسواقها بالسلع التجارية الأكثر تنافسية بفضل انخفاض كلفة الشحن التجاري الذي يمر عبر شريان البحر الأحمر الحيوي، وترتب على ذلك خلق العديد من فرص العمل في الدول المشاطئة، وبالتالي انعكس ذلك النشاط على الاقتصاد المحلي لتلك الدول وإن كان في حده الأدنى في بعض الدول التي لا تمتلك بنى تحتية مرتبطة بالملاحة البحرية.
شكلت العوامل التجارية والمزايا الاقتصادية التي وفرها النشاط الكبير للحركة الملاحية في البحر الأحمر وارتباطه بتجارة النفط سباقاً عالمياً محموماً بين القوى العالمية لتأكيد وجودها في البحر الأحمر وتحويله من بحر إقليمي إلى محيط دولي يعج بالمصالح الدولية التي ارتبطت بتجارة النفط الذي تستخرجه الشركات العالمية في المنطقة، وأصبح من الضروري معها جلب القوات العسكرية إلى المنطقة بحجة تأمين حركة الملاحة النشطة في البحر الأحمر ومنع أي محاولة لتهديد حركة الملاحة الدولية فيه والعمل على استمرار تدفق النفط إلى أسواق العالم دون توقف أو انقطاع. وفي سبيل تحقيق ذلك حاولت الدول الكبرى تحييد البحر الأحمر من الصراع طوال فترة الحرب الباردة (1949-1990م) بين القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي، ورغم ذلك لم يمنع تحييد البحر الأحمر من تواجد قوات عسكرية وبناء قواعد بالقرب منه، إذ بنى الاتحاد السوفيتي علاقات عسكرية قوية مع جنوب اليمن الذي منحه بناء قاعدة بحرية وجوية كبيرة في المنطقة فضلاً عن الصومال، ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة عن تلك التحركات، بل كان لها وجودها الخاص في إثيوبيا التي منحتها إطلالة على البحر الأحمر ومراقبة الملاحة فيه.
وبالرغم من انتهاء الحرب الباردة بين القطبين العالميين في 1991م بإعلان انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم، إلا أن عملية التنافس على البحر الأحمر تحولت من بعدها الدولي وصراع الأقطاب إلى عملية صراع خفي داخل الإقليم مدعوم بنوازع ودوافع دولية. فإثيوبيا التي كانت إحدى الدول المشاطئة للبحر الأحمر تحولت بعد عام 1995م إلى دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا، الأمر الذي فتح الباب أمام إسرائيل لتكون لها من خلال جزرها إطلالة مباشرة على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويأتي ذلك التواجد من قبل إسرائيل لمنع أي تحرك عربي في جنوب البحر الأحمر كما سبق للعرب القيام به لفرض حصار خانق على استخدام إسرائيل للبحر الأحمر خلال حرب أكتوبر عام 1973م.
إن المتابع اليوم للأحداث السياسية التي تشهدها شواطئ البحر الأحمر يتبين الدور الحيوي والمكانة المهمة التي يشغلها، فإن الاندفاع المحموم للصراع الموجود في السودان والصومال مرتبط بهندسة خلق ممر بحري لإثيوبيا في ضفاف البحر الأحمر بهدف خلق توازن للقوة بين شواطئه يرجح كفة الدول العربية ممثلة بمصر والمملكة العربية السعودية مقابل إسرائيل في أقصى شمال البحر الأحمر وحليفتها إثيوبيا في جنوبه. ورغم الجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل تحقيق تلك الغاية الكامنة وراء تأجيج الصراع في البحر الأحمر، نجد أن الدول العربية المشاطئة قد تنبهت لمثل تلك المشاريع المراد تنفيذها في الإقليم ونظرت إليها بوصفها تهديداً يهدد وجودها ومستقبلها بعيداً عن الوقوع تحت تأثير الإملاءات الخارجية التي تمهد الطريق لخلق واقع جديد في سواحل البحر الأحمر، فكانت استجابتها سريعة في مواجهة تلك التحديات منها توسيع التنسيق الأمني بين السعودية ومصر وباكستان وتركيا التي رمت بثقلها بالتوافق مع مصر لخلق واقع جديد في السودان ومنع انهياره والتوجه نحو الصومال الذي يعيش اليوم تحدياً وجودياً يهدد وحدته ومستقبل أجياله بعد أن توضحت التوجهات الإثيوبية والإسرائيلية لاجتزاء إقليم "صوماليلاند" منه واعتراف إسرائيل باستقلاله مقابل السماح لها ببناء قاعدة عسكرية بالقرب من عدن وباب المندب، وإعلان إثيوبيا وقيادة الإقليم الانفصالي التوقيع على اتفاقية تمنح بموجبها إثيوبيا ميناءً بحرياً على خليج عدن لبناء قواتها البحرية عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي لخنقه، وكل تلك المعطيات مجتمعة تشكل خطراً أمنياً مستقبلياً على الإقليم إن لم يبادر لوضع حد لتلك التدخلات المفضوحة والتوجه لمساعدة الصومال الذي تهدد الأطماع وحدة أراضيه اليوم قبل الغد. والله من وراء القصد.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.
