الخرافة والوعي الجمعي في المجتمع اليمني(٣)
إذا كانت الخرافة ظاهرة إنسانية عامة، فإن حضورها في كل مجتمع يتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة، وطبيعة الثقافة السائدة، ومدى رسوخ التفكير النقدي. والمجتمع اليمني، بوصفه مجتمعاً عريقاً في تاريخه، وغنياً في موروثه الثقافي، لم يكن استثناءً من هذه القاعدة؛ إذ تراكمت في ذاكرته الجمعية، عبر قرون طويلة، روايات وأساطير وحكايات شعبية، اختلط فيها التاريخ بالخيال، والواقع بالمأمول، والديني بالشعبي، حتى غدت بعض تلك الروايات جزءاً من الوعي العام، يتناقلها الناس بوصفها حقائق لا يرقى إليها الشك.
ولم يكن انتشار هذه الخرافات دليلاً على خصوصية يمنية بقدر ما كان انعكاساً لظروف تاريخية معقدة؛ فقد تعاقبت على اليمن حروب وصراعات وانقسامات سياسية ومذهبية، وتفاوتت مستويات التعليم، وضعفت في مراحل كثيرة مؤسسات المعرفة، فوجدت الخرافة بيئة خصبة للنمو، مستفيدة من الحاجة النفسية إلى تفسير ما يستعصي على الفهم، أو إلى استحضار الخارق لتبرير ما يعجز الواقع عن تفسيره.
ولذلك لم تقتصر الخرافة في المجتمع اليمني على الحكايات الشعبية المرتبطة بالجن والكنوز والكرامات والأماكن المهجورة، بل امتدت إلى المجالين السياسي والديني، حيث وظفت أحياناً لإضفاء القداسة على أشخاص أو جماعات، أو لإضفاء الشرعية على مواقف وسلطات، أو لتشويه الخصوم ونزع المشروعية عنهم. وهنا لم تعد الخرافة مجرد موروث ثقافي، بل تحولت إلى أداة من أدوات تشكيل الوعي، وصناعة الصورة الذهنية، والتأثير في اتجاهات الرأي العام.
ولا يعني ذلك أن جميع الروايات الشعبية فاقدة للقيمة؛ فبعضها يحتفظ ببعد رمزي وأدبي يعكس وجدان المجتمع، ويكشف عن مخاوفه وأحلامه، بل قد يسهم أحياناً في حفظ جوانب من الذاكرة التاريخية التي لم تصل إلينا عبر المصادر المكتوبة. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرواية الشعبية إلى حقيقة مطلقة، أو عندما يُستعاض بها عن البحث العلمي، أو تُستخدم لإعادة كتابة التاريخ وفق مقتضيات السياسة أو الأيديولوجيا أو العصبية.
ومن هنا، فإن كثيراً من الإشكالات التي عرفها المجتمع اليمني لا يمكن فهمها بمعزل عن أثر الرواية المؤسطرة في تشكيل الوعي الجمعي؛ إذ إن بعض الصراعات لم تُغذَّ بالوقائع وحدها، بل غذتها أيضاً سرديات متخيلة، وأخبار تناقلتها الذاكرة الشعبية دون تمحيص، حتى اكتسبت مع الزمن سلطة رمزية لا تقل تأثيراً عن سلطة النصوص أو الوقائع نفسها.
ولعل أخطر ما في الخرافة أنها لا تفرض نفسها بالقوة، وإنما تتسلل إلى العقول بهدوء، مستندة إلى التكرار، وقداسة الموروث، وهيبة الرواة، واستعداد الإنسان لتصديق ما ينسجم مع معتقداته المسبقة أو يحقق له راحة نفسية. ومع مرور الزمن تتحول الرواية المتخيلة إلى يقين اجتماعي، ويصبح التشكيك فيها خروجاً على المألوف، وربما على المقدس نفسه، رغم أن معيار الحقيقة لا يقوم على شيوع الاعتقاد، بل على الدليل والبرهان.
ولهذا فإن مسؤولية الباحث والمؤرخ لا تقتصر على جمع الروايات، وإنما تبدأ من نقدها وتمحيصها، والتمييز بين ما هو تاريخي وما هو مؤسطر، وبين ما يمثل حقيقة موثقة وما يعكس رغبات الجماعة أو انحيازاتها أو مخاوفها. فالتاريخ لا يكتب بما اشتهر، وإنما بما ثبت، ولا يقاس بكثرة الرواة، وإنما بسلامة الدليل ومنهجية النقد.
إن تحرير الوعي من سلطة الخرافة لا يعني مصادرة التراث أو الانتقاص من الذاكرة الشعبية، وإنما يعني إعادة قراءة ذلك التراث بعين الباحث، لا بعين المصدق؛ وبمنهج النقد، لا بمنطق التسليم. فالمجتمعات التي تحترم تاريخها ليست تلك التي تكرر مروياته دون مساءلة، وإنما التي تمتلك الشجاعة لتمييز الحقيقة من الوهم، والواقعة من الرواية، والتاريخ من الأسطورة.
وعليه، فإن دراسة الخرافة في المجتمع اليمني لا ينبغي أن تنصرف إلى تتبع غرائب الحكايات أو جمع الروايات الشفهية فحسب، بل يجب أن تتجه إلى تحليل وظائفها الاجتماعية والسياسية والثقافية، والكشف عن الكيفية التي أسهمت بها في بناء الوعي الجمعي، وفي تشكيل المواقف، وصناعة الصور الذهنية، وتوجيه السلوك العام. فهناك تتجلى قيمة البحث العلمي، لا في هدم الموروث، وإنما في فهمه، ونقده، ووضعه في سياقه التاريخي والثقافي الصحيح.
وبذلك يتبين أن الخرافة ليست مجرد بذرة أنبتها الجهل، ولا مجرد جذور تغلغلت في تربة المجتمع، وإنما قد تصبح ثمراً يؤثر في طريقة تفكير الناس، وفي قراءتهم للماضي، وفهمهم للحاضر، ورسمهم للمستقبل. ومن هنا فإن بناء وعي تاريخي رصين يظل مرهوناً بترسيخ ثقافة النقد، واحترام المنهج العلمي، وإعلاء قيمة العقل، حتى يبقى التاريخ مجالاً للمعرفة، لا ساحةً لهيمنة الوهم أو انتصار الأسطورة على الحقيقة.
