الانتصار الحقيقي، هو انتصار اليمن كله
يعيش الوطن العربي أسوأ حالة مرت به في تاريخه الحديث والمعاصر: ضعف وتفكك وتشرذم وفقر وتشرد وحروب داخلية بين أبنائه، وولاءات لقوى خارجية، متنافسة على ثرواته وممراته ومواقعه الاستراتيجية، وغياب كامل للفعل السياسي المؤثر للقوى السياسية العربية المنظمة القادرة على قيادة جماهير الأمة وتغيير المعادلات واستبدال الصورة المأساوية للواقع العربي المتردي، بصورة تحمل تباشير الانعتاق من القوى الخارجية المتكالبة عليه.
وإلى جانب هذه الصورة القاتمة، تبرز صورة أخرى تحمل البشرى والأمل، هي صورة المقاومة الفلسطينية، التي يُباد شعبها وتُغتصب أرضها، ويتآمر عليها القريب والبعيد، وتواجه وحيدة أعتى قوى الشر في العالم وأكثرها دموية وإرهاباً.
وعلى مستوى الجوار الإقليمي، تكرر العدوان الصهيوني الأمريكي المباشر على إيران للمرة الثانية، وتطور من حيث الزمن والأهداف وحجم التدمير واتساع دائرة الاغتيالات للقادة الإيرانيين المدنيين والعسكريين والأمنيين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، ومعه شخصيات من أبرز قادة الدولة وأجهزتها، دون أن يتأثر أداء الإيرانيين العسكري والسياسي والأمني بهذه الاغتيالات، وبغياب أبرز قادتهم.
وبهذا تقدم لنا إيران دروساً، في إعداد القوة والدفاع عن النفس، وفي إدارة معركتها العسكرية والسياسية بكفاءة عالية، يتوجب علينا نحن العرب أن نتعلم منها، سواءً اتفقنا مع إيران أو اختلفنا. فالتعلم مفيد لنا في جميع الأحوال.
إننا نعيش عصر التغول الاستعماري الغربي، الذي تتصدره الولايات المتحدة الأمريكية وتقوده، في الخفاء وفي العلن، الحركة الصهيونية العالمية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني المحتل للأرض العربية الفلسطينية. ونشهد صراعاً محتدماً بين القوى الكبرى المهيمنة على العالم، يتخذ أشكالاً سافرة أحياناً، وأشكالاً مقنعة أحياناً أخرى، نرى بعض تجلياتها في ما يدور في الوطن العربي من حروب داخلية، تبدو لمن يجهل أو يتجاهل خلفياتها، وكأنها حروب محلية، ولدتها عوامل التنافس الداخلي على السلطة والثروة، ولا علاقة للعامل الخارجي بها ولا تأثير له فيها. في حين أن العامل الخارجي، هو بالأصل محركها وموجهها والعائق الذي يقف أمام أي حل وطني لها.
وإزاء هذا كله، وبالنظر إلى انعكاساته المميتة على اليمن وشعبه، لابد أن نستيقظ جميعنا، وفي مقدمتنا القوى السياسية اليمنية، ونحسم أمرنا ونحول ولاءنا إلى اليمن وأهله، بدلاً من ولاءاتنا للقوى الخارجية، التي لها مصالحها وحساباتها الخاصة بها، وليس من بين مصالحها وحساباتها مصلحة اليمن وشعبه. وهذا أمر طبيعي، لا تُلام عليه. وإذا كان هناك من يستحق اللوم، فهو نحن، الذين لم ندرك حتى الآن، رغم التجربة القاسية التي عشناها على مدى عقد ونصف من الزمن، وما نزال نعيشها، أن الاحتراب الداخلي لن ينتهي إلى انتصار أي طرف يمني على طرف يمني آخر. فالكل مهزوم، حتى وإن توهم أنه انتصر. لأن انتصاره المتوهَّم لو تحقق، هو في حقيقته انتصار للمخططات والمصالح الخارجية، وهزيمة له ولأخيه اليمني الذي يقف في مواجهته، وإضعاف لهما معاً.
إن المخاطر المحيطة بنا جميعاً، حتى من يظن منا عن جهالة بأنه في نجوة منها، تستوجب الانتباه إلى أن اليمن مهدد كله دون استثناء، ولا نجاة لنا إلا بالتوجه بنية صادقة نحو التصالح الوطني والحوار المسؤول بين كل المكونات السياسية اليمنية الفاعلة، المسلحة منها وغير المسلحة، لنبني معاً حياتنا الجديدة، ونؤسس قواعد دولتنا اليمنية المدنية العادلة القوية، على مبادئ الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية والتبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات.
وفي الوقت نفسه لا بد أن ندرك بأننا لا يمكن أن نعيش بسلام، وننصرف إلى التنمية والبناء، إذا بقيت علاقاتنا بجيراننا متوترة. فلكي نحقق السلام والاستقرار والنهضة الشاملة في بلدنا، علينا أن نوحد أنفسنا أولاً. فتوحيد أنفسنا هو جدار الصد المنيع في وجه أعدائنا. ثم نراكم عناصر القوة التي يهابها الآخرون، فلا يستهينون بنا ولا يطمعون فينا ولا يعتدون علينا. ونبحث في الوقت نفسه عن السبل الكفيلة بتطبيع العلاقات مع كل جيراننا العرب والمسلمين، على قاعدة التعايش والتعاون والاحترام المتبادل، وعدم الإضرار بمصالح الآخرين وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية. وهذه هي دعوة (جماعة نداء السلام)، التي رفعتها منذ تأسيسها وحتى الآن. فهل من مجيب؟
إننا لا نملك قوة قهرية نفرض بها على الآخرين ما نقوله وما نفكر به وما نتمناه من خير لكل اليمنيين. فما نملكه ليس إلا الكلمة الصادقة، نقولها من منطلق الحرص على أنفسنا والقلق على مستقبل أبنائنا وأحفادنا والخوف على بلدنا وشعبنا. وسنظل نرددها، على أمل أن تتلقفها العقول الناضجة، التي لا نشك بوجودها في صفوف القوى اليمنية الفاعلة وفي قياداتها، وأن تعقلها وتفهمها، وتبادر إلى العمل بما يخدم اليمن ووحدته واستقراره وسلامة أراضيه ورخاء شعبه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
