تأثيرات اقتصاد الحرب
عشر ونيف من السنوات العجاف ولّدت اقتصادًا ليس فقط مشوهًا، بل منقسمًا، يحكم ميدان التداول فيه سعران لعملة واحدة، جراء انقسام بنك الدولة (البنك المركزي). وزاد الطين بلة أن البلاد، بواقعها المنقسم، تكيفت، رغمًا عن سكانها، مع معطيات اقتصاد حرب مدمرة، صاحبها تغول ثلاثة عناصر تجهض أي إمكانات للتعافي المبكر، حيث تقود حالة الحرب المستمرة ذيول الخيبة الاقتصادية، متمثلة في:
استمرار مظاهر ومخاطر التضخم، وزيادة الأسعار، المصاحبة لظاهرة الركود الاقتصادي.
يصاحب استمرار الحرب وتشظي الأوطان بروز فئة سميت بتجار الحروب، خاصة تجار السلاح. فلما كان اقتصاد الحرب يعني حشد وتوجيه كل المتاح مما تبقى من الموارد الوطنية، التي لم يلتهمها هوامير الفساد، لمن فيهم تجار الحروب، فإن نسبة كبيرة منها تؤول إلى المجهود الحربي، ولكن، للأسف، لغير جبهات المواجهة.
وهكذا يستمر الحال على ما هو عليه: موارد منهكة، وحراك اقتصادي فاعل شبه متوقف، وأموال تهدر خارج قنواتها الشرعية، وأحوال البلاد وناسها من السيئ إلى الأسوأ.
ومع استمرار الحرب يتواصل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، ويتصاعد معه انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، أي انخفاض مستوى دخل الغالبية، جراء استمرار تصاعد التضخم. وتبدو الصورة قاتمة مع تدهور أحوال التجارة الداخلية والخارجية، وانتعاش أنشطة التهريب، بما يلحقه ذلك من ضرر بموارد الدولة، التي تواصل موازنتها تسجيل العجز عامًا بعد عام.
وهو أمر يفسر استمرار العمل بموازنة تأشيرية، وليس بموازنة عامة معتمدة حقيقية، حُددت معالمها وفق بيانات مدققة للإيرادات والنفقات الخاصة بالدولة وأجهزتها، أو ما تبقى منها. وهنا تكمن المشكلة.
بلد يعيش حالة حرب مستمرة منذ سنوات، موارده غير مسيطر عليها أولًا، ومؤسساته منقسمة ثانيًا، والادخارات الذاتية، سواء للأفراد أو للحكومة، تكاد تكون صفرًا ثالثًا، بمعنى: لا تراكم رأسمالي، ولا أموال للاستثمار، مع إنفاق غير مرشد، وقروض تتراكم، ومعونات تتطاير مع بساط الريح.
وفي آخر تقرير قدمته منصات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وما صدر عن المرصد اليمني التابع للبنك الدولي لعام 2025 وحتى مارس 2026، تشير البيانات إلى استمرار الانكماش الاقتصادي، أي عدم حركية الاقتصاد وفق كفاءة عناصره، حيث إن الكفاءة في تخصيص الموارد وتوجيهها ومتابعتها شبه معدومة، والعجز يتراكم، والموارد تتآكل، وما تيسر منها يتسرب خارج القنوات الشرعية، ممثلة في الخزانة العامة والبنك المركزي.
ووفقًا للتقرير، ما يزال اقتصاد البلاد المنقسم، والمصاب بحالة حرب مستمرة، يعيش حالة انكماش اقتصادي منذ اندلاع الحرب، أي استمرار انكماش قيمة صافي الناتج المحلي الإجمالي؛ أولًا بسبب عدم الاستقرار، وثانيًا لأن المتاح ماليًا يوجه للمجهود الحربي، أي لتلبية احتياجات اقتصاد الحرب، الذي طال أمده وأدى إلى انكماش قيمة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال سنوات الحرب.
وما أورده تقرير البنك الدولي في هذا الشأن يبدو غير دقيق؛ إذ تشير بياناته إلى أن معدل الانخفاض تراوح بين 1.5% و2% عام 2025 مقارنة بعام 2024. كما يشير التقرير إلى انخفاض حاد في صادرات النفط نتيجة هجمات الحوثيين، إضافة إلى انخفاض صادرات قطاع الأسماك بنسبة 20% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، من نحو 460 ألف طن في عام 2024 إلى 360 ألف طن في عام 2025.
تمامًا كما انكمشت الموارد التي كان من المفترض أن تؤول إلى حاضنة مؤسسات الدولة، إلا أن الأمر، كما يقال، "به عفاريت إبليس" تتصيد وتعطل، لتظل ميزانية الدولة التشغيلية معطلة وعاطلة، ومن أسوأ تجليات ذلك عدم القدرة على سداد رواتب الجنود وصغار موظفي الدولة، إلى جانب تصاعد تدني الخدمات الاجتماعية المفترض أن تؤديها أجهزة الدولة، التي أصبحت كفاءتها محل تساؤل. فلا كهرباء متوافرة، ولا خدمات مياه أفضل حالًا، ولا سلع أو خدمات بالمستوى المطلوب، ولا تعليم يشار إليه بالبنان.
والحالة تتطلب الخروج من حالة اللادولة إلى دولة مؤسسات فاعلة على الأرض. ولعل ناقوس اللحظة يدق عاليًا مع قرار التهديد الحوثي وقرار التصدي لإعادة تصدير النفط، وهو تصدٍ ينبغي أن يمتد إلى الأمور التالية:
أولًا: أهمية وضرورة وجود موازنة عامة منضبطة، معتمدة وفق الأصول، إيرادًا وإنفاقًا.
ثانيًا: العودة الفورية لكافة أجهزة الدولة إلى الداخل.
ثالثًا: تعزيز كفاءة أجهزة الرقابة والمتابعة لموارد الدولة المستحقة للخزانة العامة والبنك المركزي.
رابعًا: التوجه الفوري للعمل بموازنة دولة تُعد وتُقر وفق الأصول المحاسبية.
خامسًا: عدم السماح بتداول أي عملة داخل الاقتصاد الوطني، عدا العملة الوطنية، بما في ذلك صرف رواتب جميع أجهزة الدولة وفق سلم الرواتب والأجور، باستثناء السلك الدبلوماسي، مع ضرورة مراجعة أوضاعه بما يتوافق مع القوانين المنظمة لعمل السفارات والبعثات الدبلوماسية.
وأخيرًا، وليس آخرًا، حصر جميع المعونات الخارجية، تحت أي مسمى، ضمن اختصاص وزارتي التخطيط والمالية، مع دور فاعل للبنك المركزي.
وإلى متابعة أخرى.
