الأحد 26 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الحرب الدائمة في اليمن(الحلقة الثانية)

الحرب الدائمة في اليمن(الحلقة الثانية)

لماذا تتناسل وتتكرر الحروب والصراعات التناحرية في اليمن؟ ما الأسباب والعوامل التي تعيق عملية تحقيق الاستقرار السياسي والسلِّم الاجتماعي في البلاد؟

قبل الشروع في الإجابة عن هذين التساؤلين، يجدر بنا القول: إنّ الحرب في اليمن ليست قدرًا محتومًا، وليست سمة جوهرانية للمجتمع اليمني لا يمكن الفِكاك منها، كما تزعم بعض الاتجاهات الفكرية الاستشراقية التي لا تفتأ أن ترسم صورة نمطية عن مجتمعات الشرق، وتوصمها بـ "التخلف" و"الهمجية"، و"المجتمعات المبرقشة"، و"التناحرية"، وغيرها من التوصيفات المجافية للمنطق العلمي. بل هي – أي الحرب – ظاهرة اجتماعية ناتجة عن أسباب وعوامل موضوعية كامنة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، فإذا ما عُولِجتْ تلك الأسباب والعوامل، غادر المجتمع حالة الحرب والصراعات المدمّرة، ودخل في حالة الاستقرار، واتّجه للبناء والتحديث والتنمية و"الدمقرطة".

ثمّة مروحة من الأسباب والعوامل المختلفة التي تقف وراء تكرار مسلسل الحروب والصراعات التناحرية التي شهدتها اليمن خلال الفترة الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي حتى الآن، يمكن استعراضها، كما يلي:

العوامل الداخلية:

الإخفاق في بناء دولة وطنية ديمقراطية مؤسساتية قوية، تستند إلى الشرعية الشعبية ورضا المواطنين، وتحتكر استخدام "العنف المشروع" (Legitimate violence)، وتقوم بوظائفها في توفير الأمن والاستقرار، وبسط سيادة القانون في مختلف المناطق، وتحقيق التنمية الإنسانية، والمشاركة السياسية، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، والهُوية الوطنية الجامعة.

لقد أخفقت النُّخب الحاكمة في تحقيق ذلك، وعمدت إلى بناء سلطة استبدادية، واحتكار السلطة والثروة. لهذا السبب ظلت اليمن تعاني طوال العقود الماضية من متواليات الصراعات الدموية على السلطة، اتّخذت أشكالًا مختلفة: انقلابات عسكرية، حروب أهلية، تمرُّدات قبلية وميليشياوية... إلخ.

الإخفاق في بناء جيش وطني قوي بعقيدة وطنية:

من نافلة القول: إنّ الجيش – كما يفترض أن يكون – هو مؤسسة سيادية، يضطلع بدور حماية البلاد من أي عدوان خارجي، ويعمل على صيانة الدستور والنظام والقانون. غير أنّ واقع الحال يشير إلى النقيض من ذلك تمامًا، فقد أخفقت النُّخب الحاكمة في تأسيس مثل هذا الجيش، بل سعت إلى بناء جيش خاص بها، واختزلت وظائفه في حماية الحاكم وضمان أمن النُّخبة المسيطرة.

عوضًا عن أن يكون الجيش مؤسسة وطنية يعكس مصالح الشعب وخصائصه وتنوّعه، ويضمن تحقيق الاندماج الاجتماعي (Social integration)، وتعزيز الوحدة الوطنية، ويكون ولاؤه للوطن؛ إذا به يتحوّل إلى جيش عائلة، أو قبيلة، أو منطقة، أو جماعة طائفية، أو حزب، أو طبقة طفيلية. ليس ذلك، وحسب، بل وأنْ يُوظَّف كأداة سيطرة خشنة (Solid Control)، لإخضاع المجتمع، وقمع المواطنين، ومصادرة المجال العام (Public sphere)، والتضييق على الحريات العامة والخاصة، وغير ذلك من السياسات والإجراءات الاستبدادية والعنفية التي أفضت بالضرورة إلى شيوع العنف السياسي (Political violence)، وتفجُّر الصراعات الدّموية، تجسيدًا للقانون "البورديوي" [1] "قانون حفظ العنف"، وفحواه: عندما يتعرَّض الأفراد والجماعات للعنف فإنّهم يردُّون بالعنف، وهكذا كلّ عنفٍ يولّدُ عنفًا مضادًا.

تغييب الديمقراطية ومبدأ التداوُّل السلمي للسلطة، ومن الشواهد الدالة على ذلك أنّ غالبية من تولّوا رئاسة اليمن منذ العام 1962 حتى اليوم لم يأتوا إلى كرسي السلطة عبر الإرادة الشعبية الحرّة، أو الانتخابات الديمقراطية التنافسية النزيهة، بل وثبوا إليها إما عبر انقلابات أو عبر صفقات سياسية أو عبر تدخلات خارجية، وغادروها بطرق مأساوية في الغالب.

ضعف السلطة المركزية، ووجود مناطق خارجة عن سيطرتها الفعلية، وهو ما يخلق فراغاً سياسياً وأمنياً وإدارياً تستفيد منه الجماعات المحلية، وخاصةً القبائل، للتغلغل في المجتمعات المحلية، وتعزيز حضورها ونفوذها، وبناء هياكل سلطة موازية، مستفيدةً من منظومة الأعراف القبلية، وشبكات التضامن الاجتماعي، والبنى الرمزية، وبهذا المعنى تتحول القبائل إلى كيانات شبه مستقلة، تتمتع بما يشبه "حكماً ذاتياً" داخل نطاقاتها الجغرافية، ليس ذلك وحسب، بل والقيام بأعمال تمردية على السلطة المركزية، وهو ما يؤدي إلى تقويض الاستقرار السياسي، وإضعاف مؤسسات الدولة.

‌انتهاج النخبة الحاكمة أسلوب إدارة البلاد بالأزمات والحروب، وبث الفُرقة والنزاعات بين مكونات المجتمع؛ لتحقيق مجموعة أهداف تخدم مصالحها وبقائها في الحكم.

الفقر، وشُحَّة الموارد، والفساد، والبطالة، وتردّي الخدمات، وغياب العدالة الاجتماعية، والشّعور بالحرمان النسبي (Relative Deprivation)، ناهيك عن التفاوت الاجتماعي؛ فوجود جماعة أقلويّة تسيطر على كل شيء ولا تنتج شيئًا، في مقابل وجود أكثريّة تنتج كل شيء ومحرومة من كل شيء؛ كل هذه تمثّل عوامل أساسية تُطوِّح بالاستقرار السياسي، وتضرب الوحدة الوطنية في الصميم.

وجود "الثقافة القتالية" كثقافة فرعية من الثقافة العامة للمجتمع اليمني، وهي ثقافة تُمجّد الحرب والقتال. ومن أهم مؤشراتها: وجود السلاح وانتشاره، وسعي كثير من اليمنيين لامتلاكه. فالسلاح يمثّل قيمة رمزيَّة واعتباريَّة لدى العديد من أفراد المجتمع، وهناك من أبناء القبائل من "يعتدّ بسلاحه ويعتبره رمزًا لرجولته وقوته، ورمزًا لشرف القبيلة التي ينتمي إليها.[2] وفي هذا الصدد، أشارت دراسات سابقة إلى وجود ما يربو عن (60) مليون قطعة سلاح في المجتمع اليمني.[3] إنّ انتشار السلاح في المجتمع اليمني يمثل عاملاً رئيساً في إذكاء الصراع السياسي، وتقويض سلطة الدولة، وزعزعة الاستقرار وسيادة القانون.

العوامل الخارجية:

ظلّت العوامل الخارجية حاضرة في جلّ الحروب التي شهدتها اليمن خلال تاريخها المعاصر، ابتداءً من حرب الملكيين والجمهوريين في ستينيات القرن الفارط، مرورًا بحروب الشطرين، إلى حرب 1994، وحروب صعدة الست، وصولًا إلى حرب 2015.

لقد أدى، ولا يزال، الخارج، وبالأخص الدول الإقليمية دورًا مؤثرًا في المشهد السياسي اليمني. ويعزو بعض الباحثين السبب إلى طبيعة النظام السياسي اليمني الذي يحتضن نظامين سياسيين مُتجاوِرَين ومُتفاعِلَين في آنٍ معًا، هما: النظام السياسي القبلي، والنظام السياسي الرسمي (التحكيمي)، ووجود ثقافة سياسية تتميّز بالتحكيمية؛ تحتكم للأجانب والغُرباء، وثأريّة تجاه الإخوة والأقرباء. وقد أسهمت هذه الثقافة في تطبيع السلوك السياسي للنُّخب التي غالبًا ما تُولع بتحكيم الخارج ومُحاكاته، في مقابل مُخاصمة الداخل وإهماله. [4]

وثمّة عامل إضافي، يتمثّل بسعيّ الدول الكبرى إلى تفجير الحروب في العالم؛ إذ تدأبُ الدول الرأسمالية الكبرى إلى افتعال الأزمات والحروب والنّزاعات في العالم، وذلك لتحقيق هدفين رئيسين: يتمثّل الأول بضمان وجود أسواق لبيع منتجاتها من السلاح، وتحقيق أرباح مالية من وراء ذلك. وأما الثاني فيتضمّن تحقيق نفوذ وهيمنة سياسية على الدول الضعيفة، والسيطرة على مُقدَّراتِها وثرواتِها.

وفي هذا المضمار، تأتي نظرية "الفوضى الخلّاقة" (Creative Chaos)، بوصفها استراتيجية تهدف إلى إعادة هندسة الأوضاع السياسية والاجتماعية في دول العالم الثالث، من خلال إضعاف بنية الدولة، وتذرير المجتمعات، وإذكاء الصراعات الإثنية والدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية، حتى تسهل عملية إحكام السيطرة على مقدرات وثروات الشعوب ومصائرها.

يتبع...

الهوامش:

(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.

[1] نسبةً إلى العالِم السوسيولوجي "ببير بورديو" (Pierre Bourdieu) (1930 – 2002)

[2] محمد محسن الظاهري، المجتمع والدولة دراسة لعلاقة القبيلة بالتعددية السياسية والحزبية، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2004)، ص163، ص168.

[3] مما لاشك فيه أنّ هذا العدد قد تضاعف بمراتٍ عديدة بفعل الحرب الحالية التي فتحت المجال واسعًا أمام تدفّق الأسلحة بمختلف أنواعها إلى البلاد من كلّ حَدْبٍ وصَوب.

[4] محمد محسن الظاهري، كيف يُصنع القرار في الأنظمة العربية (الحالة اليمنية)، في: نيفين مسعد (محررًا)، كيف يصنع القرار في الأنظمة العربية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص563، ص581.