قراءة في مذكرات المؤرخ سيد مصطفى سالم عن عهد الحمدي (١٣ يونيو ١٩٧٤ - ١١ أكتوبر ١٩٧٧م)
"شعارنا اليوم هو الدولة في خدمة المواطن وليس المواطن في خدمة الدولة" الحمدي.
١. بين يدي "إطلالة على حياتي"
الكتاب يتناول شطراً من عهد الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني، أي منذ العام ١٩٧١م إلى نهاية عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي اكتوبر ١٩٧٧م. وهو كتاب يسرد فيه المؤلف تجاربه الشخصية منذ أن كان أستاذاً للتاريخ الحديث والمعاصر في جامعة عين شمس قبل أن يُطلب بصفة خاصة معاراً إلى جامعة صنعاء التي كانت لاتزال في طور التأسيس عام ١٩٧١م، ومشاركته في نظامها الأكاديمي والإداري، وكيف أن المؤلف قد انغمس في حياة المجتمع اليمني، وسجل حضوره اللافت في الأوساط الثقافية والسياسية، مستشهداً على ما أورده في متن كتابه بالعديد من الوثائق المشتملة على شهادات أبرز السياسيين والقادة العسكريين الذين شاركوا في صياغة وقائع تلك الفترة وانخرطوا في شؤون البلاد الإدارية والسياسية الداخلية والخارجية، علاوةً على خطابات الرئيس الحمدي، ونماذج من شهادات الأشخاص المقربين منه عن شخصيته ونظام حكمه، والقرارات الصادرة عن عهده. غير أننا في قراءتنا هذه سنكتفي بإطلالة سريعة من النافذة التي أطل منها المؤلف على عهد الرئيس الحمدي، فقد طغت هذه الشخصية (الكاريزمية) على ثلثي الكتاب إن لم يكن أكثر، وفي ذلك دلالة وتأكيد على أهميتها واستثنائيتها.

إن هذا العنوان البسيط لمذكرات المؤرخ سيد مصطفى سالم - إطلالة على حياتي - لا يحيل فقط إلى سيرة شخصية، بل إلى قراءة متأنية في مرحلة محورية من تاريخ اليمن. لقد كان المؤلف "كبيراً" بخلقه وعلمه واهتمامه بتاريخ اليمن الحديث والمعاصر، وهذا الوصف ليس مجاملة، بل خلاصة لتجربة عمرها أربعة عقود قضاها الدكتور سيد مصطفى سالم بين أبناء اليمن.
وإذا كانت مدة قراءة الكتاب قد طالت لما يقرب من الشهر والنصف، رغم أن عدد صفحات الكتاب ٣١٢ صفحة، صادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والنشر ٢٠٢٦م، فذلك لأن قيمته لا تقاس بعدد الصفحات، بل بثقل ما يحمله من مادة وثائقية عن حقبة السبعينيات. وهي حقبة لا تزال مفتوحة على الجدل في الأوساط الثقافية والسياسية، لأنها تمثل لحظة مفصلية بين عهدين: أواخر الإرياني وبداية مشروع الحمدي التصحيحي. ومن هنا جاءت أهمية هذه "المساهمة" في القراءة: محاولة لفك شفرة تلك المرحلة عبر ما أورده الكتاب من خطوط عريضة، دون الغرق في التفاصيل.
٢. سيرة المؤرخ: العالِم الإنسان
قبل الخوض في متن المذكرات، لا بد من وقفة مقتضبة عند سيرة كاتبها. فالبروفيسور سيد مصطفى سالم لم يكن مجرد أستاذ جامعي في صنعاء وعين شمس، بل كان مؤسساً ومؤرخاً كاشفاً ومنقباً.
قائمة مؤلفاته الكثيرة من "تكوين اليمن الحديث - اليمن والإمام يحيى" إلى "البحر الأحمر والجزر اليمنية - تاريخ وقضية" وما لايسمح المقام بحصره من المشاركات في الندوات والمؤتمرات المحلية والدولية والإشراف والمناقشة للرسائل العلمية، تؤكد أن المؤرخ لم يكتب التاريخ من المكاتب فقط، بل نقّب في أرشيف لندن وإسطنبول وقطر وقبلها في دار الوثائق ودار المخطوطات في القاهرة، وشارك في لجان سيادية مثل لجنة إثبات سيادة اليمن على أرخبيل جزر حنيش. هذا الرصيد الأكاديمي والوثائقي هو ما يمنح مذكراته وزناً خاصاً. فهو لا يروي كشاهد عابر، بل كعالم قضى عمره في تفكيك خيوط التاريخ اليمني الحديث. ولذلك كان طبيعياً أن تأتي مذكراته "إطلالة على حياتي" امتداداً لمشروعه العلمي، لا انفصالاً عنه.
٣. الحمدي في مذكرات "إطلالة على حياتي"
في مذكراته يختار د. سيد أن يقدم الحمدي بلغة مختلفة: بسيطة سلسة وانسيابية، بعيدة عن الاستعراض والتكلف، لكنها لا تفتقر إلى الهدوء والرصانة التي تعكس سمتين من سمات شخصيته.
والأهم في منهجه أنه لم يكتفِ بالسرد، بل وثق بيانات الحمدي وخطبه ثم أخضعها للتحليل. يضع بين قوسين ما يلزم للربط، ويعلق تعليقاً موجزاً تارةً ومسهَباً نسبياً تارةً أخرى بحسب ما يقتضيه السياق وأهمية ما يُطرح، ثم يترك للنص مساحةً ليوصل فكرته. وهذا ما يفسر لماذا لم يتردد في استخدام توصيف "الانقلابيين" أو "حركة ١٣ يونيو الانقلابية". فالمؤرخ هنا أمين على التسمية التاريخية أولاً، قبل الحكم القيمي. لكنه في الوقت ذاته يقر بأن ما بعد ١٣ يونيو على قصره كان "انقلاباً أبيض" أحدث فارقاً نوعياً لم تشهده اليمن من قبل. إذن، نحن أمام توثيق لا يخشى الكلمات، لكنه لا يسقط في التمجيد أو التبخيس.
٤. التعاونيات وجوهر السياسة الداخلية
إذا كان الحمدي قد ارتبط في الذاكرة الشعبية بمشروع سياسي كبير وهو مشروع الدولة المدنية الحديثة، دولة النظام والقانون التي حارب في سبيلها وقدم روحه قرباناً لها، فإن د. سيد يصر في كتابه ضمناً على أن "لب" ذلك المشروع كان في الداخل: في الحركة التعاونية والتصحيح المالي والإداري.
لم يكن توزيع الحديث عن التعاونيات في معظم صفحات الكتاب توزيعاً عبثياً. فالمؤلف يريد أن يقول إن حركة التصحيح لم تكن شعارات، بل كانت ثورة عملية على الفساد المستشري قبل ١٩٧٤م. وربط التعاونيات بالنقابات العمالية يكشف عن تصور متكامل، وهو بناء قاعدة اقتصادية واجتماعية من الأسفل، لا من فوق. وهنا تظهر قيمة المؤرخ الذي يقرأ الحدث من زاوية البُنية، لا من زاوية الأشخاص فقط.
٥. الديمقراطية في خطابات الحمدي
"نحن نهدف إلى الديمقراطية والعدل الاجتماعي، ولكن بمفهومنا الوطني بحسب احتياجنا والضرورة التي تفرض علينا هذا التوجه، إننا نؤمن أكثر إيماناً بأنه لابد أن يكون لمجتمعنا نهج ديمقراطي وتوجه اقتصادي يخدم غالبية إن لم نقل كل أبنائه، غير أنه لابد من أن يكون للديمقراطية مفهوم خاص بنا. إن الديمقراطية في مفهومنا هي حكم الشعب ممثلاً في مثقفيه وقطاعاته التي تخدم وتعمل بنزاهة من أجله، وتضحي في سبيل الارتفاع بمستوى أفراده ..."ص٢٣١ - ٢٣١.
بهذا النص يضع الحمدي تعريفاً للديمقراطية لا يستوردها كنموذج جاهز، بل يفصلها على مقاس الواقع اليمني. فهي عنده ليست حرية بلا ضوابط، بل "حكم الشعب ممثلاً في مثقفيه وقطاعاته التي تخدم بنزاهة". وهو تحذير مبكر من تحول الديمقراطية إلى "مطية" لاحتكار السلطة كما حدث بعد ذلك.
لقد كان الحمدي يدرك خطورة الشعارات الفارغة. وقوله "الديمقراطية والعدل يجريان في دمي" يأتي رداً على من يتاجرون بها، وهو يذكّر بتجربة الشعب "قبل وبعد الثورة". فالمذكرات تنقل لنا خطاباً واقعياً، لا مثالياً، يربط بين الشكل الديمقراطي والمضمون الاجتماعي.
٦. الوحدة اليمنية في رؤية الحمدي
يقول الحمدي: "إن موضوع إعادة الوحدة اليمنية نوليه أهمية خاصة، كمطلب شعبي لأبناء اليمن في الشطرين، وكهدف أساسي في أهداف ثورة ٢٦ سبتمبر وثورة ١٤ أكتوبر. فماذا عملنا من جانبنا؟ وماذا عمله اخواننا من جانبهم في الشطر الجنوبي من اليمن .." ص٣٣١. ثم يقول :"مضينا إلى أبعد ما كنا نتصور، التقيت بالأخ الرئيس سالم ربيع علي رئيس مجلس الرئاسة في فبراير في مدينة قعطبة، ووجدنا أنه من الأفضل أن نتبع الطرق الواضحة والسهلة وصولاً إلى مانريده لوطننا من عودة إلى أصله وإلى حقيقته التاريخية، وذلك بتوحيد بعض المناهج الدراسية بالنسبة لقطاع الطلبة والطالبات والتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي .."ص٢٣٣.
هذان النصان يكشفان عن مقاربة تدريجية واقعية للوحدة، لا خطابات حماسية فقط. لقاء "قعطبة" وتوحيد المناهج وتأليف "كتاب التاريخ اليمني للمدارس في الشطرين" خطوات عملية تسبق الإعلان السياسي.
وما يلفت في سرد د. سيد هو إبرازه لحسن النية المتبادلة مع قيادة الجنوب ممثلة بسالم ربيع علي. فالوحدة هنا ليست مشروع ضم، بل "عودة إلى الأصل وإلى الحقيقة التاريخية" تتم عبر بناء الثقة والتعاون الاقتصادي والثقافي أولاً.
٧. أبرز معالم السياسة الخارجية في عهد الحمدي
"السياسة الخارجية لأي دولة تأتي انعكاساً لسياستها الداخلية، وتوجه القيادة السياسية العليا فيها. وسياستنا الخارجية منذ حركة ١٣ يونيو لم تخرج عن هذه القاعدة. إن علاقتنا بأشقائنا هي علاقات الأخوة والمحبة والتعاون المثمر، لما فيه خير أمتنا العربية والإسلامية... مع إيماننا أننا جزء من الأمة العربية والإسلامية، مايؤلمها يؤلمنا، ومايسيء إليها يسيء إلينا، وما ينفع أو يخدم قضاياها يخدمنا، ومواقفنا الثابتة بالنسبة لقضية الشعب العربي الفلسطيني وحقه المشروع في إقامة دولة فلسطينية على أرض فلسطينية… "ص٢٣٤.
بهذه القاعدة يلخص الحمدي فلسفته الخارجية. فالاستقرار الداخلي والنهج المتزن انعكس على علاقات متوازنة: أخوية مع الأشقاء، واحترام متبادل مع الأصدقاء، وحياد إيجابي مع العالم. واللافت هو التأكيد على الثوابت، وهي القضية الفلسطينية، ورفض العنصرية في روديسيا وجنوب أفريقيا "ولنا أيضاً موقف ثابت لا يمكن أن يتغير تجاه التفرقة العنصرية والظلم والقهر والاضطهاد في روديسيا وجنوب أفريقيا وفي كل متطقة يعاني فيها المواطنون من هذه الويلات… "ص٢٣٤. والأهم هو إدانة "العنصرية الصهيونية". هذا الخطاب وضع اليمن في قلب الأمة العربية والإسلامية آنذاك، دون انحيازات. وهكذا تقدم لنا المذكرات صورة لسياسة خارجية نابعة من مشروع داخلي واضح، لا من ردود فعل.
٨. شهادات من عاصروا الحمدي
وثق د. سيد في هذا الباب ما يمكن للمؤرخ أن يكتبه من واقع المذكرات السياسية. فشهادة الشهيد اللواء يحيى المتوكل عن شخصية الحمدي "الكاريزما" التي شدّت الشارع، وخلاف رئيس الوزراء محسن العيني معه حول تعيين الغشمي عضو مجلس القيادة نائباً للقائد العام للقوات المسلحة ورئيساً لهيئة الأركان، لطموحه وشكوكه في نواياه تجاه الحمدي، وقد تبين لاحقاً صدق شكوكه، واستياء الأستاذ أحمد جابر عفيف من طريقة اغتيال الحمدي التي وصفها بـ"القذرة"، وتحليل مستشار رئاسة الجمهورية حسين الحبيشي لـ "احتراق شعلة الحمدي قبل أن تضيء"، كلها يمكن القول إنها قِطع فسيفساء تكمل الصورة.
هذه الشهادات لا تهدف إلى التقديس ولا إلى التجريح، بل إلى توثيق التباينات داخل الحكم نفسه. وهي تمنح القارئ فرصة أن يرى الحمدي بعين خصومه وأصدقائه معاً، لا بعين المؤرخ فقط. وهنا تتجلى أمانة "إطلالة على حياتي" في تقديم التاريخ متعدد الأصوات.
٩. رأي المؤرخ في الحمدي
بعد أن قيَّم د. سيد سياسة الحمدي من واقع خطاباته المتضمنة لإنجازات حركة ١٣ يونيو التصحيحية، أورد رأيه فيه بصراحة، مبدياً إعجابه شأن كثيرين ممن عرفوه عن قرب وأدركوا حقيقته، فوصفه بالوطنية والصدق والنزاهة، واستدل على ذلك بنزاهته فيما قدم إليه من هدايا عينية متمثلة بسيف ذهبي وخنجر عسيب من ذهب هدية من الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات، وتسليمها إلى المتحف الوطني، وهدايا نقدية سلمها إلى حساب القوات المسلحة في البنك المركزي، وفي هجومه على جماعة من التجار المستغلين، بقوله: "عليهم أن يدركوا أنهم قد عاشوا شهر العسل خمسة عشر عاماً منذ قيام الثورة، يأخذون ولايعطون وكأنهم جالية في هذا الوطن". وكذلك مهاجمته لمن وصفهم بأنهم "يتشدقون بالديمقراطية ويطالبون بتطبيقها وهم غير صادقين"، في إشارة إلى من وصفهم بمراكز القوى من المشايخ. وحرصه على أن تعمل لجان التصحيح الأساسية والفرعية بكل جهد وإخلاص في كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ومتابعته الحثيثة لأعمالها وتقييم انجازاتها.
خاتمة:
يأتي كتاب "إطلالة على حياتي" في لحظة نحتاج فيها إلى مراجع لا إلى شعارات. فهو ليس سرداً شخصياً، بل وثيقة موثقة بالخطب والنصوص وشهادات المعاصرين.
وقد نجح المؤرخ الدكتور سيد مصطفى سالم، في أن يقدم لنا قراءة قريبة إلى حد كبير من الموضوعية لمرحلة الحمدي. مرحلة حاولت أن تؤسس لدولة حديثة ومشروع وطني. وفي زمن "يكثُر فيه اللغط وتضيع فيه الحقائق"، يبقى هذا الكتاب منارة. فهو يذكّرنا أن التاريخ حين يكتبه من عاشوه وعلموه ونقبوا عنه، يكون أقرب طريق لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
