الأربعاء 5 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • القاضي عبدالكريم باشا.. موسوعية الثقافة وحكمة القضاء

القاضي عبدالكريم باشا.. موسوعية الثقافة وحكمة القضاء

ثمة شخصيات استثنائية نادرة، تشكل العلاقة معها كيمياء روح متجددة، وحافزا للعقل على التأمل والتعلم. ونحسب القاضي عبدالكريم أحمد حسن باشا واحدا من أولئك الأفذاذ الذين يتركون أثرا عميقا في نفوس من يعرفهم ويجالسهم.

عبدالكريم باشا
عبدالكريم باشا

فمنذ الجلسة الأولى تتجلى أمامك شخصية وازنة، تجمع بين الرجولة والرزانة ورجاحة العقل. فإذا ابتدأته بالحديث عن الفن وجذوره، وجدته ملما بمدارسه وتاريخه وتحولاته. وإن ناقشته في الشعر، فاجأك بمعرفته بمقاماته وبحوره وأعلامه. أما الأدب، فيتناوله بوعي ورقي واتساع أفق، بعيدا عن الادعاء أو التكلف، ودون زهد زائف أو تقوى متصنعة.

وإذا انتقلت معه إلى الرياضة وشؤونها، وجدته خبيرا بتفاصيلها وقوانينها، متابعا لبطولاتها ومنافساتها، ولا سيما كرة القدم وكأس العالم. وعلى الرغم من أنه يشجع المنتخب الأكثر جاهزية وتأهيلا، أيا كان انتماؤه، وفقا لما يصرح به، إلا أن عاطفته تميل إلى المنتخبات العربية، لما يراه فيها من حماس وإصرار ودعم جماهيري. فهو شبابي في اهتمامه بالرياضة، كلاسيكي في ذائقته الفنية، رومانسي في تعاطيه مع الشعر، وإنساني في نظرته إلى الأدب والثقافة

غير أن هذه السمات، على أهميتها، ليست سوى مدخل إلى جوهر شخصيته، وتمهيد لفهم تكوينه الثقافي والمهني والاجتماعي.

ولد القاضي عبدالكريم أحمد حسن باشا في محافظة إب، مديرية ذي السفال، ونشأ في كنف والدته بعد أن فقد والده وهو لا يزال صغيرا. وينتمي إلى أسرة مشائخية عريقة، عرفت بالعلم والوجاهة والنبل. تلقى تعليمه الأولي في مدينة تعز، وأكمل المرحلة الثانوية في محافظة إب، ثم التحق بكلية الشريعة بجامعة صنعاء، ليتخرج فيها عام 1990م.

عقب تخرجه التحق بالسلك القضائي، وبدأ مسيرة مهنية حافلة بالعطاء امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، كرس معظمها لخدمة القضاء في محافظة ذمار. وخلال هذه المسيرة اكتسب خبرة واسعة ومكانة مرموقة، حتى غدا بحق واحدا من أبرز القضاة في المحافظة، ليس فقط لما يمتلكه من كفاءة مهنية وخبرة متراكمة، بل لما يتحلى به من دماثة خلق وحكمة واتزان، وما يحظى به من تقدير واحترام في الوعي الجمعي للمجتمع الذماري وكل من عرفه وتعامل معه.

لقد جمع القاضي عبدالكريم باشا بين الاحتراف القضائي المتخصص والانتماء إلى أسرة ذات حضور اجتماعي أصيل، فشكلت هذه الثنائية المتكاملة شخصيته المتميزة، وأكسبته قدرة فريدة على الجمع بين صرامة القانون وحكمة المجتمع.

ولعل ما يضفي على شخصيته بعدا إضافيا من التميز، انتماؤه إلى أسرة عرفت بالحكم والإدارة وخدمة الدولة. فقد كان والده من رجالات الإدارة البارزين في عهد الإمام أحمد، حيث تولى مهام الحاكم في أكثر من مديرية، وعمل قاضيا في عدد من المناطق، قبل أن يعين بعد قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر محافظا لمحافظة تعز، وظل في موقعه حتى وافاه الأجل.

ومن هذا الإرث الإداري والقضائي العريق استمد القاضي عبدالكريم كثيرا من قيم الانضباط والمسؤولية والالتزام، ليواصل مسيرة أسرته في خدمة المجتمع، ولكن من بوابة القضاء والعدالة

ومن ثم ترك بصمات إيجابية واضحة في الوسط الاجتماعي بمحافظة ذمار، حيث يحظى بمحبة الناس وتقديرهم، وحيث تمثل مجالسته فرصة لاكتساب معرفة متنوعة وثقافة واسعة ورؤية متزنة للأمور.

وعندما يحدثك عن قضايا القضاء وإشكالاته، تدرك أنك أمام رجل متمكن من تخصصه، خبير بمجاله، مدرك لأبعاد رسالته المهنية، يتحدث بعلم وتجربة لا بادعاء أو استعراض. فهو نموذج للقاضي المؤهل الذي جمع بين المعرفة القانونية والخبرة العملية والحكمة الإنسانية.

ما أحوج القضاء اليوم إلى أمثال هؤلاء القضاة الأكفاء، الذين يستندون إلى التأهيل الرصين والخبرة المتراكمة والنزاهة المهنية، ويجسدون في سلوكهم وأدائهم رسالة العدالة السامية.