الجمعة 24 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • بين نار الشعارات وبرودة الحسابات: أين تختبئ أموال أعداء أمريكا؟

بين نار الشعارات وبرودة الحسابات: أين تختبئ أموال أعداء أمريكا؟

تحقيق تحليلي: حين ترفع السياسة راية العداء... ويبحث المال عن ملاذه في النظام الذي تهاجمه

في عالم السياسة، هناك دائمًا مسافة بين ما يُقال أمام الجماهير وما يحدث خلف الأبواب المغلقة. فبينما تمتلئ الساحات بخطب نارية وشعارات ثورية، تتحرك الأموال بهدوء عبر المصارف الدولية، بحثًا عن الأمان والاستقرار بعيدًا عن ضجيج المنابر.

على مدى عقود، ارتفعت في المنطقة شعارات معادية للولايات المتحدة وإسرائيل من قوى سياسية وعسكرية مختلفة. إيران جعلت من مواجهة واشنطن جزءًا أساسيًا من خطابها السياسي، وحلفاؤها في المنطقة، مثل حزب الله والحوثيين، تبنوا خطابًا مشابهًا. كما دخلت جماعات أخرى، ومنها جماعة الإخوان المسلمين في عدد من تجاربها السياسية، في صراعات فكرية وسياسية مع الولايات المتحدة والغرب، بدرجات مختلفة حسب البلد والمرحلة.

وفي المقابل، شهد العالم سلسلة طويلة من العقوبات وتجميد الأصول ضد جهات وشخصيات مرتبطة بإيران، وحزب الله، والحوثيين، وحماس، إضافة إلى شخصيات من نظام علي عبدالله صالح وأطراف سياسية أخرى.

لكن المفارقة الكبرى تظهر عند الحديث عن الأموال.

كيف تصل أموال من يعلنون عداءهم للنظام الغربي إلى المؤسسات المالية التابعة لهذا النظام؟ وكيف يصبح الدولار والبنوك الدولية، التي تُوصف أحيانًا بأنها أدوات الهيمنة الأمريكية، جزءًا من معادلة حماية الثروات وإدارة الأصول؟

مفارقة السياسة: العدو في الخطاب... والملاذ في الحساب

عندما تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استخدام أموال إيرانية موجودة لدى الولايات المتحدة لتعويض أضرار محتملة مرتبطة بالسفن، عاد الجدل حول طبيعة العلاقة المعقدة بين الخصوم السياسيين والنظام المالي العالمي.

تصريح ترامب
تصريح ترامب

فالسياسة قد ترفع الجدران، لكن الاقتصاد يبني الجسور. والدول التي تخوض صراعات سياسية حادة مع واشنطن لا تستطيع في الغالب الانفصال الكامل عن النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها.

وهنا تظهر الكوميديا السوداء في المشهد:

في النهار تُرفع اللافتات ضد أمريكا، وفي الليل تبحث الحسابات عن البنوك الأكثر استقرارًا وحماية. الجماهير تسمع لغة المواجهة، بينما الأرقام في كشوف الحسابات تتحدث بلغة مختلفة تمامًا.

الشعارات لا تدفع ثمن الأزمات

المأساة الحقيقية ليست فقط في العقوبات أو تجميد الأموال، بل في الشعوب التي تتحمل نتائج الصراعات. المواطن اليمني أو اللبناني أو الإيراني أو الفلسطيني لا يعيش على خطب الزعماء، بل على راتب متأخر، وخدمات منهارة، واقتصاد يزداد ضيقًا.

بينما تستمر المعارك الإعلامية حول من هو "الوطني" ومن هو "العميل"، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: أين ذهبت أموال الشعوب؟ ومن يدفع ثمن الحروب الطويلة؟

فالسياسة في منطقتنا كثيرًا ما تحولت إلى مسرح:

الممثلون يتنافسون على رفع الصوت، والجمهور يدفع ثمن التذاكر، أما أصحاب المصالح فيجلسون بعيدًا عن الأضواء.

من إيران إلى اليمن... أزمة ثقة تتجاوز الأسماء

ليست القضية مرتبطة بطرف واحد فقط. فالتجارب السياسية في المنطقة، من إيران إلى اليمن مرورًا بجماعات وحركات متعددة، تكشف مشكلة أعمق: استخدام الشعارات الكبرى لتغطية أسئلة صغيرة لكنها مصيرية، مثل الشفافية، وإدارة المال العام، ومصير الموارد.

فالعداء المعلن للولايات المتحدة لا يمنع التعامل مع مؤسسات النظام الدولي، كما أن رفع الشعارات الدينية أو الوطنية لا يعفي أي جهة من المساءلة عن أداء سياسي أو اقتصادي.

الخلاصة: السياسة تقول شيئًا... والمال يقول الحقيقة

في النهاية، تبقى القاعدة الذهبية في عالم السياسة: لا تقرأ فقط ما يُقال أمام الكاميرات، بل تابع أين تتحرك الأموال، ومن يملك القدرة على الوصول إلى الموارد، ومن يدفع الثمن عندما تفشل المشاريع السياسية.

فالشعارات قد تشعل الحشود، لكنها لا تبني اقتصادًا، ولا تعيد وطنًا، ولا تطعم شعبًا.

والسؤال الذي سيبقى مطروحًا:

إذا كان الجميع يعلن الحرب على النظام الذي يقود الاقتصاد العالمي... فلماذا لا تزال أموالهم تدور داخل هذا النظام؟

ربما لأن السياسة تعرف كيف تصنع الأعداء أمام الجمهور، لكنها تعرف أيضًا كيف تتعامل مع المصالح عندما تغلق الكاميرات.