اغتيال "اللاعنف" في تعز.. كيف يُهدم مستقبل الدولة الديمقراطية؟
لم يكن اختيار تعز لتكون ساحة مفتوحة لحرب الوكالة، ولتصفية الحسابات المحلية والإقليمية منذ انقلاب عام 2014م واندلاع حرب 2015، محض مصادفة جغرافية أو عسكرية، بل كان استهدافاً ممنهجاً ومقصوداً لمركز ثقل حضاري وثقافي طالما شكّل مصدر خطورة حقيقية على سلطة القبيلة وديكتاتورية العسكر.
على مدى أكثر من عشر سنوات من الحرب، لم يقتصر الدمار في تعز على بنيتها التحتية المتهالكة، بل امتد ليمس أعمق ما تمتلكه المدينة: مدنيتها، وهويتها الثقافية، وإنسانها.
طوال عقود، تميزت تعز عن بقية المدن اليمنية بكونها مصدر إشعاع لتصدير ثقافة اللاعنف والنضال السلمي كأدوات للتغيير السياسي والاجتماعي. كانت هذه الثقافة السلمية هي صمام الأمان الحقيقي لمشروع الدولة الحديثة، والدرع الواقي لمستقبل الحياة الديمقراطية.
غير أن أطراف الصراع المسلح أرادت طمس هذه الهوية وتفكيك النسيج المدني للمدينة من خلال تسيد العقل المليشاوي، وإزاحة القيمة الحضارية والمدنية، وتقديم أمراء الحرب والمقاتلين كأبطال ونماذج يُقتدى بها. عمل أمراء الحرب من الطرفين على تصحير البيئة المدنية، وتأسيس كيانات ومكونات بمسميات مدنية تشرعن للانتهاكات وحكم العسكر والمليشيات. حيث عمل العقل المليشاوي، الذي يتقاسم جغرافيا المدينة، على تكريس المعاناة، وتحويل المدينة بين سلطات الأمر الواقع إلى نقاط جباية، ومراكز للاحتجاز والإخفاء القسري والتعذيب، واختطاف المجال العام، واستنزاف الشباب من العلم والإنتاج إلى وقود للقتال.
إن الجريمة الأكبر التي ارتكبتها قوى الصراع بحق تعز تمثلت في تحويل رأس مالها البشري، وموردها الأهم "شبابها"، من قوة إنتاج وتنوير إلى مخزون بشري للحروب.
فبعد أن كان شباب تعز يتسابقون على التحصيل العلمي وارتياد ساحات المعرفة ومنابر التغيير السلمي، عملت أطراف الصراع على استقطابهم وتحويلهم إلى وقود لجبهات القتال على امتداد الخارطة اليمنية، في محاولة حثيثة لإفراغ المدينة من مضمونها الفكري والتنموي.
السؤال المطروح: لماذا يُراد إفشال اللاعنف؟
ترتكز فلسفة الاستبداد تاريخياً على إقناع المجتمعات بأن البندقية هي الوسيلة الوحيدة لحسم الصراعات. لكن التجربة الإنسانية أثبتت حقيقة حاسمة: إن الاستبداد الذي يسقط بالعنف، غالباً ما يؤسس لاستبداد جديد.
من هنا، ينبع استهداف تعز:
اللاعنف هو حامي الدولة: الدولة الديمقراطية الحديثة لا تحميها البنادق والمليشيات، بل تحميها القيم المدنية، وسيادة القانون، وثقافة الحوار واللاعنف.
فشل اللاعنف هو تأسيس للاستبداد: عندما يُسحق مشروع النضال السلمي، وتُستبدل أدواته بالعنف المتبادل، يُنسخ مشروع الدولة الحديثة كلياً، وتتكرس أنظمة القمع والسيطرة الأمنية.
في الختام، نستطيع القول، بأن من يقفون ضد استعادة تعز لعافيتها وأمنها واستقرارها لا يخشون تعز كمدينة، بل يخشون "فكرة تعز"؛ الفكرة القائمة على أن المواطنة، والعلم، والنضال السلمي هي القادرة وحدها على بناء اليمن المستقر.
إن استعادة تعز لهويتها المدنية ليس مجرد مطلب محلي لسكانها، بل هو شرط أساسي لإنقاذ ما تبقى من أمل في بناء دولة ديمقراطية حديثة تتسع لجميع أبنائها.
