حزب لا قبيلة، دولة لا مليـ ـشيا... نحو إنجاز مشروع الدولة الحديثة في اليمن
لا تقتصر أزمة اليمن على الصراع على السلطة، بل تمتد إلى تعثر مشروع الدولة الحديثة ذاته. فعلى امتداد العقود الماضية، تعاقبت سلطات وأنظمة حكم مختلفة، إلا أن مقومات الدولة الحديثة، القائمة على سيادة القانون، ووحدة المؤسسة العسكرية والأمنية، واستقلال القضاء، والمواطنة المتساوية، لم تترسخ بوصفها أساسًا دائمًا للحكم. ولذلك ظل التحدي الحقيقي في اليمن يتمثل في إنجاز مشروع الدولة الحديثة، لا في مجرد تداول السلطة أو إعادة إنتاج مراكز النفوذ.
ويعبّر شعار «حزب لا قبيلة، دولة لا مليشيا» عن حاجة وطنية ملحّة إلى الانتقال من منطق السلطة والنفوذ إلى منطق الدولة والمؤسسات، بحيث تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات، ويكون الدستور والقانون المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون استثناء.
لقد أسهم توظيف النفوذ القبلي في المجال السياسي، خلال مراحل مختلفة من التاريخ اليمني، في إعاقة ترسيخ الدولة الحديثة. فحين تصبح سلطة الشيخ أقوى من سلطة القانون، وتُحسم القضايا بالولاءات والعلاقات بدلًا من المؤسسات والقضاء، تتراجع فرص قيام مؤسسات عامة فاعلة، وتتسع دائرة النفوذ الشخصي على حساب المصلحة العامة. كما أدى هذا التوظيف إلى تكريس مراكز قوى موازية، وأصبح الولاء للقبيلة، في كثير من الأحيان، مقدمًا على الولاء للوطن.
وفي المقابل، لا تؤدي الأحزاب والتنظيمات السياسية دورها الحقيقي إلا عندما تكون مؤسسات وطنية تقوم على برامج ورؤى وطنية وسياسية واضحة، وتمارس التنافس عبر الوسائل الديمقراطية والسلمية. أما عندما تتحول إلى أدوات للاستقواء بالنفوذ الاجتماعي أو بالقوة المسلحة، فإنها تفقد رسالتها السياسية، وتصبح جزءًا من أزمة تعثر مشروع الدولة الحديثة، بدلًا من أن تكون جزءًا من مشروع إنجازه.
ولا يقل خطر المليشيات المسلحة عن خطر مراكز النفوذ التقليدية؛ فهي تمثل سلطات موازية تنازع السلطة العامة وظائفها، وفي مقدمتها احتكار استخدام القوة، وحماية الأمن، وإنفاذ القانون. وقد أثبتت التجربة اليمنية أن تعدد القوى المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية أدى إلى إطالة أمد الصراع، وإضعاف المؤسسات العامة، واستنزاف مقدرات البلاد، وتقليص فرص الاستقرار والتنمية.
ولا يمكن إنجاز مشروع الدولة الحديثة بتعدد مصادر السلطة، وإنما بوحدة القرار السياسي، ووحدة المؤسستين العسكرية والأمنية، واستقلال السلطة القضائية، وخضوع الجميع للدستور والقانون. فكلما تعددت مراكز النفوذ، ابتعدت البلاد عن استكمال مقومات الدولة الحديثة، وكلما تعززت سلطة المؤسسات، اقترب المجتمع من الاستقرار والتنمية، وترسخت أسس الحكم الرشيد.
واليمن اليوم أحوج ما يكون إلى مشروع وطني جامع ينقل البلاد من واقع التشظي والانقسام إلى دولة حديثة قائمة على المؤسسات، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، ويُنهي التداخل بين النفوذ الاجتماعي والسلطة السياسية، ويمنع أي جهة، أياً كانت، من أن تكون أعلى من الدستور أو أقوى من القانون.
إن إنجاز مشروع الدولة الحديثة يبدأ عندما يصبح الانتماء للوطن مقدمًا على أي انتماء آخر، وعندما يكون السلاح حكرًا على المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية الخاضعة للدستور والقانون، وتكون الأحزاب والتنظيمات السياسية أدوات للتنافس السياسي السلمي على أساس البرامج والرؤى الوطنية والسياسية، لا وسائل لتقاسم النفوذ أو فرض الإرادة بالقوة.
إن «حزب لا قبيلة، دولة لا مليشيا» ليس شعارًا موجهًا ضد أي مكون اجتماعي أو سياسي، بل هو دعوة إلى تجاوز منطق الولاءات الضيقة ومراكز القوة المتعددة، والانطلاق نحو مشروع وطني يؤسس لدولة حديثة قائمة على المؤسسات، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية. فاليمن لن يخرج من أزماته المتراكمة بمجرد تغيير موازين القوى بين الأطراف المتنافسة، وإنما بإنجاز مشروع الدولة الحديثة، الذي يجعل القانون فوق الجميع، والسلطة وظيفةً عامة لخدمة المجتمع، وتكون المؤسسات وحدها الإطار المشروع لإدارة الشأن العام، بما يحقق الاستقرار والتنمية ويصون وحدة البلاد ومستقبلها.
