العمل بوكالة سبأ للأنباء
وفي بداية العام 2002، وقبل عملي بالمركز الوطني للمعلومات، عملت بوكالة سبأ للأنباء مُتَعَاقِدًا، كمصحح لغوي للصحيفة الصَّادرة عنها؛ وهي صحيفة «السِّياسِيَّة».

وكان يرأسها الصَّحَفي القدير الأستاذ نصر طه مصطفى؛ وذلك حَدَثَانَ ابتعاده عن حزب التجمع اليمني للإصلاح، واقترابه من المؤتمر الشَّعبي العام، والرَّئيس السَّابق علي عبد الله صالح؛ إثر مقالته التي كَتَبهَا مُؤيدًا قرار تَوحيد التَّعليم، وإلغاء المعاهد الدِّينيَّة التي كان يشرف عليها حزب الإصلاح، وَتُمَوِّلهَا المملكة العربية السُّعُودية إلى جانب التيَّار السَّلفي الوَّهابي.

لم َيتردَّد الأستاذ نصر في توظيفي، مع اختلاف هبوب رياح السِّياسَة بينه وبين الوالد؛ كون الوالد محسوب على اليسار المعارض لِلسُّلطَة، وهو من قيادات السَّلطة وحزبه المؤتمر الشعبي العام.
وأذكر ذات مرة أنْ زَارَ وزير الإعلام حسين العواضي الوكالة في أحد المساءات، وأخذه الأستاذ نصر في جولة في إدارات الوكالة؛ فَصَادفَ جُلوسِي على كرسي بالخارج، منتظرًا الأوراق التي تُعطَى لي لأقوم بمراجعتها؛ فَنَظرَ إليَّ الوزير، وكنتُ ليلتئذ مُطلقًا لحيتي، فَتفطَّنَ الأستاذ نصر سَريعًا، وَبَادَرهُ بالقول: هذا ابن الأستاذ عبد الباري طاهر. فهزَّ وزير الإعلام رأسه، وَاستَأنَفَا سَيرهُمَا.

كَانَ الدَّوام بشكل يومي ولم تَخلُ منه حَتَّى أيَّام الجُمَع والأعياد. أمَّا الأستاذ نصر طه؛ فَقَد وضع بصمته التي لا تُنكَر عند توليه رِئَاسة الوكالة. فَقَد حَوَّل النَّشرة السِّياسِيَّة التي كانت تصدر بشكل أسبوعي إلى صحيفة يومية حافلة بالأخبار، والتحقيقات، والترجمات من صحف عالمية بلغات مختلفة؛ كالفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، وعمل على استجلاب مطبعة للوكالة من ألمانيا أو اليابان عن طريق الشِّراء.
وفي أيامه توسعت وتطورات مكتبة الوكالة ومركزها البحثي تَوسُّعًا ملحوظًا، وَصَارَ لَهَا إصدارات خَاصَّة بِهَا؛ فمنها كتاب الأخ العزيز ضياء الصلوي عن «الحكومات اليمنية المتعاقبة خلال أربعين عامًا»، وكتاب آخر عن أهم الأحداث البارزة في تاريخ اليمن، وعشرات غيرها من الإصدارات والكتب.
كان الدوام يبدأ من الخَامِسَة عصرًا إلى قريب الفجر بشكل يومي. وكان مديري العام الأخ أسعد الكلالي؛ وهو شخص فاضل من أبناء صنعاء المهذبين، أمَّا مديري المباشر فنجيب العُمَيسي، وكنت أظنه من المناطق الوسطى، ثم اتَّضح لي قَريبًا أنَّه من رداع.
والأخ نجيب شخص نبيل ومتعاون وذو خلق رفيع. وتزاملت مع الإخوة الطباعين؛ فمنهم الأخ علي التوهمي، وشخص آخر من شرعب لا يحضرني اسمه؛ كَانَ إنسانًا طيبًا، حَاذقًا بطباعته على الحاسوب حَدَّ الإدهاش؛ فَكَأَّنهُ عازف ماهر على آلة بيانو.
وتعرفت بالوكالة على الأخ الرَّائع عبد الغني الماوري، والأخ نبيل البكيري.
أمَّا الأخ سِنَان السَّيَّاغي، فَأعرفه من قبل التحاقي بالعمل في الوكالة، بواسطة الأخ العزيز ضِياء الصُّلوي، وكان ضياء حينها يعمل على الانتقال للعمل بوزارة الخارجية.
والأخ ضياء شخص فاضل ذكي على خُلُق وأدب جم، مكافح، مثابر، ويعرف ما يريد.
تَعلَّم ضياء حرفة حياكة الكتب من أحد أبناء صنعاء المحترفين لهذه المهنة، واستأجر دُكانًا بصنعاء القديمة، بجوار قُبَّة المَهدِي، كان يعمل فيه عَصرًا، هذا إلى جانب عمله في الفترة الصباحية بالوكالة، ودراسته غير المنتظمة بجامعة عمران في كلية الإعلام.
وَمَعَ طُول معاشرته لأبناء صنعاء، أجاد ضياء اللهجة الصَّنعانية ببراعة مدهشة، حتى أنَّ من لا يعرفه، لا يظنَّ إلا أنَّه منها.
لم يَرُق لضياء العمل بالوكالة؛ لأنها لا تناسب ما يصبو إليه. وبعد إصداره لكتابه «الحكومات اليمنية»؛ صَارَ شَخصًا مَعروفًا؛ فأَمكَنَهُ ذلك من الانتقال إلى وزارة الخارجية.
وهناك في معمله أو دكانه، تعرفت -لأوَّل مَرَّة- على الأستاذ الصحفي المرحوم العم عَلي الهندي- صديق وزميل الوالد أثناء عملهما بصحيفة الثورة.
فعندما رآني ظَلَّ يرمقني بعينيه؛ مُتَفَحِصًا في مَلامِحي، ثُمَّ سَألَني في آخر الأمر عن علاقتي بعبد الباري طاهر. فاستغربت من سؤاله وقوة فراسته، وأجبته: بأنَّهُ والدي. فتصافحنا، وأخذ يثني على الوالد ثَنَاءً عَاطرًا. وتكرر لقاؤنا في معمل الأخ ضياء، وَلَمست -مَعَ قِصَر المُدَّة الزَّمنية بمعرفتي للعَمّ علي الهِندِّي- مدى طيبته، وَرِقَّة شُعُوره، وَصدق عَاطفته.
وَلمَّا تُوُفِّيَ؛ رأيت التَّأثُّر البالغ في صورة الوالد حتى أنه أجهش بالبكاء. رحمه الله. للأستاذ علي ابنًا كان يعمل بالوكالة، في الفترة الصباحية.
وفي معمل ضياء، تعرفت على الأخ سنان السَّيَّاغي. وهو شخص هادئ لطيف وودود متفتح. وهو من أقرب أصدقاء الأخ ضياء. وكان أيضًا يعمل في الفترة الصَّبَاحِيَّة.
وَلمَّا كان منزله المؤجر قَريبًا من الوكالة، كان يمر للزِّيَارة في المساء، فكانت زيارته مُتنَفَّسًا باِلنِّسبة لي؛ حيث نخرج لفناء الوكالة؛ تبادل الأحاديث، أو تناول العشاء أو الشَّاي في البوفيه.
وكان من الزُّمَلاء العاملين بالوكالة الأخ الفاضل الصحفي عبد الإله شايع. وهو شخص على خلق رفيع وأدب جم، كما تعرفت على الأخ محمد الشرعبي؛ وهو ابن أخي الصَّحفي والسِّياسِي العروف أحمد الشَّرعبي.
والأخ محمد شخص لطيف؛ يَتَّسِم بالصفاء والهدوء، وهو أيضًا شاعر صدر له ديوان صغير لم أعد أذكر عنوانه.
استفدت كَثيرًا من الفترة القصيرة التي قضيتها في العمل بالوكالة. فقد كنت أقرأ الصَّحيفة من الغلاف إلى الغلاف، وَهِيَ تنحصر في مواضيع وجدت نفسي للمرة الثانية أقرأ عنها، وأخوض غمارها؛ وهي: السِّياسَة، بعد تجربة عملي بصحيفة «الأسبوع».
لاسِيَّمَا تلك المقالات المترجمة بـ «السياسية»؛ سَواءٌ عن الفرنسية والتي كان يقوم بترجمتها أحد الزَّمَلاء من خريجي قسم اللغة الفرنسية بجامعة صنعاء؛ وهو من بيت الحيدري نسيت اسمه، أو عن الإنجليزية؛ وَتَتولَّى ترجمتها الأخت خديجة السَّنيدار، أو المترجمة عن الألمانية يقوم بها شَابّ من بيت المهدي.
كما أنِّي أثناء فراغي، كنت أقوم بِتَصَفَّح النِّت، فقرأت الشيءَ الكثير عن المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي، والعلامة اللغوي العبقري أحمد فارس الشِّديَاق صاحب «صحيفة الجوائب» التي كانت تصدر بالاستانة، وغيرها من المؤلفات.
كان العمل بالوكالة يستمر إلى ساعات الفجر الأولى، وبعد الانتهاء تأتي حافلة؛ لتقوم بإيصالنا إلى منازلنا، وكنت حال وصولي آوي إلى فراشي مُحَاولا النَّوم، فلا أذوقه إلا غِرَارًا.
وَحِينَ يَتمّ إيقاظي لتناول طعام الإفطار، أشعر بفقدان مطلق لشهيتي، وعدم الرَّغبة في تناول أيِّ شيء؛ لأني منذ صغري لا أعرف السَّهَر، ولم أعتدْ عَليه، ولا يناسبني بحال.
فاليوم الذي لا أنام فيه يتغير مزاجي، وأشعر بإرهاق وتعب لا يحتملان. وأذكر أثناء زياراتنا في إحدى أماسي رمضان لمنزل العم المرحوم الإنسان الطَّيب عبد الله العتمي، كنت أنام هناك فَورَ وُصُولِنا، وكان رفيق الطُّفولة وصديقي المُقَرَّب عرفات الذي يقضي ليالي رمضان سَاهِرًا، فلا يَنام إلا فَجرًا؛ بعد تناول وجبة السَّحور وَأداء الصَّلاة= كان عرفات يغتاظ مني، ويجهد لإيقاظي بِكُلِّ الوَسَائِل؛ حَتَّى نَلعبَ سَويًّا، وأنا -مع ذلك- مُستَغرِق في نومِي، لا أرى أفعاله إلا كسَمَادِير؛ لِشِدَّة غَلبَة النُّعَاس عَليَّ؛ فلا أستيقظ إلا بحكم الاضطرار؛ حين تعزم الأسرة على العودة.
وَلا تَسلْ بَعدَهَا عن العذاب ومدى المعاناة التي أشعر بها، حين يَتِمَّ إيقاظي، وَلمّ أكن قد قَضيت حَاجتي من النَّوم الَّلذيذ المستَولي عَليَّ؛ لأجد نَفسي مُجبَرًا على القيام، والبحث عن حذائي على غير هُدَى ولا بَيِّنة، والنُّزُول من درجِ المنزل، وركوب التَّاكسي الذي يصير مكاني الثَّاني لاستئناف النَّوم حتى وقت الوُصُول للمَنزل.
للحديث بقية..
