الأربعاء 22 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • من سيادة الجغرافيا إلى سيادة الخوارزميات.. هل يحتاج العالم إلى عقد اجتماعي رقمي؟

من سيادة الجغرافيا إلى سيادة الخوارزميات.. هل يحتاج العالم إلى عقد اجتماعي رقمي؟

تتطور مسيرة حياة الدول والأمم تماماً كما تتطور مسيرة الأفراد؛ تنشأ من البدايات، وتخوض تجارب التكيف، وتسعى للبحث عن الاستقرار وسط متغيرات البيئة المحيطة. وعلى مر الحقب التاريخية، كلما اتسعت دائرة الاحتكاك والمصالح المتبادلة بين المجتمعات، كان العقل البشري يبتكر قواعد عامة تنظم هذا التفاعل، صوناً للسلم، وضماناً لاستمرار نمو العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

من هذا القاسم المشترك، وُلد القانون الدولي العام، وتطورت المعاهدات المنظمة للبحار، والفضاء الخارجي، والاستخدامات السلمية للطاقة الذرية. غير أن العالم اليوم يقف أمام تحول غير مسبوق في دورة حياة المجتمعات؛ تحولٍ لا تقوده الجغرافيا ولا القوة العسكرية التقليدية، بل تقوده المنظومات البرمجية والتقنيات الرقمية عابرة الحدود.

بحيث اضحت المنظومة القانونية الدولية متأخرة جدا و يتجاوزها الفضاء السيبراني حيث اصبحت المنظومة التشريعية الدولية الحالية اليوم تعاني من ظاهرة اللا تزامن التشريعي؛

ففي الوقت الذي تتطور فيه الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي بمعدلات أسية خاطفة، ما زالت الآليات الدبلوماسية لصياغة المعاهدات الدولية تتسم بالبطء والروتينية. هذا الفارق الشاسع خلق ثغرات هيكلية تهدد أركان المنظومة الدولية ومفهوم السيادة للدولة الحديثة الذي يستند الى حدود جغرافية واضحة، بينما تعمل البرمجيات عبر بيئات سحابية غير متمركزة، مما يفرغ الاختصاص القضائي والتنفيذي للدول من مضمونه عند مواجهة الهجمات السيبرانية أو التوجيه الخوارزمي للرأي العام.

ومن ذلك تبرز معضلة إسناد المسؤولية حيث تنص قواعد المسؤولية الدولية التقليدية على وجوب نسبة التصرف لفاعل دولي محدد لإعمال العقاب أو التعويض. وفي الفضاء الرقمي، يغدو تحديد هوية المُعتدي سواء كان دولة، أو وكيلاً ذاتياً للذكاء الاصطناعي، أو مجموعات عابرة للحدود أمراً بالغة المعقودية تقنياً وقانونياً.

كماان الفواعل الرقمية من غير الدول مثل الشركات التكنولوجية العملاقة اصبحت تملك نفوذاً يضاهي نفوذ الدول، وتتحكم بالبنى التحتية الحيوية للمعلومات، دون أن تخضع لالتزامات صريحة بموجب معاهدات القانون الدولي العام.

وهنا تبرز اهمية صياغة إطار دولي قانوني

لتفادي الفوضى الشاملة وضمان استمرار التعايش السلمي، كون التنظيم الذاتي الذي تمارسه شركات التقنية لم يعد كافياً لتنظيم هذا الموضوع إن الحاجة باتت ملحة لإرساء اتفاقية دولية إطارية للسلامة التقنية والحوكمة الرقمية تنص في مضمونها على إنشاء وكالة دولية للأمن التقني والذكاء الاصطناعي على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذريةتتولى وضع معايير الأمان للأنظمة البرمجية فائقة الخطورة، وإجراء التقييمات والتفتيش الدوري. ويتضمن قواعد شارعة

لأقرار المسؤولية المزدوجة وتحميل الشركات المبتكرة التزامات قانونية حثيثة بتقييم المخاطر البيئية والاجتماعية والأمنية لمنتجاتها قبل طرحها، مع إلزام الدول بعدم السماح باستخدام بنيتها التحتية لإطلاق برمجيات ضارة دولياً.

وهذا يتطلب اعتماد آليات قانونية مرنه قابلة للتعديل والتحديث الدوري عبر لجان متخصصة، لتجاوز عقبة البطء التشريعي ومواكبة سرعة الابتكار.

كما ان حظر السلاح البرمجي المستقل يستدعي إقرار بروتوكول صارم يُبقي العنصر البشري شرطاً لا غنى عنه في اتخاذ قرارات القوة أو إدارة البنى التحتية الحرجة.

ان صياغة عقد اجتماعي دولي رقمي ليس مجرد ترف أكاديمي أو استجابة لتطور تقني عابر، بل هو **ضرورة وجودية لحماية المنظومة الأممية واستقرار الشعوب**. وكما نجحت البشرية سابقاً في تنظيم الفضاء والبحار والذرة لحماية وجودها، فإن عليها اليوم أن تُخضع الخوارزميات لسيادة القانون، لتظل التقنية أداة لرخاء الإنسان لا سبباً في تفتيت استقراره.

محام ومستشار قانوني-امين عام نقابة المحامين اليمنيين- تعز