23 يوليو 1952.. ذكرى تجدد العهد
في الذكرى الـ74 لثورة 23 يوليو، وفي هذا اليوم الخالد، نقف وقفة إجلال لرجل صنع التاريخ بيديه، وأسّس لمشروع نهضوي غيّر وجه المنطقة، ليظلّ اسمه محفورًا في وجدان الأمة، وبصمته حاضرة في كل زاوية من زوايا العيش الكريم التي أرادها لشعبه ولأمته.
رحل جمال عبدالناصر، لكن رحيله كان فاجعة كبرى للبسطاء الذين عاشوا معه آماله وآلامه. كان الخبز والمأوى متاحين، وكانت سُبل العيش ميسّرة؛ فكانت لقمة العيش مضمونة، والسكن آمنًا، والأمل كبيرًا، يتجسّد في السدّ العالي رمز السيادة، ومجانية التعليم بوابة النهضة، واستقرار الأسعار وبساطة العيش عنوان العدالة الاجتماعية. ثم أتت بعده سنوات ضاقت فيها الحياة، وكأنّ أرغفة الخبز أصبحت حلمًا بعيدًا.

نعم، ليبقَ عبدالناصر رمزًا خالدًا، ومعلمًا من معالم الكرامة العربية، تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل. أما الهجوم الذي يُشنّ عليه اليوم، فليس نقدًا موضوعيًا، بل هو انعكاس لمصالح ضيقة، وخوف من روح التحدي التي أطلقها في وجدان أمته.
الناصرية ليست مجرد ذكرى، وليست أحزابًا سياسية فحسب، بل هي مشروع قومي قائم وقادم، ومستمر في وجدان الجماهير العربية؛ لأنها تمثل المخرج الوحيد من حالة الانبطاح والهزيمة التاريخية. فلقد خضعت أمتنا لقرون طويلة لهيمنة واستغلال المستعمر العثماني، ثم الأوروبي، ثم الأميركي والصهيوني، ولن تنهض أمتنا، ولن ترتفع هاماتنا، إلا بما نمتلك من أدواتنا الوحدوية الحقيقية. هذه الأدوات هي التي ستمكّننا من توحيد أمتنا العربية، على كامل ترابنا العربي الممتد من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، تحت ظلال المدنية والعدالة، وتسخير كل الثروات والطاقات لسعادة ورَفاهية الإنسان العربي، بل وطنًا حقيقيًا لكل مواطن، بصرف النظر عن لونه أو أصله أو عقيدته.
أمة تستفيد من طاقاتها وإمكانياتها، وتوظّف ثرواتها لخير أبنائها لا لنهب المستعمرين، وتفتح آفاق العلم والمعرفة لكل مواطن، وتصنع من أبنائها روّادًا في كل الميادين. أمة تصنع نهضتها بيد أبنائها، وتستثمر في إنسانها قبل أي شيء؛ لأن الإنسان العربي هو الثروة الحقيقية، وهو أساس كل بناء ومستقبل. أمة تعيد مكانتها بين الأمم، وتجعل من وحدتها قوة لا تُقهر، ومن تضامن وتآزر أبنائها درعًا لا تُخترق.

لن تغرب شمس القومية العربية التي أراد لها الخالق البقاء، وشرفها بالدين الإسلامي الحنيف وخاتم المرسلين، عليه أفضل الصلاة والسلام. وسيظل النهج القومي العروبي متجدّدًا في شرايين الأبطال والأجيال، صامدًا أمام كل رياح التغيير، متسلّحًا بهمّة كل عربي وإيمانه بحتمية وجوده، مخلصًا في تطبيق المبادئ الخالدة التي أرساها الراحل الخالد.
إنها لحظة الحقيقة التي قال فيها: "الخائفون لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة، والمتردّدون لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء".
إنها مناسبة خالدة لنستحضر اليوم لا رجلًا واحدًا فقط، بل حقبة كاملة صُنعت فيها بإرادة شعبٍ قراراته. إنه يوم نؤكد فيه أن طريق التحرّر طويل، وأن جمال عبدالناصر قد وضع حجر الأساس الذي لايزال ينير درب الأحرار، ليظلّ القائد الخالد حاضرًا في قلوبنا، وعلمًا يرفرف في سماء الحرية والكرامة العربية.
رحم الله عبدالناصر، وأدام على أمتنا عزّ الإرادة ووحدة الصفّ، إنه سميع مجيب.
