الحرب وإنهيار أركان الحوكمة في اليمن
أفرزت الحرب المستمرة في اليمن، منذ عام 2015، واقعاً سياسياً واقتصادياً منقسماً بين سلطتين رئيسيتين في عدن وصنعاء، كما أن الحرب أدت إلى انهيار شبه كامل للمنظومة المؤسسية والقانونية التي تحكم الدولة. وعلى الرغم من أن الحرب قد قوضت أسس الحوكمة لدى الطرفين، إلا أن كل سلطة تعاملت مع مبادئ الحوكمة بطريقتها الخاصة ووفقاً لنموذج إداري وفلسفة سياسية مغايرة. فالحوكمة، بأركانها القائمة على الشفافية والمساءلة وسيادة القانون والمشاركة المجتمعية، تعرضت لانتكاسة كبرى نتيجة لانقسام السلطات، وتعدد مراكز القرار، وغياب الرقابة المركزية. وتحول الاقتصاد اليمني إلى "اقتصاد حرب" تغلغلت فيه شبكات المصالح غير المشروعة، مما أثر عميقاً على كفاءة إدارة الموارد العامة الشحيحة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الالتزام بمبادئ الحوكمة في اليمن خلال سنوات ما قبل الحرب لم يكن في أحسن حال وعند المستوى المُرضِي، فلم تكن المؤسسات بالانهيار الذي هي عليه اليوم، لكنها في الوقت ذاته كانت تعاني من تشوهات هيكلية عميقة جعلت "الحوكمة" مجرد شعارات وإصلاحات شكلية أملتها الضغوط الدولية والجهات المانحة، دون رغبة حقيقية في التغيير البنيوي، ودون إجراء إصلاحات جذرية تمس جوهر السلطة. هذا الفشل المتراكم في إرساء أسس حوكمة حقيقية وعادلة، أدى في النهاية إلى تآكل شرعية المؤسسات من الداخل، مما سهّل انهيارها السريع بمجرد اندلاع الصراع المسلح.
ويمكن استعراض تأثير الحرب على أسس ومبادئ الحوكمة في ثلاثة قطاعات حيوية، المال العام ومؤسسات الدولة وإدارة الدعم الإنساني.
ففي مجال إدارة المال العام، تشترك السلطتان في عدن وصنعاء بإدارة الموارد العامة في ظل غياب الموازنة العامة، وهذا يعتبر مخالفا للدستور والقوانين النافذة، فخلال سنوات الحرب توقف إعداد وإقرار الموازنة العامة لدى السلطتين، ويتم إدارة النفقات والإيرادات العامة وفقا لتعتيمٍ كاملٍ لبنودها، وبناءً على ترتيبات مؤقتة وغير خاضعة لنقاش البرلمان أو مصادقته.
ففي مناطق سلطة عدن، تراجعت قدرة السلطة على تحصيل عوائد النفط والغاز، والجمارك، والضرائب بشكل مركزي، وتحولت هذه الموارد لصالح حسابات خاصة خارج المنظومة القانونية (حسابات البنوك التجارية أو محصلين محليين)، مما شرعن الجبايات غير القانونية، ودفع بالسلطة لتمويل نفقاتها من مصادر تضخمية "طباعة النقود"، إضافة إلى الدعم من دول التحالف، بما في ذلك قوائم الإعاشة من الراعي الإقليمي،
بينما في مناطق صنعاء، هناك إفراط في الجبايات من الضرائب والجمارك والزكاة دون وجود أي إطار للموازنة العامة وغياب تام للبيانات والمؤشرات المالية. وصاحب ذلك، غياب الشفافية والمساءلة، حيث توقفت الهيئات الرقابية وعلى رأسها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن ممارسة دوره الفاعل والمستقل نتيجة التسييس والترهيب، والحصانة غير المعلنة لأمراء الحرب والنافذين، مما حجب بيانات الإيرادات والنفقات العامة عن الرأي العام وأنعدمت المساءلة والمحاسبة في الوقت نفسه.
ومن جانب آخر، أدى نقل مقر البنك المركزي إلى عدن في 2016، مع بقاء المركز العملياتي الفعلي لجزء كبير من القطاع المصرفي في صنعاء، إلى وجود سياستين نقديتين متناقضتين، وطباعة عملات مختلفة القيمة، وفقدان السيطرة على أسعار الصرف، مما نتج عنه إرتفاعات عالية في أسعار السلع والخدمات وتدهور في مستوى معيشة الناس.
وفي مجال إدارة مؤسسات الدولة، شهدت الوظيفة العامة والهياكل الإدارية، في كلا السلطتين، تراجعاً حاداً نحو العشوائية والمحسوبية وتسييس الوظيفة العامة وهدم الكفاءة. فالتعيينات تتم خارج القانون، حيث يتم استبدال الكوادر التكنوقراطية المؤهلة بـ "تعيينات عقائدية أو سياسية أو مناطقية" لا تملك الخبرة الإدارية، مما أسقط مبدأ الجدارة والكفاءة في شغل الوظيفة العامة. إضافة إلى ذلك، فإنانقطاع رواتب موظفي الجهاز الإداري للدولة (خاصة في المناطق الشمالية ذات الكثافة السكانية) تسبب في شلل تام لولاء الموظف للمؤسسة، ودفع بالكثيرين نحو البحث عن مصادر دخل بديلة أو الانخراط في الفساد الصغير لتسيير المعاملات.
كما تتسم إدارة المؤسسات العامة لدى طرفي الصراع بتداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية، مما أدى إلى تغييب أحكام القضاء، وأصبحت التوجيهات العسكرية أو "النافذين" تعلو على القوانين واللوائح الإدارية. كما يلاحظ في مناطق عدن النزوع نحو التفكك والتشرذم، فهناك ضعف في قنوات الاتصال الإداري بين السلطات المركزية والسلطات المحلية بالمحافظات، مما جعل كل محافظة تدير شؤونها بشكل شبه مستقل ومعزول عن الخطط الوطنية الشاملة.
وفي مجال إدارة موارد الدعم الإنساني من المانحين، فخلال سنوات الحرب، تحولت أزمة اليمن إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالمياً، مما أدى إلى تدفق مليارات الدولارات كمعونات، لكن غياب الحوكمة جعل هذه الأموال عرضة للتبديد، فقد فرضت أطراف الصراع قيوداً صارمة على حركة المنظمات الدولية والمحلية، وتم الضغط لتوجيه المساعدات لصالح فئات أو مناطق بعينها لكسب الولاءات السياسية، بدلاً من الاعتماد على معايير الحاجة الإنسانية الفادحة.
وبالمقابل، هناك ضعف في كفاءة الإنفاق والشفافية لدى الجهات الإغاثية، فالبرامج والمشاريع المنفذة يغلب عليها ارتفاع النفقات التشغيلية، حيث يذهب جزء كبير من أموال المانحين لنفقات تشغيلية وتأمين واستشارات خارجية للمنظمات الدولية بسبب المخاطر الأمنية، مما يقلل من العائد الفعلي الذي يلمسه المواطن اليمني. وصاحب ذلك، غياب المساءلة المجتمعية، فآليات توزيع المساعدات تفتقر إلى الشفافية في نشر القوائم المالية وتقارير التقييم المستقلة، مما يحرم المجتمع المحلي (المستهدفين) من فرصة ممارسة "المساءلة من أسفل إلى أعلى".
وإجمالا، يمكن القول أن سلطة عدن فشلت في تقديم نموذج جاذب للحوكمة بسبب تشتت القرار السياسي، وتعدد الولاءات العسكرية، وعجزها عن فرض سيادة القانون رغم امتلاكها للاعتراف الدولي والموارد السيادية، وبالمقابل، فإن سلطة صنعاء تمكنت من بناء سلطة قوية، حازمة، ومنضبطة إدارياً ولكنها تفتقر لقيم الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، وتنصل الحكومة عن إلتزاماتها تجاه مرتبات الموظفين وتجاه الإنفاق على المشاريع التنموية والحماية الاجتماعية.
