الشرعية على مقاعد الاحتياط... والحوثـ ـ ـيون في الوقت الأصلي
عندما تتحول الحرب إلى مفاوضات... ويصبح صاحب القضية آخر المدعوين في كرة القدم، يجلس اللاعب الاحتياطي على مقاعد البدلاء حتى يستدعيه المدرب.
أما في السياسة اليمنية، فقد أصبح المشهد أكثر غرابة؛ فالطرف الذي خاض الحرب تحت عنوان "الشرعية" يبدو، في نظر كثير من المتابعين، أقل حضورًا في المشهد التفاوضي، بينما يجلس خصمه في قلب النقاشات المتعلقة بمستقبل الحرب والسلام.
يا للمفارقة!
حرب امتدت سنوات، أُنفقت فيها المليارات، وسقط فيها عشرات الآلاف من الضحايا، وانتهت ــ أو تكاد ــ إلى مشهد يجعل المواطن اليمني يتساءل: إذا كان الحوار المباشر يجري مع الحوثيين، فأين ذهبت الشرعية التي قيل إن الحرب قامت من أجلها؟
ليس المقصود هنا إنكار تعقيدات السياسة أو اعتبارات الأمن الإقليمي، فالدول تتصرف وفق مصالحها، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى شرح. لكن السياسة أيضًا لا ترحم الضعفاء، ولا تمنح مقعدًا مجانيًا لمن يغيب عن صناعة القرار.
لقد أثبتت السنوات الماضية قاعدة قاسية: من يفرض نفسه على الأرض، يجد لنفسه مكانًا على الطاولة. ومن يكتفي بالشعارات، قد يكتشف أن الطاولة اكتملت قبل وصوله.
المشهد يكاد يكون مسرحية ساخرة.
هناك من أعلن النصر لأنه صمد.
وهناك من أعلن النصر لأنه فاوَض.
وهناك من أعلن النصر لأنه أصدر بيانًا مطولًا.
أما المواطن اليمني، فلم ينتصر إلا في شيء واحد: تحمّل المزيد من الأعباء.
انتصر في الوقوف بطوابير الغاز.
وانتصر في انقطاع الكهرباء.
وانتصر في انهيار العملة.
وانتصر في البحث عن راتب لا يأتي.
وانتصر في الهجرة، لأن البقاء أصبح رفاهية.
أي انتصار هذا الذي لا يشعر به إلا السياسي، بينما يشعر المواطن فقط بفاتورة الحرب؟
لقد تحولت اليمن، للأسف، من دولة إلى ملف، ومن وطن إلى بند على جدول أعمال، ومن شعب يبحث عن مستقبل إلى أرقام في تقارير المنظمات.
ووسط كل ذلك، يتحدث الجميع باسم اليمن.
يتحدث السفير.
ويتحدث المبعوث.
ويتحدث الوسيط.
ويتحدث السياسي.
لكن اليمني البسيط، الذي دفع الثمن الأكبر، لا يجد حتى ميكروفونًا يقول منه: لقد تعبنا.
المشكلة ليست في أن تتفاوض السعودية مع الحوثيين؛ فالدول تتفاوض عندما ترى أن ذلك يخدم أمنها ومصالحها. المشكلة الحقيقية تبدأ إذا انتهت الحرب من دون مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة ويمنح اليمنيين جميعًا مكانًا في مستقبل بلدهم.
فالتفاوض قد يوقف إطلاق النار...
لكنه لا يبني دولة.
والهدنة قد تُسكت المدافع...
لكنها لا تُعيد الثقة.
والاتفاق قد يُرضي السياسيين...
لكنه لن يُقنع أمًا فقدت أبناءها، أو طفلًا كبر وهو لا يعرف من وطنه سوى أصوات الانفجارات.
الخاتمة
سيأتي يوم تُطوى فيه ملفات الحرب، وتُحفظ بيانات المفاوضات في الأرشيف، وتختفي صور المصافحات من شاشات الأخبار.
لكن التاريخ سيترك سؤالًا واحدًا مفتوحًا:
هل كانت الحرب طريقًا لاستعادة الدولة... أم أن الدولة ضاعت في الطريق إلى المفاوضات؟
ذلك هو السؤال الذي سيبقى، أما المنتصر الحقيقي فلن يكون من ربح جولة تفاوض، بل من استطاع أن يعيد لليمن وطنًا يتسع للجميع، لا ساحةً يتنازعها الجميع.
