بيان من حذاء طفل فلسـ ـ طيني

لم أخلق لأكون شاهدًا
بل لأحفظ حرارة قدم كانت تظن الطريق أغنية
لكن الطين علمني أسماء البنادق
والحصى علمني أن الخرائط تبدأ من ندبة
وتنتهي عند أم تفتش في الغبار عن مقاس ابنها
أنا الحذاء
نصفي تراب ونصفي الآخر ظل الخطوة التي لم تكتمل
كلما قالوا هذا طريق الغد
وجدنا الغد مؤجلًا على رصيف يزدحم بالأسماء المنسية
فلا تسألوا الطفل لماذا كبر قبل أوانه
اسألوا الإسفلت كم مرت عليه أقدام
كانت تستحق أن تمشي نحو ملعب
لا نحو الوداع
أيها الوقت أخفض سيفك
فإن التراب لم يعد يتسع لظل البراءة
أنا ما تبقى من خطوتين
كانتا تريدان أن تكملا معنى الأرض
لا أطلب اسمًا فالريح تعرفني
ولا أطلب وطنًا
فالقدم هي الوطن الأول إذا لم تكسر
يا أيها الحجر
لا تعتذر فالجرح ليس فيك
بل في اليد التي أرادت أن تعيد ترتيب الجهات
على هيئة مثيرة
أنا الحذاء
آخر ما صدق الطفل
قبل أن يصبح الغياب لغة رسمية
فمن يرفع البيان؟
أنا ومن يوقعه؟
الغبار
ومن يختمه؟
خطوة لم تبلغ صاحبها
أنا لست شاهدًا على السقوط
أنا شاهد ما بقي واقفًا
في وجه الريح
لا تكتبوا اسمي
على جدار الغياب
فالأسماء التي تدفن مبكرًا
تنبت في الجهات ألف صوت
أنا خيط من الغبار
مربوط إلى قدم الحلم
أنا آخر نبض
في طريق حاولوا
أن يطفئوا خطاه
يا من يوزعون الخرائط
فوق موائد الحديد
اسمعوا
الأرض ليست ورقة
تطوى في جيب المنتصر
الأرض قدم
تعرف أين تضع ألمها
وأين تزرع أغنيتها
أنا الحذاء الصغير
الذي حفظ سر الطريق
حملت وحل الصباحات الثقيلة
وحملت حلمًا
كان أكبر من مقاسي
فلا تسألوا الطفولة
لماذا تصرخ
اسألوا الليل
كم بابًا أغلق
قبل أن يولد الفجر
أنا لا ألعن السماء
فالسماء أوسع من قذيفة
ولا ألعن التراب
فالتراب أكرم من قبر
لكنني أرفع هذا البيان
إن الخطوة التي سرقت
ستعود يومًا
لا بقدم واحدة
بل بأقدام الذين
لم يولدوا بعد
سيأتي طفل
يحمل الريح في جيبه
ويقول للطرقات
افتحي أبوابك... فقد عاد المشي إلى أهله
لا تطفئوا المصابيح كلها
فهناك عين صغيرة
خبأت في عتمة الليل
بذرة شمس
أنا الحذاء الذي لم يتعلم
معنى الوصول
لأن الطريق كان أطول
من عمر الخطوة
مشيت على صمت الأمهات
على رجفة الأبواب
على سؤال الصغار
حين يسألون الغد
أين بيتنا؟
ولم يكن للغد
غير نافذة مكسورة
تطل على انتظار
يا سادة العروش العالية
يا حراس الكلمات الباردة
لا تقيسوا التاريخ
بطول السيوف
فالتاريخ أحيانًا
يكتبه حذاء صغير
بقي واقفًا
حين انحنت الجدران
أنا أثر القدم
حين تصبح القدم صلاة
أنا صدى الطريق
حين يمنع الصدى من الكلام
في جلدي
نام غبار الأزقة
وفي ثقوبي
عبرت رياح
تعرف أسماء الراحلين
لا تقولوا كان طفلًا
قولوا كان بداية
لم تحسن الحروب قراءتها
كان سؤالًا
لم تجد البنادق له جوابًا
كان قلبًا صغيرًا
وضع قدمه على الأرض
وقال
هذه ليست نهاية الطريق
هذه اللحظة التي يبدأ فيها الطريق من جديد
أنا الحذاء
لا أملك لسانًا لكن التراب
يتكلم بي
لا أملك راية لكن الريح
ترفعني حين يثقل العالم
ولا أملك جيشًا لكن كل طفل
يخطو نحو الصباح
هو جندي المعنى
في معركته الأخيرة
أن يبقى الإنسان
إنسانًا
أنا القدم التي لم تروض
على الانحناء
وإن أثقلتها الطرقات بالرماد
أنا الخطوة الأولى
قبل أن تخترع الحدود
قبل أن يعلق على الجهات
قفل من حديد
يا أيها العالم
الذي نسي صوت الحقول
اسمع وقع الصغار
إن للبراءة جيشًا لا يرى
والحلم
راية لا تسقط
أنا الحذاء
أحمل في نعلي
عرق الذين شقوا الطريق
ودمعة الذين انتظروا
وضحكة الذين
لم يجدوا وقتًا كافيًا
ليكبروا
لا تفتشوا عني
في خزائن الملوك
ستجدونني
عند عتبة بيت صغير
حيث تضع أم يدها
على الهواء
كأنها تمسح عن وجه الغد
غباره
أنا الحذاء الذي قال
لا للخطوة المكسورة
لا للطريق الذي يصاغ
على هيئة قفص
لا للسماء حين تختصر
في فوهة نار
فالأرض ليست جرحًا فقط
الأرض وعد
والطفل ليس رقمًا في دفتر الفقد
الطفل اسم المستقبل
حين ينطق للمرة الأولى
يا حجارة الشوارع
احفظي هذا الصوت
مر من هنا
قلب صغير
وكان أكبر من الخوف
مر من هنا
حذاء وحيد
لكنه حمل
ألف طريق
وإذا سأل التاريخ يومًا
من كتب بيان النجاة
فقولي
لم يكتبه السيف
ولا العرش
ولا المدفع
كتبته خطوة طفل
رفضت أن تنسى
كيف يكون المشي
نحو الضوء
يا أيها الغياب قف
لا تعبر من هنا
فهنا مرت ضحكة
كانت تهيئ للشمس
مقعدًا في الصباح
قف فلدينا سؤال
لم تجب عليه القرون
كم طفلًا يكفي
كي تعرف الأرض
أنها تنزف؟
كم حلمًا يدفن
قبل أن يرتفع صوت السؤال؟
أنا الحذاء
جئت من المحكمة الكبرى
لا أحمل ملفًا
ولا أرفع إصبع اتهام
أحمل فقط
أثر قدم صغيرة
قالت للأرض
أنا هنا
فمن يملك حق محو هنا
يا قضاة الريح
يا كتبة الأزمنة البعيدة
لا تجعلوا التاريخ
قبرًا من أرقام
فخلف كل رقم
عين كانت ترى
ويد كانت تمتد
وقلب كان ينتظر
أغنية بلا رصاصة
أنا الحذاء
الذي عاد من آخر الطريق
ليقول
لم ينته الطفل حين غاب
الطفل فكرة
إذا عبرت العالم
لا يستطيع الموت
إعادتها إلى الصمت
انظروا إلى نعلي
فيه شقوق المسافات
وفيه خرائط النجاة
وفيه وجه صباح
لم يصل بعد
فلا تقولوا كان صغيرًا
فالصغار هم الذين يعلمون
الزمن كيف يبدأ
ولا تقولوا كان وحيدًا
فالخدمة الصادقة
حين تمشي
توقظ في الطريق
أقدامًا نائمة
أنا الحذاء
أضع أمام التاريخ هذا البيان
إن الطفولة ليست هدنة
بين حربين
وليست صورة تعلق
بعد الرحيل
فاشهدوا
هذا الغبار ليس غبارًا
إنه صوت الخطوات حين تعود
وهذه الثقوب ليست نقصًا
إنها نوافذ تطل منها
شمس لم تهزم
وفي آخر البيان
لا أطلب من السماء
أن تنحاز فالسماء تعرف
أن الطفل كان أقرب إليها
من كل راية
ولا أطلب من التراب
أن يتذكر فالتراب
دفتر الذين لم يجدوا حبرًا
ليكتبوا أسماءهم
أنا الحذاء... عدت من الطريق
لا لأروي موت الخطوة
بل لأعلن
أن الخطوة لا تموت
قد يسقط القدم
لكن الطريق يبقى يبحث
عمن يمشيه
قد تغلق الأبواب
لكن الريح
تحفظ مفاتيح الصباح
يا أبناء الغد إذا وجدتموني
عند حافة الطريق
فلا تحملوني كأثر
احملوني كعهد
ضعوا في نعلي بذرة
وفي ثقوبي أغنية
وعلى غباري اكتبوا
مر طفل من هنا
ولم يمر عبثًا
أنا الحذاء الصغير
الذي ضاق بالعالم
فاتسع بالذكرى
أنا الخطوة التي انكسرت
كي تتعلم الأرض
كيف تنهض
وهذا بياني الأخير
لا تجعلوا من الأطفال
حكايات بعد الرحيل
اجعلوا لهم
طرقًا قبل الوصول
لا تزرعوا في أيديهم
مفاتيح القبور
ازرعوا فيها
أقلامًا وحقولًا وسماء
يا أم هذا الغائب الحاضر
يا من حملت الاسم
قبل أن يحمله الحجر
لا تبكيه كمن رحل
بل ناديه
كمن خبأ في التراب
موعد عودته
يا أماه أنا الحذاء
الذي بقي عند الباب
أحرس انتظارك
وأحفظ دفء الخطوة
مازالت في خيوطي
رائحة يديك
ومازال في نعلي
أثر الطريق
حين كان الطريق
وعدًا لا امتحانًا
لا تسألي الغياب
أين أخذ الصغير
فبعض الأطفال
لا يسكنون البيوت فقط
يسكنون في ضمير العالم
يا أماه إذا أطل الصباح يومًا
من نافذة بعيدة
فقولي له
لقد تأخرت كثيرًا
لكن طفلي كان ينتظرك
يا من ستأتون بعدنا
لا تقرأوا هذا البيان
كصفحة من كتاب قديم
اقرأوه كنبضة
وصلت إليكم
من قلب الطريق
أنا الحذاء الصغير
الذي عبر زمنًا ثقيلًا
ولم يسمح للغبار
أن يمحو شكل الخطوة
لا تقولوا هنا انتهى طفل
قولوا هنا بدأت حكاية الإنسان
حين قرر أن يمشي
أنا الحذاء الذي لم يتعلم المشي
بل تعلم كيف يحمل وطنًا
على كف غبار صغير
أنا فردة من زوج ضاع نصفه
يوم كانت أمي تبحث عن يد طفلها
بين الحجارة
فوجدتني
فرفعتني كأنني وثيقة ميلاد
لا كأنني قطعة جلد مهترئة
يا سادة الخرائط الباردة
يا أيها الذين يقيسون الأرض بالمساطر
ولا يقيسون دمعة طفل
اسمعوا بياني
أنا لم أسقط من قدم طفل فقط
أنا سقطت من فم التاريخ
حين صمت طويلًا
كنت أمشي معه إلى المدرسة
وكان يحمل في حقيبته
كتابًا عن الأشجار
وقلمًا يرسم به بيتًا
له نافذة واحدة
تطل على الشمس
لم يكن يعرف أن الشمس أيضًا
تحتاج إلى تصريح كي تدخل بعض المدن
لم يكن يعرف أن الطريق
قد يختبئ فيه سؤال مسلح
من أنت؟
وكان جوابه الوحيد
أنا طفل
لكن العالم الكبير
كان يحتاج إلى ترجمة طويلة
كي يفهم هذه الكلمة
أنا الحذاء
لا أحمل بندقية
ولا أعرف لغة القلاع
لكنني أعرف لغة التراب
أعرف أن الأرض
لا تنسى أقدام الذين مروا عليها
وأن الحقول تحفظ أسماء الأطفال
أكثر مما تحفظ أسماء الجنرالات
فاسألوا الطرقات
من عبر هنا؟
ستقول
عبر طفل صفير
كان أكبر من هذا العالم
لأنه حمل حلمًا
ولم يحمل كراهية
أنا الحذاء الذي خرج من تحت الركام
ولم يخرج من التاريخ
أنا الحذاء الذي حفظ شكل الطريق
حين حاولوا محو الطريق
وحفظ اسم الطفل
حين حاولوا تحويل الطفل إلى رقم
أنا فردة صغيرة
لكن في نعلي قارة من الأنين
وفي خيوطي الممزقة
أرشيف أم انتظرت
وقلب أب نادى
وظل بيت كان هنا
قبل أن تأتي الخرائط بسكاكينها
يا من تجلسون فوق عروش الحديد
وتعدون موتنا في نشرات المساء
أنا لا أطلب منكم شفقة
فالجبال لا تتسول من الريح
والأطفال الذين عرفوا الحجارة
لا يخافون من جدرانكم
أنا الحذاء الذي قال للتراب
أنت شاهد
وقال للبحر
لا تغسل آثارنا
وقال للسماء
لا تكوني محايدة
فوق الغيوم أيضًا
توجد أسماء تبحث عن أصحابها
يا عالم البيانات والمؤتمرات
يا من يزنون المأساة بالأرقام
هذا بياني
ليس الطفل خبرًا عاجلًا
ليس البيت حجرًا عابرًا
ليس الوطن كلمة في خطاب
الوطن هو القدم الصغيرة
حين تبحث عن مكان آمن لتقف
هو الأم حين تخبئ خوفها
كي لا يخاف ابنها
هو الحكاية حين ترفض أن تموت
ولو دفنوها ألف مرة
أنا الحذاء لا أحمل سيفًا
لكنني أحمل الطريق
لا أملك صوتًا
لكن صمتي صار محكمة
كل مساء في نعلي
شاهد
كل خدش على جلدي
وثيقة
كل ذرة تراب علقت بها
تقول
مر طفل من هنا
وكان يريد مدرسة
فأعطاه العالم امتحانًا من نار
مر طفل من هنا
وكان يريد لعبة
فأعطوه ذاكرة أثقل من عمره
مر طفل من هنا
وكان يريد أن يكبر
فكبر التاريخ في عينيه
قبل أن يكبر هو
فاسمعوا البيان
أنا لست حذاء طفل ضائع
أنا قدم الحقيقة وهي تمشي
أنا لست أثرًا على الطريق
أنا الطريق حين يشهد على الذين مروا
وإن سألتموني
متى ينتهي هذا الصراخ
سأرفع نعلي إلى السماء وأقول
حين يصبح للطفل حق الحلم
قبل حق النجاة
وحين تعرف الأرض
أن أصغر قدم فوقها
قد تكون أكبر من كل الجيوش
أنا الحذاء الذي لم يدفن
لأن الموتى كثيرون
ولأن الأشياء الصغيرة أحيانًا
تضطر أن تحمل شهادة الكبار
وقفت أمام محكمة الزمن
لا قاضي فيها إلا الضمير
ولا شهود إلا الغبار
ولا ملفات إلا وجوه الأطفال
المعلقة على جدران الذاكرة
قلت يا زمن أين كنت
حين كان طفل يركض نحو صباحه
فركض الصباح بعيدًا عنه؟
أين كنت
حين كانت أم تجمع أسماء أبنائها
كما يجمع الفقير خبزه الأخير؟
أين كنت
حين صار المهد يعرف لغة الخوف
قبل أن بعرف لغة النوم؟
أنا الحذاء
وقد رأيت ما لا تراه العيون العالية
رأيت جدارًا يظن أن الحجر ينتصر على الذاكرة
ورأيت مفتاحًا صدئًا
يفتح بابًا في قلب الغائبين
ورأيت زيتونة واقفة
كأنها أم عجوز
تحرس أسماء الذين رحلوا
رأيت طفلًا يكتب على التراب
هنا كان بيتي
ثم تمحو الريح الكتابة
فيعيد الطفل كتابتها
فتسأل الريح
لماذا تتعب نفسك
فيقول الطفل
لأن الذي لا يكتب اسمه
يكتبه الآخرون كما يشاؤون
يا أصحاب القصور الزجاجية
يا من تخافون من صوت طفل أكثر من خوفكم
من الرصاص
أنا لا أملك منصة
ولا ميكروفونًا
ولا جيشًا من الكلمات المنمقة
لكن لي نعلًا لامس الأرض
ولي غبارًا على جسدي
ولي صمتًا صار أعلى من الخطب
أنا الحذاء
وسيبقى هنا
لن ألمع نفسي
فالطين على وجهي وسام
لن أخفي شقوقي
فالشقوق خرائط الألم
لن أطلب من أحد أن يروي قصتي
فأنا قصتي
أنا أثر قدم صغيرة
مشت فوق أرض كبيرة
لكنها حملت في خطوتها
ما عجزت عنه قرون
أن تقول للعالم
إن الطفل ليس رقمًا
وإن الوطن ليس ورقة
وإن الكرامة ليست خطابًا يلقى
بل قدم صغيرة
ترفض أن تمحى
هذا بياني الأخير
أنا لست حذاء طفل مات في الطريق
أنا حذاء طفل
ترك الطريق حيًا
أنا لست شاهدًا على النهاية
أنا شاهد على البداية
فمادام في الأرض طفل
يرسم بيتًا على ورقة
فمادام في السماء طائر
يعرف طريق العودة
فمادام في التراب بذرة
تقاوم الحجر
فلن تكون الحكاية قد انتهت
ضعوني في متحف إن شئتم
علقوني على جدار إن شئتم
سموني أثرًا قديمًا إن شئتم
لكن لا تنسوا
الأثر الذي تتركه قدم طفل
قد يكون أعمق
من آثار الجيوش
أنا الحذاء
حذاء طفل فلسطيني
خرجت من الركام
ولم أخرج من الحكاية
ومشيت
حتى وصل صوت الخطوة
إلى آخر العالم
