جسر العلم الذي لم ينقطع: محورية التعليم في العلاقات اليمنية الروسية وضرورة تفكيك العقد التاريخية
تقاس متانة العلاقات بين الدول بمدى قدرتها على الصمود أمام تقلبات السياسة وعواصف الأزمات، وفي تاريخ العلاقات اليمنية السوفيتية، ومن بعدها الروسية، يبرز "جسر العلم والثقافة" كأقوى الروابط الإنسانية التي لم تنقطع على مدار سبعة عقود، مشكلا ركيزة أساسية لبناء وتنمية اليمن الحديث عبر تأهيل عشرات الآلاف من الكوادر البشرية في مختلف التخصصات.
ولم يكن هذا الابتعاث الأكاديمي الطويل إلى المعاهد والجامعات والأكاديميات السوفيتية ثم الروسية مجرد تبادل طلابي عابر، بل كان عملية صياغة حقيقية لنخبة وطنية قادت قاطرة البناء، حيث رفدت هذه الصروح العلمية اليمن بآلاف الأطباء والجراحين والمستشارين في تخصصات طبية دقيقة ونوعية ما زالوا يتمتعون بتميز فريد وكفاءة عالية في المنظومة الصحية اليمنية، إلى جانب المهندسين الذين وضعوا بصماتهم الجلية في شق الطرقات الجبلية الوعرة، وتصميم شبكات الكهرباء، وإدارة المشاريع الزراعية والري وغيرها من التخصصات المتنوعة ، علاوة على القيادات العسكرية البارزة التي تخرجت من الأكاديميات العسكرية العريقة وساهمت في تحديث القوات المسلحة. والمثير للاهتمام والتقدير في هذا السياق هو استمرار روسيا الاتحادية في تقديم المنح الدراسية لليمنين، والتي تزيد عن مائتي مقعد دراسي كامل سنويا شاملة كافة تكاليف التأهيل الأكاديمي، حيث تستمر موسكو في تقديم هذا الدعم بانتظام كـ "هبة روسية" كريمة وصادقة للشعب اليمني بالرغم من غياب اتفاقية رسمية ومحدثة للتبادل الثقافي بين البلدين، مما يعكس التزاما أخلاقيا وتاريخيا نبيلا يتجاوز الأطر البيروقراطية الجامدة.
ورغم هذا العطاء الروسي السخي والمستمر، فإن المتابعين للشأن اليمني يلحظون بأسف وتعجب شديدين مفارقة عجيبة ومحيرة غابت فيها الرؤية الاستراتيجية لمتخذي القرار في اليمن؛ ففي الوقت الذي تقدم فيه روسيا منحاً مجانية كاملة، يتجه الجانب اليمني لإرسال قوافل الطلاب للدراسة في دول أخرى، بل والأدهى من ذلك أنه منذ تسعينيات القرن المنصرف وحتى يومنا هذا، زار رؤساء اليمن موسكو مرات عدة في وفود رسمية خلت تماما من أي مسؤول أو وزير من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي اليمني ليرعى هذا الملف الحيوي، في حين ينشط مسؤولوا التعليم العالي في زيارات متكررة ومتعددة لبلدان أخرى يدرس فيها جل الطلاب اليمنيين برسوم دراسية وتكاليف مالية باهظة تُثقل كاهل الدولة والطلاب معاً.
إن هذا التجاهل الرسمي شبه الكامل لروسيا على المستوى الأكاديمي يضع علامات استفهام كبرى حول أسباب إغفال القناة التعليمية الأكثر نجاحا واستدامة في تاريخ اليمن الحديث، وهو الأمر الذي فوت على البلاد فرصة مأسسة هذه الهبات الروسية وتطويرها إلى بروتوكولات تعاون شاملة تلبي متطلبات العصر وتوسع آفاق الشراكة العلمية والتكنولوجية.
إن فك هذا اللغز وتفسير هذه المفارقة يتطلب الصراحة والشجاعة لتفكيك تلك "العقدة المخيمة" في عقول بعض صناع القرار والمخططين، الذين ما زالوا ينظرون إلى روسيا المعاصرة عبر مناظير الماضي الضيقة، ويربطون بينها وبين حقبة الاتحاد السوفيتي والنظام الشيوعي في تداخل ذهني غريب يجافي الواقع السياسي المعاصر. فروسيا اليوم ليست روسيا الأمس، إنها دولة اتحادية قوية تنطلق من مصالحها الوطنية وقيمها وحضورها الدولي البارز، وتفتح ذراعيها لليمن وللعالم بأسره لبناء شراكات حقيقية وتكامل اقتصادي وثقافي يقوم على أساس التعامل الندي، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة دون إملاءات أو شروط أيديولوجية.
وحري بالجانب اليمني اليوم أن يغادر مربع النظرة القاصرة والجمود الفكري، ليعيد قراءة الخارطة الدولية ببراغماتية ووعي، ويضع ملف التعليم العالي مع روسيا الاتحادية في صدارة الأجندة الدبلوماسية الرسمية، استثمارا لهذا الإرث التاريخي العظيم وتفعيلا لدور عشرات الآلاف من الخريجين الذين يمثلون اليوم سفراء حقيقيين وجسرا حيا وقوة ناعمة كفيلة بنقل العلاقات اليمنية الروسية نحو آفاق أرحب من التنمية الشاملة وتبادل المعرفة الدائمة التي تبني الأوطان.
