الثلاثاء 21 يوليو 2026

أزمة مطار أم وطن؟

هكذا أيقظت حرب مضيق هرمز، التي تشكلت جوهراً من صفحات تسوية الحسابات بين متعهدي تدوير خرائط الصراع، وفق أبجدية أبدية من قاموس من بيديه مفاتيح النصر المبين للعهد الجديد، عهد نتنياهو - ترامب، تحت مظلة "أمريكا أولاً"، وتحت أمرتها تنطوي بقية المظلات، تؤدي فروض الطاعة لثنائي نكبة الكون: نتنياهو... ترامب. فالكون لم يعد يتسع للاعبين جدد. أمريكا أولاً، وإسرائيل الكبرى، تمد أجنحة بساط الريح على منطقة الثروة والنفط والغاز، ولعبة الإبراهيمية. وقد كان ما كان من غزو إيران عبر مسلسل لاس فيغاس الممل القاتل لأوضاع العالم، فلا ساحة تهدأ، ولا سلاسل إمداد يستقيم أمر روحها، ولا أسواق نفط وغاز تستقر.

هي إذن الحرب المقدسة، تُشن من اتجاهين: الاتجاه الصهيو-أمريكي، واتجاه النار المقدسة تحمل شعلتها دولة الملالي. هكذا أدار نتنياهو العالم خلال الستة الأشهر الماضية، والآتي ألعن، وتأتي ثالثة الأثافي لتلقي بجحيم نيرانها، لتحرق ما تبقى من أغصان شجيرات لم تحرقها بعد الحرب التي دارت رحاها ببلادنا طيلة الأحد عشر عاماً الماضية. لم يجنِ منها اليمن وشعبه، شمالاً وجنوباً، غير الدمار والتشتت والانهيار الكلي، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

وإذا ببرنامج الإنقاذ يأتي على غير هوى البلاد وشعبها، الباحث عن:

- دولة مواطنة حقيقية يفتقد وجودها.

- استعادة لسيادة صودرت مفاتيحها بيد الغير.

- غياب أي ملامح لمشروع وطني متكامل الأركان، سياسياً واقتصادياً، تتوافق عليه الإرادات الوطنية.

لكن السؤال هنا يتبادر إلى الذهن: عن أي إرادة وطنية تتحدث يا هذا؟! وقد تفرق الجمع، وتمزقت أواصر اللحمة الوطنية، وبات الوطن مبعثراً بعيد انقلاب صادر، بلحظة فارقة، كيان دولة متعب. أقصد هنا انقلاب أنصار الله على ما توافق عليه الجمع الوطني غداة مؤتمر الحوار، وشاركه بالجرم من تواطأ وقبض الثمن.

اليوم، والبلد منهك حتى الثمالة، جماعة بصنعاء لها قداسها الخاص، وطقوس تؤدى حسب إشارات ولي الفقيه بطهران، وجماعة معلق أمرها لدى فاتح أبواب إقامتها الدائمة خارج أرض الوطن المنهك المبعثر. وبين جناحي بلقيس الممزق ريشه بين طهران والرياض، ودهاليز أمم متحدة عجوز، ولجنة رباعية حساباتها تنطبق عليها مقولة: "حسابات الحقل تتخالف مع حسابات البيدر".

وبين هذا الغث كله، لا تخلو خارطة أزمة بلادنا اليمن من جدارية ثنائي إخوة التحالف، التي توصلت بخلافاتها ومنهجية أنانية مصالحها المتعارضة داخل بلادنا أولاً، وأوصلتنا إلى ما نحن فيه، ولا نزال نكتوي بناره، حتى بعد احتراق مركب الإمارات - الانتقالي، لكن ما تزال شظاياه مشتعلة هنا أو هناك، خاصة مع تضعضع أوضاع الشرعية، التي تضعفها تباينات شتى، للأسف الشديد.

ضمن هذه اللوحة الملتهبة، القابلة للاشتعال لتحرق ما تبقى من زرع لم يحترق في بلادنا، تمد طهران ألسنة نيرانها بين هرمز وباب المندب، وليلج اليمن السعيد أتون الحرب بما تبقى له من جسد هزيل، وكأن ساكنيه ينتظرون خارطة حل سياسي شامل، نأمل ألا تكون على غرار ما لحق بجثمان الراحل محمد قحطان، ولكن نريده على شاكلة مشروع لخارطة حل سياسي متكامل، عبر مراحل انتقالية تبدأ بطي ملف الحرب، والتمهيد لمعالجة كافة الملفات الأكثر تعقيداً، بدءاً من التفاهم وطنياً على ضرورة وجود كيان وطني... دولة... تضم شمل الجميع.

لكننا نفاجأ بأن ما أتى وأطل، أتى مخيباً للآمال، حاملاً عنوان افتعال أزمة مطار صنعاء. والقول الأكيد: الأمر ليس أزمة مطار صنعاء، لكن أزمة وطن مغلق بالأغلال، تتنازعه رغبات شتى ما أنزل الله بها من سلطان.

أيها السادة...

المطار جزء من أزمة وطن، وحلها يكتمل بالتوجه وطنياً لتبني مشروع وطني يقوم ويستند إلى ضرورة الإيمان بالمبادئ الآتية:

- استعادة الدولة عبر مشروع وطني، الكل يدرك ما هي عناصر هذا المشروع، لا تفرد فيه لقوة بعينها مهما كانت.

- الوطن ملك لجميع أبنائه، متاحة حرية انتقال وتنقل أبنائه دونما قيود.

- الأشقاء وباقي العالم عوامل مساعدة، لها مع بلادنا مصالح مشتركة، يكيفها مشروع وطني متوافق عليه.

- لم يعد مجزياً ولا نافعاً للبلد وشعبه دق طبول الحرب وإعمال مبدأ التحدي.

وضع بلادنا يستدعي من أهل الحل والعقد التفكير ملياً. شعب يُقتل، وواقع يتشرذم، وموارد تُنهب وتُسلب، وإن ما يلوح بالإقليم من معارك حرب تُقاد إليها بلادنا لا مصلحة لنا فيها. ما يجري من معارك كونية تستهدف إعادة رسم خرائط الجغرافيا والمصالح على مستوى العالم، والجزيرة والخليج، ضمن منولوج الحرب الإيرانية - الأمريكية - الصهيونية، لها مساقاتها الكونية، ونحن الطرف الخاسر إن لم نحسن قراءة من أين علينا أن نقرأ جيداً مخاطر ما يخطط للمزيد من تدمير ما تبقى من جسد بلد منهك وممزق.

ونقول: هل بات على العقلاء أن تبقى عقلاء لوأد فتنة أشد وأعتى مما سبق؟

وهنا أطرح العناوين التالية لخارطة طريق لا بد منها:

- هناك ضرورة تاريخية ومستقبلية للاهتمام والتبني لما يُطرح من أفكار ومبادرات تقدم بها كل من الأخ الرئيس علي ناصر محمد، وكذا رؤية طرحها الأستاذ يحيى حسين العرشي، وكذا ما سبق طرحته ورقة أعضاء لجنة السلام عبر الأخ العزيز عبدالباري طاهر وآخرون، إلى جانب ما بات يُطرح بمدينة عدن من أفكار حول تبني خيار الدولة الاتحادية، مع التأكيد بشكل قاطع بأن محور حل القضية الجنوبية، بشكل أساس، يشكل نجاحاً للخروج مما تمر به بلادنا.

إذن، أزمة مطار صنعاء هي أزمة الرواتب، وأزمة الكهرباء، وأزمة كل العناوين. المسألة أبعد وأعمق وأشمل من أزمة مطار صنعاء؛ إنها أزمة بلد وشعب طال أمد انتظار حلها حلاً توافقياً وطنياً، شمالاً وجنوباً. عدا ذلك تدليس، وضحك على الذقون، وهو أمر لا نوده في هذه اللحظة الأخطر من تاريخ بلادنا المشتت أمرها.