الإثنين 20 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • 18يوليو: اليوم العالمي لنلسون مانديلا

18يوليو: اليوم العالمي لنلسون مانديلا

18يوليو: اليوم العالمي لنلسون مانديلا

احتفلت جمهورية جنوب افريقيا ومعها شعوب كثيرة في ١٨ يوليو من باليوم العالمي لنلسون مانديلا قائدها الراحل في مقاومة نظام الأبارتهايد العنصري الذي هزم عام ١٩٩٤.

خلال نضاله وسجنه لـ٢٧ عاما تعرض مانديلا لشتى صنوف التعذيب على يد العنصريين البيض وكان أحد سجانيه يتبول على رأسه. المخابرات المركزية الامريكية التي كانت ترى أن مانديلا " إرهابيا وشيوعيا" ، التي لاتزال ترى في كل مقاوم عربي للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان إرهابيا، هي التي وشت بمكان اختفائه إلى مخابرات جنوب افريقيا. بعد القضاء على النظام العنصري تسامح مانديلا مع سجانيه وظل وفيا لمبادئه ومنها دعمه العلني الثابت لقضية فلسطين في وجه انتقادات إعلامية غربية نيابة عن دولة الاحتلال التي خشيت من نفوذه الأخلاقي في افريقيا وفي العالم ككل وقدراته على تحويل الرأي العام الدولي باتجاه بوصلة فلسطين. لايستبعد كاتب هذه السطور أن مانديلا تعرض لضغوط غربية لتعديل موقفه من الصراع العربي- الصهيوني ولكنه برر وقاوم .

صورة   التقطت يوم أمس في ميدان الطرف الأغر  بلندن
صورة التقطت يوم أمس في ميدان الطرف الأغر بلندن

لم تكن حرية جنوب افريقيا بدون تنازلات مؤقتة فرضتها موازين قوى محلية ودولية ومراعاة مصالح جنوب افريقيا على المدى البعيد، إذ طلب من مانديلا :

١- التخلص من السلاح النووي لأن الغرب لايريد لدولة افريقية فتية أن تمتلك سلاحا نوويا وهو الذي لم يعترض على امتلاك النظام العنصري لهذا السلاح ولا على تعاونه النووي الوثيق مع الدولة العنصرية التوأمفي فلسطين المحتلة.

٢- القبول المؤقت ل"نحن في السلطة ولكننا لانحكم "،على حد قول وزير الدولة للشؤن الخارجية لجنوب افريقيا لي أثناء مؤتمر وزراء خارجية عدم الانحياز في نيودلهي عام ١٩٩٧.

٣- قبول معادلة السود في السلطة مقابل استمرار سيطرة البيض على الاقتصاد والجيش والأمن الخ... اقتصاديا كان إنهاء النظام العنصري مصلحة صافية للبيض إذ فتحت أسواق افريقيا للرأسمالية البيضاء لتستثمر وتتاجر مع قارة بكاملها ثم في العالم الثالث كله.

الإرهابي والبطل:

لم يكن قبول "الإرهابي"! مانديلا وتحوله إلى أيقونة نضالية وبطل عالمي بدون أثمان من أبرزها عدم المساس بمصالح الأقلية البيضاء الاقتصادية وتأجيل حل الصراع على الأراضي التي اغتصبها البيض من مالكيها السود حتى عام ٢٠١٥.بهذا الصدد تحدث الرئيس ثابو امبيكي في لندن عام ٢٠٠٥ أمام جمع لايزيد عن ثمانية وعشرين شخصا كنت من بينهم عن هذه المعضلة وصعوبة إيجاد حل يرضي طرفي الخلاف حولها وكان في ذهنه أمران أولهما انحياز الغرب المسبق لمصالح البيض وثانيهما ماعانته زيمباوي ورئيسها روبرت موجابي من عقوبات وعزلة دولية ألحقت أضرارا مدمرة باقتصادها عندما قررت إعادة ملكية الأراضي إلى أصحابها السود.

مانديلا الواقعي:

وفقا لمجلة افريقيا الجديدة،, New Africa عدد يناير ٢٠١٧ تخلى مانديلا عن الاشتراكية لأن التمسك بها كان يعني الدخول في صراع مع الأقلية البيضاء ومع الغرب كان في غنى عنه و طبقا لها فإنه بعد حضوره لأول مرة مؤتمر دافوس أعلن طلاقه للاشتراكية. سبق مانديلا آخرين باختيار النظام الاقتصادي الذي لايعرض شعبا عانى كثيرا من البطالة والفقر والتمييز لمزيد من المتاعب في ظل نظام دولي ظالم تطلعت فيه الأغلبية السوداء إلى تحقيق عدالة ولو ناقصة وقد واجه مانديلا معارضة من داخل المؤتمر الوطني الافريقي الحاكم لم تقبل تلك التنازلات وتمكن من التغلب عليها.

مانديلا وعبدالناصر:

وفقا لنفس المصدر السالف الذكر فقد ظل مانديلا يشعر بالحسرة لعدم لقائه بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر وفي رأيي أن البيروقراطية المحيطة به إما أنها سوفت أواستصغرت مكانة مانديلا حينذاك. كتابات مصرية زعمت أن عبد الناصر استقبله وأخرى قالت بأنه لضيق وقت مانديلا لم ينتظر حتى يكون لدى عبد الناصر الوقت لاستقباله. الأستاذ محمد فايق رسول عبد الناصر إلى افريقيا والذي لم ينس قادتها دوره ودور عبد الناصر في افريقيا آثر في مذكراته" مسيرة تحرير" عدم الخوض في هذا الموضوع الخلافي ومع هذا فإن المجلة تؤكد أن مانديلا ظل يشعر بأن شيئا ناقصا في حياته قد حدث إما لعدم لقائه بعبد الناصر قائد مسيرة تحرير افريقيا من العنصرية والاستعمار أو لتجاهله من بيروقراطية لم يكن عبد الناصر على علم بقرار اتخذته من وراء ظهره.

وبرغم هذا فقد ظل مانديلا وفيا لقضية فلسطين وللقضايا العربية وسار على دربه من خلَفه حتى اليوم. جنوب افريقيا هي التي تبنت تحقيق العدالة للفلسطينيين وفق القانون الدولي والحصول على إدانة دولية من محكمة الجنايات الدولية لحرب الإبادة في غزة وتوقيف رئيس الوزراء الفاشي نتنياهو ووزير القتل يوآف جالانت واعتقالهما ومحاكتهما كمجرمي حرب من قبل المحكمة.

إرث مانديلا في اليمن:

تعد تجربة جنوب افريقيا في العدالة الانتقالية رائدة من بين عدة تجارب أخرى ناجحة منها تشيلي والمغرب. أثناء انعقاد جلسات مؤتمر الحوار الوطني كان تنظم على هامشها أنشطة أخرى على صلة بالمستقبل المنشود ليمن خالية من المظالم والفساد وكان على رأسها العدالة الانتقالية لطي صفحة وفتح صفحة جديدة تساعد على التئام الجراح وبناء نظام جديد يؤسس على احترام الإنسان وحقوقه وحكم القانون. تواجدت في صنعاء شخصيتان من جنوب افريقيا، إحداهما من اصول أسيوية تمثل الملونين والأخرى بيضاء من نظام الابارتهايد السابق لنقل تجربة جنوب افريقيا في العدالة الانتقالية إلى اليمن ومما قاله أحدهما بحضور الآخر وموافقته أنهما في ظل نظام الابارتهايد كان كلا منهما يريد قتل الآخر ولكنهما الآن متعايشان ويعملان في إطار نظام غير عنصري يصون ويحمي حقوق الجميع.

اليمنيون اليوم وغدا وإلى الأبد بحاجة إلى التصالح والتسامح والقبول بالآخر وبمساواة اجتماعية وقانونية فعلية وليست خطابية واستلهام تجربة جنوب افريقيا وغيرها في العدالة الانتقالية وليس الانتقائية التي ناقشها مجلس النواب عام ٢٠١٣.