الثلاثاء 4 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • البلاستيك الذي لا نراه: من مجاري السيول إلى أجساد الإنسان

البلاستيك الذي لا نراه: من مجاري السيول إلى أجساد الإنسان

حين بدأت العمل في ألمانيا على أحد المشاريع كان مشروع بحثي لاستشعار جسيمات البلاستيك الدقيقة عند حدود الميكرومتر والنانومتر، كنت أتعامل في البداية مع مسألة علمية وتقنية: كيف يمكن اكتشاف جسيمات بالغة الصغر لا تستطيع العين البشرية رؤيتها؟ وكيف يمكن التمييز بين جزيء بلاستيكي وحبة غبار أو مادة عضوية أو معدنية؟ ثم كيف يمكن، بعد اكتشاف هذه الجسيمات، فصلها عن الماء ومعالجتها والتخلص منها بطريقة لا تعيدها إلى البيئة؟

جسيمات البلاستيك الدقيقة- رويترز
جسيمات البلاستيك الدقيقة- رويترز

لكن كلما تعمقت في المشروع، اتضح لي أن الموضوع أكبر بكثير من تجربة مختبرية أو جهاز استشعار. نحن أمام قضية بيئية وصحية واقتصادية تمس حياة كل إنسان، لأن البلاستيك الذي نتخلص منه اليوم لا يختفي، بل يتحول مع مرور الزمن إلى أجزاء أصغر فأصغر، ثم يعود إلينا في الماء والغذاء والهواء والتربة.

يُعرَّف الميكروبلاستيك عادة بأنه جسيم بلاستيكي يقل حجمه عن خمسة مليمترات، بينما يُستخدم مصطلح النانوبلاستيك لوصف الجسيمات الأشد صغراً، وإن كانت الحدود الدقيقة لتعريفه لا تزال تختلف بين المؤسسات العلمية. ولا تقتصر مصادر هذه الجسيمات على تحلل الأكياس والعبوات البلاستيكية، بل تشمل أيضاً ألياف الملابس الصناعية، وتآكل إطارات السيارات، والدهانات، وحبيبات البلاستيك الخام المستخدمة في الصناعة، وبعض المنتجات الزراعية والصناعية.

عالم ينتج أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك سنوياً

لفهم حجم المشكلة، يكفي أن ننظر إلى الأرقام. يقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن البشرية تنتج أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك كل عام، وأن نحو ثلثي هذه الكمية يدخل في منتجات قصيرة العمر، تُستخدم لفترة محدودة قبل أن تتحول سريعاً إلى نفايات. وهذه الكمية تعني أن العالم لا يواجه مجرد مشكلة أكياس متناثرة، بل تدفقاً مستمراً لمئات الملايين من الأطنان من المواد التي يمكن أن تبقى في البيئة لعقود طويلة.

وتظهر تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي من أكثر التقديرات العالمية شمولاً، أن إنتاج البلاستيك ارتفع من 234 مليون طن عام 2000 إلى نحو 460 مليون طن عام 2019، بينما وصل حجم النفايات البلاستيكية في العام نفسه إلى 353 مليون طن. وبعد احتساب الفاقد أثناء عمليات التدوير، لم يُعد تدوير سوى نحو 9 في المئة من النفايات البلاستيكية عالمياً، بينما أُحرق 19 في المئة، ودُفن ما يقارب نصفها في مطامر صحية، وبقي نحو 22 في المئة في المكبات غير المنضبطة أو تعرض للحرق المكشوف أو التسرب إلى البيئة.

وقد تبدو نسبة البلاستيك التي تصل مباشرة إلى المحيطات صغيرة مقارنة بإجمالي الإنتاج، لكنها تظل ملايين الأطنان كل عام، وتتراكم فوق ما دخل البيئة في الأعوام السابقة. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن ما بين 19 و23 مليون طن من النفايات البلاستيكية يتسرب سنوياً إلى النظم المائية، بما يشمل البحيرات والأنهار والبحار.

وتختلف تقديرات الكمية التي تصل فعلياً إلى المحيطات بحسب طريقة القياس وتعريف التسرب. فبعض النماذج الأكثر تحفظاً تقدر أن نحو 1.7 مليون طن تُنقل سنوياً إلى المحيط، منها قرابة 1.4 مليون طن عبر الأنهار ونحو 300 ألف طن من المناطق الساحلية، بينما يبقى جزء كبير من البلاستيك المتسرب متراكماً داخل الأنهار والبحيرات وعلى ضفافها قبل أن يصل إلى البحر في سنوات لاحقة. وهذا الاختلاف بين التقديرات لا ينفي المشكلة، بل يكشف صعوبة تتبع البلاستيك بعد انتشاره وتفتته.

كيف يتحول الكيس البلاستيكي إلى جسيم يصل إلى جسم الإنسان؟

عندما تُرمى الأكياس والعبوات والمنتجات البلاستيكية في الشوارع أو الأودية أو مكبات النفايات المكشوفة، فإنها تتعرض لأشعة الشمس والحرارة والاحتكاك والرياح والأمطار والسيول. لا تحول الأمطار البلاستيك مباشرة إلى جسيمات نانوية، لكنها تنقله من مكان إلى آخر وتزيد احتكاكه بالصخور والرمال والمنشآت، بينما تؤدي الأشعة فوق البنفسجية والتغيرات الحرارية والعوامل الميكانيكية إلى إضعاف بنيته وتفتته تدريجياً.

وهكذا يتحول المنتج الكبير إلى قطع صغيرة، ثم إلى ميكروبلاستيك، وقد تستمر عملية التفتت حتى تتكون جسيمات في نطاق النانومتر. وتتحرك هذه الجسيمات عبر الأنهار ومياه الصرف والتربة والهواء، وقد تدخل السلسلة الغذائية عندما تبتلعها الأسماك والكائنات البحرية، أو تختلط بمياه الري، أو تترسب على النباتات والمحاصيل، أو تنتقل من عبوات الأغذية والمياه إلى محتوياتها.

إنها دورة تلوث كاملة: ننتج البلاستيك، ونستخدم بعضه لدقائق أو ساعات، ثم نرميه، فيبقى في البيئة سنوات طويلة، قبل أن يعود إلينا في صورة جسيمات لا نراها ولا نشعر بدخولها إلى أجسادنا.

من التربة ومياه الشرب إلى المائدة

لم يعد التلوث البلاستيكي محصوراً في البحار والشواطئ. فقد رُصدت جسيمات الميكروبلاستيك في مياه الشرب المعبأة ومياه الصنابير ومصادر المياه العذبة، مع اختلاف كبير في النتائج بحسب طرق أخذ العينات وحجم الجسيمات التي تستطيع الأجهزة قياسها. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه الجسيمات موجودة في دورة المياه، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن البيانات المتاحة لا تزال غير كافية لإصدار حكم قاطع بشأن حجم الخطر الصحي الناتج عن المستويات الموجودة في مياه الشرب.

كما تؤكد هيئة سلامة الغذاء الأوروبية أن الميكروبلاستيك والنانوبلاستيك الموجودين في البيئة يمكن أن يدخلا السلسلة الغذائية، وأن جسيمات بلاستيكية رُصدت في أصناف مختلفة من الأغذية والمشروبات، من بينها بعض المأكولات البحرية واللحوم والعسل والخضراوات والملح والبيرة ومياه الشرب. ومع ذلك، فإن مجرد رصدها في الغذاء لا يحدد تلقائياً مقدار ما يمتصه الجسم أو الأثر الصحي الناتج عنه، وهي جوانب لا تزال تحتاج إلى دراسات أكثر دقة.

أما التربة، فهي الحلقة التي لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به البحار، رغم أنها الأساس الذي نزرع فيه غذاءنا. وقدّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن سلاسل الإنتاج الزراعي استخدمت عام 2019 نحو 12.5 مليون طن من المنتجات البلاستيكية في الزراعة والإنتاج الحيواني، إضافة إلى 37.3 مليون طن في تغليف الأغذية. وتشمل مصادر التلوث في الأراضي الزراعية أغطية التربة البلاستيكية، وأنابيب الري، والبيوت المحمية، والعبوات، والحمأة المستخدمة في بعض عمليات التسميد، والنفايات المتروكة في الحقول.

وقد تؤثر الجسيمات البلاستيكية في خصائص التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالماء وحركة الهواء داخلها والكائنات الدقيقة والديدان التي تحافظ على خصوبتها. كما يمكن أن تتحرك بعض الجسيمات عبر مياه الري أو تلتصق بالنباتات أو تنتقل عبر السلسلة الغذائية. ولا تزال كمية ما يصل منها إلى الأجزاء الصالحة للأكل من المحاصيل، وآثارها الصحية طويلة المدى، من المجالات التي تحتاج إلى مزيد من البحث، لكن ذلك لا يبرر ترك التربة تتحول إلى مخزن دائم للنفايات البلاستيكية.

البلاستيك لم يعد خارج أجسادنا

أظهرت دراسات بشرية خلال الأعوام الأخيرة وجود جسيمات أو مكونات بلاستيكية في عينات من الدم والمشيمة وحليب الأم والأنسجة القلبية والشرايين والدماغ والكبد والكلى. وقد كشفت إحدى الدراسات عن وجود عدة أنواع من البوليمرات البلاستيكية القابلة للقياس في دم متطوعين أصحاء، وإن كان عدد المشاركين محدوداً ولا يسمح بتعميم مستوى التعرض على جميع السكان.

كما رُصدت جسيمات ميكروبلاستيكية في المشيمة البشرية، بما في ذلك أجزاء من الجانب الأمومي والجنيني والأغشية المحيطة بالجنين. وكشفت دراسات أخرى عن وجودها في حليب بعض الأمهات المرضعات، وهو أمر يستدعي البحث الجاد في مصادر تعرض الأم خلال الحمل والرضاعة، لكنه لا يعني الدعوة إلى وقف الرضاعة الطبيعية؛ ففوائدها الصحية المثبتة كبيرة، والمطلوب هو تقليل التلوث الذي تتعرض له الأم والطفل.

وفي دراسات على مرضى خضعوا لجراحات قلبية، عُثر على أنواع مختلفة من الميكروبلاستيك في بعض أنسجة القلب والأنسجة المحيطة به وفي عينات من الدم الوريدي. كما كشفت دراسة منشورة عام 2025 عن وجود مكونات ميكروبلاستيكية ونانوبلاستيكية في عينات من الدماغ والكبد والكلى لأشخاص متوفين، مع تسجيل تراكيز أعلى في أنسجة الدماغ ضمن العينات المدروسة.

ومع ذلك، يجب التعامل مع هذه النتائج بدقة. فتقنيات قياس الجسيمات البلاستيكية شديدة الحساسية لتلوث العينات، كما تختلف النتائج باختلاف طرق الاستخلاص والتحليل والحد الأدنى لحجم الجسيم الذي يستطيع كل جهاز اكتشافه. إن وجود البلاستيك في نسيج بشري يثبت حدوث التعرض والوصول إلى الجسم، لكنه لا يثبت وحده أن الجسيمات تسببت في مرض محدد.

هل تسبب هذه الجسيمات السرطان والجلطات؟

من الضروري التمييز بين الخطر المؤكد والضرر الذي لا يزال قيد البحث. المؤكد هو أن التلوث البلاستيكي واسع الانتشار، وأن البشر يتعرضون للجسيمات عبر الغذاء والماء والهواء، وأنها رُصدت في سوائل وأنسجة بشرية متعددة. أما القول إن الميكروبلاستيك هو السبب المباشر والمثبت لانتشار السرطان أو جميع الجلطات وأمراض الكبد والكلى، فلا تدعمه الأدلة البشرية المتاحة حتى الآن بدرجة تسمح بإصدار حكم قاطع.

تشير تجارب الخلايا والحيوانات إلى آليات محتملة للضرر، تشمل الالتهاب والإجهاد التأكسدي واضطراب أغشية الخلايا والتأثير في المناعة والاستقلاب ووظائف الأوعية الدموية. وتزداد المخاوف عندما تكون الجسيمات شديدة الصغر، أو حادة الحواف، أو محملة بمواد كيميائية مضافة أو ملوثات التصقت بسطحها.

ومن أبرز النتائج البشرية دراسة نُشرت عام 2024، ووجدت أن المرضى الذين رُصدت جسيمات بلاستيكية في اللويحات المستأصلة من شرايينهم السباتية تعرضوا خلال المتابعة لمعدل أعلى من مجموعة أحداث شملت النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة، مقارنة بالمرضى الذين لم تُرصد الجسيمات في لويحاتهم. لكن الدراسة رصدية، ولذلك تثبت وجود ارتباط مهم يستحق البحث، ولا تثبت بمفردها أن الجسيمات كانت السبب المباشر في تلك الأحداث.

وفي تجارب حيوانية، شوهدت خلايا مناعية ابتلعت جسيمات بلاستيكية ثم علقت داخل أوعية دموية دقيقة في أدمغة الفئران، ما أدى إلى انخفاض تدفق الدم وظهور اضطرابات عصبية وحركية. وتقدم هذه النتائج آلية محتملة لفهم بعض الأضرار، لكنها لا تسمح بالجزم بأن الظاهرة تحدث بالطريقة نفسها أو بالدرجة نفسها في الإنسان.

الموقف العلمي المسؤول ليس الإنكار ولا التهويل. فلا يجوز أن نقول إن الخطر غير موجود لمجرد أن جميع التفاصيل لم تُحسم، كما لا يجوز أن ننسب كل سرطان أو جلطة أو مرض مزمن إلى البلاستيك دون دليل. القاعدة الصحيحة هي تطبيق مبدأ الوقاية: عندما يكون التعرض واسعاً، والملوث شديد الاستمرار، وإمكانات الضرر البيولوجي قائمة، يصبح تقليل التعرض ومنع التلوث واجباً، حتى مع استمرار البحث في حجم المخاطر الصحية الدقيقة.

الاستشعار يكشف المشكلة، لكنه لا يحلها وحده

لقد أتاح لي العمل على مشروع استشعار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة أن أدرك أهمية تحويل التلوث غير المرئي إلى بيانات يمكن قياسها. لكن أجهزة القياس، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها تنظيف الأنهار والتربة والبحار، ولا تستطيع منع المستهلك من رمي العبوة في الشارع، أو إلزام المصنع باسترجاع نفايات منتجاته.

أما الإزالة الفعلية، فتحتاج إلى سلسلة متكاملة تبدأ بمنع وصول النفايات الكبيرة إلى الأودية وشبكات الصرف، وتركيب المصافي والحواجز عند قنوات تصريف مياه الأمطار، ثم استخدام عمليات التخثير والتلبيد والترسيب والترشيح في محطات المياه. ويمكن إضافة الأغشية الدقيقة والفائقة والتقنيات المتقدمة عندما يكون المطلوب التقاط الجسيمات الأصغر.

لكن المعالجة لا تنتهي عند فصل الجسيمات من الماء. فإذا جُمعت في الحمأة ثم نُقلت إلى أرض زراعية أو تُركت في مكب مكشوف، نكون قد نقلنا المشكلة من الماء إلى التربة. لذلك يجب أن تتضمن كل عملية معالجة خطة آمنة للتعامل مع المخلفات النهائية، ومنع تسربها مجدداً إلى البيئة.

الفرز وإعادة التدوير: ما الذي تفعله الدول المتقدمة؟

تقوم أنظمة إدارة النفايات الأكثر تقدماً على مبدأ بسيط: لا تنتظر حتى تختلط جميع المخلفات في كيس واحد ثم تحاول إنقاذها. يبدأ العمل بفرز النفايات من المصدر، بحيث توضع المواد العضوية والبلاستيك والمعادن والزجاج والورق في مسارات منفصلة، ثم تُنقل إلى منشآت مخصصة للفرز والتنظيف وإعادة المعالجة.

كما تستخدم دول كثيرة أنظمة استرجاع العبوات مقابل مبلغ مالي، ورسوم الطمر والحرق، ومسؤولية المنتج الممتدة، التي تلزم الشركات بالمساهمة في جمع منتجاتها وتدويرها بعد انتهاء استخدامها. وتحدد بعض القوانين نسباً إلزامية من المواد المعاد تدويرها داخل العبوات الجديدة، وهو ما يخلق سوقاً حقيقية للبلاستيك المسترجع بدلاً من تركه بلا قيمة اقتصادية.

ومع ذلك، يجب ألا نتصور أن الدول المتقدمة حلت المشكلة نهائياً. فقد بلغ معدل إعادة تدوير نفايات العبوات البلاستيكية في الاتحاد الأوروبي نحو 42.1 في المئة عام 2023، وهو معدل أعلى بكثير من المتوسط العالمي، لكنه يعني أيضاً أن أكثر من نصف العبوات البلاستيكية لم يُعد تدويرها. كما تختلف المعدلات بين دولة وأخرى بحسب القوانين والبنية التحتية وتصميم المنتجات.

إن نجاح إعادة التدوير يتطلب فرزاً جيداً، وجمعاً منتظماً، ومنع خلط البلاستيك بالنفايات العضوية والطبية والخطرة، وتصميم المنتجات بطريقة تسهل تفكيكها وتدويرها. فالعبوة المكونة من طبقات متعددة وأصباغ ومواد لاصقة مختلفة قد تكون صعبة التدوير، حتى لو وضع عليها رمز يوحي بإمكان إعادة تدويرها.

ولذلك فإن إعادة التدوير ليست تصريحاً للاستمرار في إنتاج كميات غير محدودة من البلاستيك. الأولوية الصحيحة هي تقليل الاستخدام غير الضروري، ثم إعادة الاستخدام، ثم إعادة التدوير، وأخيراً التخلص الآمن من الجزء الذي لا يمكن استرداده.

بدائل البلاستيك الصديقة للبيئة

يجب تشجيع استخدام البدائل التي تقلل الضرر البيئي، مثل العبوات الزجاجية والمعدنية القابلة لإعادة التعبئة، والأكياس القماشية المتينة، والورق والألياف النباتية في الاستخدامات المناسبة، وأنظمة البيع وإعادة التعبئة التي تقلل الحاجة إلى العبوات أحادية الاستعمال.

لكن وصف أي منتج بأنه «قابل للتحلل» أو «صديق للبيئة» لا يكفي. فبعض أنواع البلاستيك القابل للتحلل تحتاج إلى درجات حرارة ورطوبة محددة داخل منشآت صناعية، وقد لا تتحلل في البحر أو التربة المفتوحة كما يتوقع المستهلك. لذلك يجب تقييم البدائل على أساس دورة حياتها الكاملة: مصدر المادة، والطاقة المستخدمة في تصنيعها، وعدد مرات إعادة استخدامها، وإمكان جمعها وتدويرها أو تحويلها إلى سماد بصورة آمنة.

البديل الأفضل ليس دائماً منتجاً جديداً أحادي الاستعمال مصنوعاً من مادة أخرى، بل قد يكون نظاماً يسمح بإعادة استخدام العبوة عشرات المرات. وقد خلص برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن تقليل الاستخدامات غير الضرورية، وتوسيع أنظمة إعادة الاستخدام، وتحسين التدوير، والتحول إلى بدائل مناسبة، يمكن أن يخفض التلوث البلاستيكي عالمياً بدرجة كبيرة باستخدام حلول متاحة بالفعل.

القوانين ليست ترفاً

لا يمكن ترك هذه القضية للنوايا الحسنة وحدها. المطلوب قوانين واضحة تمنع رمي النفايات في الأودية وقنوات السيول، وتفرض غرامات قابلة للتنفيذ، وتلزم الأسواق والمصانع بتقليل الأكياس والعبوات أحادية الاستخدام، وتحمّل المنتجين والمستوردين مسؤولية جزء من تكاليف الجمع والمعالجة.

كما يمكن فرض رسوم على الأكياس البلاستيكية الرقيقة، ووضع نظام لاسترجاع العبوات، وتحديد مواصفات للمنتجات القابلة لإعادة التدوير، وإلزام المنشآت الكبرى بفرز نفاياتها، ومنع الحرق المكشوف للبلاستيك، وتنظيم عمل جامعي النفايات والعاملين في القطاع غير الرسمي بدلاً من تجاهلهم.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأدوات الأكثر فاعلية تشمل الفرز من المصدر، ومسؤولية المنتج الممتدة، وأنظمة الوديعة والاسترجاع، ورسوم الطمر والحرق، وفرض نسب من المواد المعاد تدويرها في المنتجات الجديدة.

في اليمن: السيول تحمل أمام أعيننا إنذاراً بالمستقبل

في اليمن، لا أحتاج في موسم الأمطار إلى تقرير دولي كي أشعر بحجم الخطر. يكفي أن أنظر إلى مجاري السيول بعد هطول المطر، فأرى الأكياس والعبوات والقوارير وقطع البلاستيك متجمعة داخل القنوات، أو مندفعة مع المياه من الأحياء إلى الأودية، ومن الأودية إلى الأراضي الزراعية والسواحل.

هذا المنظر يجعلني أشعر دائماً بالعواقب الوخيمة التي قد نواجهها. فما نراه اليوم قطعاً كبيرة يمكن التقاطها باليد، قد يتحول بعد أشهر أو سنوات إلى جسيمات دقيقة لا يمكن جمعها بسهولة، ثم ينتقل إلى التربة والآبار والبحر والأسماك والغذاء.

وتؤكد وثائق حديثة لمشروعات إدارة النفايات في صنعاء أن النفايات لا تُفصل من المصدر، وأن إعادة تدوير المعادن والبلاستيك تتم غالباً بصورة غير رسمية، وأن تراكم النفايات في الأحياء الطرفية وقنوات التصريف يمثل خطراً بيئياً وصحياً يزداد خصوصاً أثناء هطول الأمطار. وهذه ليست ملاحظة عابرة، بل وصف لمشكلة تحتاج إلى استجابة عملية قبل كل موسم أمطار.

نحن ندرك أن بلادنا تمر بظروف حرب وأزمة إنسانية واقتصادية شديدة، وأن السلام والغذاء والدواء والماء الآمن تمثل أولويات قصوى لا يختلف عليها أحد. وتشير خطة الاحتياجات الإنسانية لعام 2026 إلى أن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدة والحماية، وأن انعدام الأمن الغذائي ونقص خدمات المياه والصرف الصحي ما يزالان من أشد التحديات.

لكن حماية البيئة ليست قضية منفصلة عن الغذاء والصحة والسلام. عندما تسد النفايات قنوات التصريف، فإنها تزيد أخطار الفيضانات وتجمع المياه الراكدة وانتشار الحشرات والأمراض. وعندما تصل النفايات إلى الأراضي الزراعية والآبار والسواحل، فإنها تهدد الغذاء والماء ومصادر رزق الصيادين والمزارعين. وعندما تُحرق النفايات البلاستيكية في الهواء الطلق، فإنها تضيف إلى الناس عبئاً صحياً جديداً.

إن القول إن لدينا أولويات أهم لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل المشكلة. المطلوب أن نعمل بالمتاح، وأن نبدأ بخطوات واقعية لا تحتاج كلها إلى ميزانيات ضخمة.

يمكن للحكومة والسلطات المحلية وصناديق النظافة البدء بتنظيف قنوات السيول قبل موسم الأمطار، ووضع حواجز ومصائد للنفايات في المواقع التي تتجمع فيها المخلفات، وتوفير حاويات في الأسواق والأحياء، وإطلاق مشروعات تجريبية لفرز البلاستيك في عدد محدود من المدن، ثم توسيعها تدريجياً.

كما يمكن إنشاء نقاط لشراء العبوات البلاستيكية من المواطنين، ودعم المشاريع الصغيرة التي تجمع البلاستيك وتفرزه وتضغطه تمهيداً لإعادة تدويره، وتنظيم أوضاع العاملين في جمع النفايات وتوفير أدوات الحماية لهم. ويمكن إشراك القطاع الخاص والمستوردين والمصانع في تمويل هذه البرامج، لأن كلفة النفايات يجب ألا تتحملها البلديات والمواطنون وحدهم.

وأدعو الحكومة والوزارات المختصة والسلطات المحلية والمسؤولين إلى إعداد خطة وطنية تدريجية للتعامل مع النفايات البلاستيكية، تشمل تحديد مصادرها وكمياتها، وتحسين الجمع والنقل، ومنع المكبات العشوائية، وتشجيع الفرز، ودعم إعادة التدوير، وسن القوانين الخاصة بالمنتجات أحادية الاستعمال، ومراقبة تنفيذها.

كما أدعو المنظمات الدولية والمحلية العاملة في اليمن إلى اعتبار إدارة النفايات وحماية مصادر المياه جزءاً من برامج الصحة والمياه والأمن الغذائي، لا نشاطاً تجميلياً ثانوياً. فتنظيف قناة تصريف قبل السيل قد يحمي حياً من الفيضان، وجمع البلاستيك قبل تفتته قد يحمي أرضاً زراعية أو بئراً أو ساحلاً لسنوات.

مسؤولية الجامعات ومراكز البحث

تحتاج بلادنا إلى دراسات ميدانية تحدد حجم انتشار الميكروبلاستيك والنانوبلاستيك في مياه الشرب والآبار والسواحل والأسماك والتربة الزراعية. لا يمكن إدارة خطر لا نقيسه، ولا يمكن وضع حلول مناسبة اعتماداً على بيانات مستوردة من دول تختلف عن اليمن في المناخ والبنية التحتية وأنماط استهلاك البلاستيك.

وينبغي دعم الجامعات والباحثين لإنشاء مختبرات متخصصة، وتطوير أجهزة استشعار منخفضة الكلفة، ودراسة كفاءة محطات المياه المحلية في إزالة الجسيمات الدقيقة، وتحديد أكثر أنواع البلاستيك انتشاراً في البيئة اليمنية.

كما يجب ربط البحث العلمي بالبلديات والمؤسسات الحكومية، بحيث تتحول النتائج إلى خرائط لمناطق التلوث، وخطط لتنظيف الأودية، ومعايير لمراقبة مياه الشرب، وتوصيات قابلة للتنفيذ، لا أن تبقى الدراسات محفوظة في المكتبات.

الإعلام والتعليم والمساجد شركاء في الحماية

الإعلام مسؤول عن تقديم القضية بجدية من دون تهويل. فالعناوين التي تزعم أن الميكروبلاستيك أصبح سبباً مؤكداً لكل مرض قد تجذب الانتباه، لكنها تضر بالثقة العامة. المطلوب إعلام يشرح ما أثبته العلم، وما يرجحه، وما لم يُحسم بعد، مع التأكيد أن عدم اكتمال الأدلة ليس مبرراً للاستمرار في تلويث البيئة.

وفي المدارس والجامعات، يجب ألا يقتصر التعليم البيئي على تنظيم يوم نظافة سنوي. ينبغي أن يتعلم الطلبة دورة حياة المنتج البلاستيكي، وكيف يتحول إلى جسيمات دقيقة، ولماذا يصعب استرجاعه بعد انتشاره، وكيف يمكن للعلوم والهندسة والقانون والاقتصاد أن تتعاون لحل المشكلة.

وللمساجد ودور العبادة دور مؤثر؛ فالنظافة وعدم الإفساد في الأرض وحماية الماء وترشيد الاستهلاك قيم دينية وأخلاقية أصيلة. ويمكن لخطب الجمعة والدروس والأنشطة المجتمعية أن تربط بين رمي العبوة في الطريق وبين وصولها لاحقاً إلى الماء والغذاء، وأن تحول حماية البيئة من شعار عام إلى التزام يومي.

كما تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي نشر ثقافة عدم رمي النفايات في مجاري السيول، والإعلان عن حملات التنظيف، وتشجيع الناس على تسليم العبوات إلى نقاط التجميع، وإظهار النماذج الناجحة في الأحياء والمدارس والقرى.

ما يستطيع الفرد فعله

لا يستطيع الفرد وحده حل أزمة عالمية، لكنه يستطيع التوقف عن المشاركة في تفاقمها. يبدأ ذلك بعدم رمي النفايات في الشوارع والأودية، وتقليل استخدام المنتجات أحادية الاستعمال، واستخدام الأكياس والعبوات القابلة لإعادة الاستخدام، وفرز البلاستيك متى توفرت جهة تستطيع جمعه، وعدم حرقه في الأماكن المفتوحة.

كما يستطيع المواطن المشاركة في حملات تنظيف الأودية قبل موسم الأمطار، والإبلاغ عن المكبات العشوائية، وتوعية أسرته وأطفاله، وتشجيع المتاجر على تقليل الأكياس الرقيقة، ودعم المشاريع التي تستخدم العبوات القابلة للاسترجاع.

لكن من غير العادل أن تُلقى المسؤولية كلها على المستهلك، بينما تُغرق الأسواق بمنتجات لا بدائل لها ولا نظام لاسترجاعها. الدولة والصناعة والمستوردون يتحملون المسؤولية الأكبر في تصميم النظام الذي يحدد ما يُنتج ويُستورد، وكيف يُعبأ، وأين يذهب بعد الاستعمال.

إنذار مبكر يجب ألا نتجاهله

المشكلة ليست أن البلاستيك موجود في كل مكان فحسب، بل إننا نواصل إنتاجه واستهلاكه ورميه بمعدلات تجعل عملية التنظيف أصعب كل يوم. الجسيمات الكبيرة يمكن جمعها، أما الجسيمات التي تصل إلى نطاق الميكرومتر والنانومتر فتحتاج إلى أجهزة متقدمة وطاقة كبيرة ومعالجات معقدة، وقد لا يمكن استعادتها بالكامل بعد انتشارها في البحار والتربة والهواء.

لقد علمني العمل على مشروع استشعار الجسيمات البلاستيكية أن أول خطوة في حماية الإنسان هي جعل الملوث غير المرئي مرئياً وقابلاً للقياس. لكن القياس يجب أن يتحول إلى قرار، والقرار إلى تشريع، والتشريع إلى بنية تحتية ورقابة وتعليم وسلوك مجتمعي.

التلوث بالميكروبلاستيك والنانوبلاستيك خطر بيئي محقق، أما حجم تأثيراته الصحية التفصيلية فما يزال موضوعاً لبحث علمي سريع التطور. وهذه الحقيقة يجب ألا تدفعنا إلى الذعر، لكنها لا تسمح لنا أيضاً بالانتظار حتى تتراكم الأدلة على حساب صحة الأجيال.

إن المطلوب تحالف واسع تشارك فيه الحكومة والسلطات المحلية والجامعات والمصانع والمستوردون والمنظمات والإعلام والمدارس والمساجد والأسر. فكل قطعة بلاستيكية نمنعها اليوم من الوصول إلى الشارع أو مجرى السيل هي آلاف أو ملايين الجسيمات التي قد لا تصل غداً إلى مياهنا وتربتنا وغذائنا وأجساد أطفالنا.

لسنا أمام مشكلة تخص علماء البيئة وحدهم، بل أمام اختبار لقدرتنا على حماية صحتنا ومياهنا وغذائنا ومستقبل بلادنا. والحرب والظروف الصعبة لا تعني أن نتوقف عن حماية الحياة، بل تعني أن نختار حلولاً واقعية، وأن نبدأ بما نستطيع، وأن نمنع الخطر قبل أن يصبح أكبر من قدرتنا على مواجهته.