سُؤال عن معنى آيتين متشابهتين
البارحة، وأنا أتحدث مع بعض الأصدقاء الأعزاء؛ وهو الأخ الحبيب محسن باعمر، سألته على سبيل المذاكرة، عن سبب الاختلاف بين هاتين الآيتين الواردتين في سورتي (يوسف)، و(القصص)؛ بشأن يوسف وموسى، عليهما الصلاة والسلام.
فالآية الأولى الواردة بشأن يوسف -عليه السلام- جاءت على هذا النحو: (ولمَّا بَلغَ أشدَّهُ؛ آتينه عِلمًا وحُكمًا؛ وكذلك نجزي المحسنين). (يوسف: 237).
أمَّا الواردة بشأن موسى -عليه السلام- فقد وردت بشيءٍ من الزِّيادة والاختلاف وهي: (وَلمًّا بلغ أشدَّهُ، واستوى؛ آتينه عِلمًا وَحُكمًا؛ وكذلك نجزي المحسنين). القصص: 14).
= فَأجابَ مَا حَاصِلهُ أنَّ النبوة جاءت موسى في الأربعين، أمَّا يوسف فَقبلَ ذَلِك. وهو جواب صَائبٌ في مجمله.
وَمَعَ شَيءٍ من التفصيل؛ حتى نستجلي معنى الآية بشرح بعض معانيها التي قد تغمض على كثيرٍ مِنَّا؛ فلنبدأ بمعنى هذه الجملة الفعلية (بلغ أشدَّه).
وهو السِّنّ الذي تكتمل فيه قوة المرء، وعقله، وتمييزه. (الكشاف، للزمخشري: 3/ 144).
وقد اضطربت أقوال المفسرين في تحديد مدته، واختلفت على أقوال كثيرة يحتار معها المرء في تعيين هذه المُدَّة.
ويذهب الإمام المفسر القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن»، إلى أنَّ بلوغ الأشد هو: بلوغ الحُلُم، أو بلوغ سِنَّ النكاح؛ بدليل قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم). [النور: 59]. وقوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن؛ حتى يبلغ أشدَّه). [الإسراء: 34].
وبلوغ الأشد يبينه هذه الآية: (حتى إذا بلغوا النِّكاح، وآنستم منهم رشدا). [النساء: 6].
إذَنْ فبلوغ الأشد هو بلوغ الحلم أو سِنَّ النكاح.
والبلوغ -كما يقول القرطبي-: يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرِّجَال والنساء، واثنان يختصان بالنساء. وهما: الحيض، والحبل.
فَأمَّا الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأنَّ الفرائض والأحكام تجب بهما.
واختلفوا في الثلاث. فأمَّا الإنبات والسنَّ. فقال الأوزاعي، والشافعي، وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب، وأصبغ، وعبد الملك بن الماجشون، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة. واختاره ابن العربي المالكي.
وعن أبي حنيفة في الأشهر عنه: تسعةَ عَشرَ عامًا للذكر، وسبعة عشر عامًا للأنثى. (5/ 35).
وبهذا يَتبينَ أنَّ يوسف آتاه الله النبوة أوان بلوغه سِنَّ الشباب. أمَّا موسى عليه السلام فقد تأخرت به سنه حتى استوى؛ فأوتي العلم والحكمة.
ويذكر الإمام المفسر القرطبي -رحمه الله- عن بعض الصوفية أنَّ فائدة قوله عن يوسف عليه السَّلام: (وَلمَّا بَلَغَ أشدَّهُ آتيناه حُكمًا وَعِلمًا)؛ إنما أعطاه ذلك إبَّانَ غَلَبَة الشَّهوة؛ لِتَكونَ لَهُ سَببًا للعصمة. (9/ 169).
وهنا يأتي السؤال الثاني؛ عن معنى الاستواء؟
فيذكر القرطبي معنى «الاستواء» الوارد في القرآن على مَعَانٍ عِدَّة؛ ويقول: «الاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. قال الجوهري: واستوى من اعوجاج. واستوى على ظهر دابته؛ أي استقرَّ. واستوى إلى السَّمَاء؛ أي قَصدَ. واستوى؛ أي استولى، وظهر. قال:
قَد استوى بِشرٌ عَلى العِراقْ
من غير سَيفٍ وَدَمٍ مِهرَاقْ
واستوى الرجل؛ أي انتهى شبابه. واستوى الشيء إذا اعتدل». (7/ 220).
فيكون معنى الآية أنَّ موسى حين تناهى شبابه ببلوغه الأربعين آتاه الله العلم والحكمة.
بقيت ثلاث سور وردت فيها كلمة «أشُدّ» الأولى في (سورة الكهف)؛ بشأن اليتيمين صاحبي الكنز؛ في قِصَّة مُوسَى والخضر: (وأمَّا الجدار، فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحًا؛ فأراد ربك أن يبلغا أشُدَّهُمَا، ويستخرجا كنزهما رَحمةً من ربك). [الكهف: 82].
وهذه الآية مع الآية التي قبلها المتعلقة باليتيم تؤكد أنَّ بُلوغُ الحُلُم؛ أي سِنَّ النِّكَاح هو السِنّ المناسبة التي يتأهل فيها اليتيم؛ للتَّصرُّف في ماله، فيما لو آونس منه الرشد.
وفي هذه الآية نرى أنَّ الله قَدَّر وقت بلوغ اليتيمين هذا السِنَّ؛ لاستحقاق العثور على كنزهما المدخور لهما، والتصرف فيه؛ لعلم الله السَّابق بأنهما مع كونهما قد بلغا أشدهما، فهما أيضًا راشدان يحسنان التَّصرُّف وحفظ المال.
أمَّا الآية الثانية: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثُمَّ من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مُسَمَّى ثم نخرجكم طِفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم. ومنكم من يُتَوفَّى، ومنكم من يُردُّ إلى أرذلِ العمر؛ لكيلا يعلم من بعد عِلمٍ شَيئا). [الحج: 5].
ولا كلام عليها. وإن كنت أستشكل كلام الشيخ الشنقيطي في تفسيره «أضواء البيان» في جعل جملة (ومنكم من يتوفى)، مقصورة على وفاة الشَّخص في حال طفولته. فقال: «ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل أي من قبل بلوغه أشده». (4/ 270).
ولا أدري كيف استنبط من هذه الجملة، وَأفادَ منها تحديد وفاته في هذه المرحلة؛ مع أنَّ الجملة عامَّة ومطلقة. فقد تكون الوفاة في حال طفوليته، أو حين بلوغه أشده؛ فتخترمه المنية في أول شبابه، أو في مشيبه.
ولعله وهم في ذلك؛ فَظَنَّ أنَّ شِبهَ الجملة (من قبل) من الآية، وليست كذلك؛ وَإنَّمَا جَاءَ بها من عنده.
أمَّا الآية الثَّالثة فهي: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه). [الأحقاف: 15].
وقد تُفَسِّر هذه الآية الواردة في (سورة الأحقاف)، معنى الاستواء الوارد في (سورة يوسف). بمعنى أنَّ الأربعين هُوَ استواء الشباب ومنتهاه وغَايته وحَدُّه.
قال ابن عطية: «وَإنَّمَا ذَكرَ تعالى الأربعين؛ لأنها حَدُّ للإنسان في فلاحه ونجابته...
قال أيمن بن خريم الأسدي:
إذَا المَرءُ وَفَّى الأربعينَ وَلَمْ يَكُنْ
لَهُ دُونَ مَا يَأتِي حَيَاءٌ وَلا سِترُ
فَدَعْهُ وَلا تَنفِسْ عَليهِ الذي ارتَأى
وَإنْ جَرَّ أسبابَ الحَيَاةِ لَهُ العُمْرُ»
وذكر ابن عطية أنها في مصحف ابن مسعود: (حتى إذا استوى أشُدُّه؛ وبلغ أربعين سنة).
فَتكون جملة (وَبَلغَ أشُدَّهُ)، كالتأكيد والتفسير لجملة استوى أشده، أو بلغ أشده. وقد يرجح كونها جملة سيقت لمعنى التأكيد والتفسير، أنها لو كانت تؤسس لِمَعنىً جديد؛ فما الفائدة بالإتيان بجملة (بلغ أشُدَّهُ) قبلها؟
فقد كان بالإمكان سقوطها، والاكتفاء بقوله: (حتى إذا بَلغَ أربعين سنة)؛ لأنَّ من بلغ أربعين سنة؛ فَلا شَكَّ أنه يكون قد بلغ أشده.
وقد تكون نكتة المجيء بها؛ فيما إذا اعتبرنا جملة (وبلغ أربعين سنة) تؤسس لمعنى جديد، أنه جيء بجملة (بلغ أشده)؛ المعبرة عن عنفوان الشباب وريعانه وبهجته أولاً، ثُمَّ ذَكَرَ غاية هذا الشباب ومنتهاه ببلوغ الأربعين سنة.
وَذَكَرَ القرطبي عن الطَّبري على قوله تعالى: (وكذلك نجزي المحسنين). «هذا، وَإنْ كان مخرجه ظَاهرًا على كُلِّ مُحْسِن؛ فَالمراد به محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ يقول الله تعالى: كما فعلت هذا بيوسف بعد أن قَاسَى ما قاسى، ثُمَّ أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من مُشرِكِي قَومك الذين يقصدونك بالعداوة، وَأمُكِّن لك في الأرض». (9/ 162).
