الإثنين 20 يوليو 2026

ما بعد هرمز

تترافق الحرب الأمريكية الإسر--ائيلية على إيران مع معالم وشواهد يعيد ترسيم حدودها العقل اليانكي الص_ _هيوني، لترسيم حدود عالم مفاتيحه حصراً تحت هيمنة ما بعد طرح شعار: America First و To Make America Great Again. هو شعار صقور اليمين المسيحي المتصهين المهيمن على مفاتيح الدولة العميقة بأمريكا، ويمتلك رصيداً يعيد توجيه مدافعه المالية لتأكيد زعامة ترامب، أبو الصفقات الشيطانية. فالانتخابات النصفية للكونغرس تمثل تحدياً لا بد من كسبه، أي تعزيز مكانة ترامب بما تمثله مقولة "أمريكا أولاً"، ليس فقط إمعاناً بتلويحات ذات أبعاد شيطانية مع إيران والحرس الثوري بعد سقوط دولة الملالي، بغياب المرشد الأب وصعوبة مركز الابن تحت لواء الحرس الثوري.

قراءة صهيوأمريكية تقوم على مفهوم "أمريكا أولاً"، فالأهم في معادلات الصراع على قيادة العالم بعد معركة هرمز، أو كما ينظرون إليها باعتبارها تمثلاً لمعركة هرمجدون وعودة المسيح المظفرة بقوة ترامب ونتنياهو، عالم لا مكان فيه لإيران الملالي أو الحرس الثوري، دولة تقارع وتمتلك سلاحاً نووياً، مع قطع شرايين أحلام من يفكر أن أمريكا ترامب ستغادر هرمز بتلك الطريقة المذلة التي خرجت بها أمريكا بايدن من أفغانستان.

هناك فرق، حيث إن تجديد أمريكا، كما تبين يوم أشعلوا جذوة وهج ذكرى استقلالها مؤخراً، هو توجه التحدي والتفرد والحسم بالقول: أمريكا أولاً. لا مكان للشيوعية كما يراها هاجساً يزعج مضاجعه، كما كررها ترامب، ولا سماح بتفوق صيني، مع التلاعب بالألفاظ بشأن مفهوم ترامب لإنهاء حالات الحروب التي هم أساسها بكل مكان. لا تخلو اليد الأمريكية، ناعمة أو خشنة، من مقولات الحروب وإحلال السلام. كلها مفاهيم تعكس ثلاثة مفاهيم أمريكية صهيونية تتمثل بما يلي:

- الحرب وسيلة لتأديب الآخر وإرهاقه أو تصفيته، كما هو الحال مع إيران أو كما جرى لمادورو وما يجري مع كوبا.

- إضعاف مكانة الأقطاب المنافسة، خاصة الصين وروسيا، فالتربع على قمة هرم العالم أهم من أي اعتبار آخر.

- ستظل قوة ومكانة الدولة الصهيونية الأداة المكونة تاريخياً لإثارة النزاعات، وعبرها يأتي دور المنقذ الأمريكي، خاصة بعد تعطيل دور مؤسسات النظام الدولي القديم. ترامب الملك المتوج على عرش أورشليم القدس، بعد تكوين مجلس السلام العالمي بديلاً لمجلس الأمن، ومعه غُيِّب استحقاق الدولة الفلسطينية، ليصار مكانها ضمن ملفات تطبيع الإبراهيمية التي ستلوح خريطتها على ضوء مجريات حرب هرمز، التي تمثل بفقه الزمرة الصهيوأمريكية إنجازاً مماثلاً لإسقاط الاتحاد السوفيتي، الذي مثل تحدياً كان لا بد من القضاء عليه.

إذن، العالم مقبل على لوحة عالمية بنقوش أمريكية تمارس الرقص بلحن مزامير داود، بهيمنة عالم ما بعد الذكاء الصناعي، ممول صهيونياً ومدار أمريكياً عبر شركات تسابق الزمن الآتي بملامح مستجدة، تدير محركاتها شركات عملاقة تكنولوجياً لمرحلة ما بعد الذكاء الصناعي.

لذا نرى أوروبا باتت مجرد تابع، ونجد الصين منافساً لن يسمح له بالتفوق، بينما روسيا ستحاصر بالحرب عسكرياً عبر أوكرانيا، أو إثارة قلاقل داخل جمهورياتها، وإرهاقها اقتصادياً عبر ابتداع نظام متعدد العقوبات، وكوريا الشمالية، مثل كوبا، ستعزل وتحاصر.

من هنا نقول إن حرب هرمز ستركز في محطاتها المتتالية على أمور:

- ضرب وحصار إيران يقصد من ورائه محاصرة الصين أولاً، ومزيد من الانتهاك لروسيا.

- تحويل وضع الدول العربية ضمن لوحة الشرق الأوسط المهشمة ليزداد تهشيم كيانها السياسي عبر تصعيد حروبها الداخلية نحو مزيد من التفتيت، ليتحقق ما كان مطلوباً مما سموه بثورات الربيع العربي.

السودان يحبو على الطريق، ليبيا تغازل المزيد من سيناريوهات التقسيم، العراق يدلل أمريكياً ليتم تنفيذ ما بدأه برايمر، سوريا قد استوى أمرها ودخلت قفص العرس الأمريكي الصهيوني، لبنان على الطريق، الخليج واليمن، ها هي نذر حرب طاحنة تلوح، ولن تنتهي إلا على إيقاعات مزامير داود وفق خرائط التطبيع وإعادة التشكيل.

مصر العزيزة محاصرة اقتصادياً ضمن منولوج برامج صندوق النقد الدولي. المغرب العربي، الجزائر، المغرب، موريتانيا، محاصر بمشاكله، خاصة الجزائر، أما المغرب فأصابع من يعزف على مزامير داود كثيرة.

ولكن رغم ذلك، فإن حتمية التاريخ تصنعها الشعوب، ولن أخاطر بالقول إن قلت إن ركيزة الشرق الأوسط برمته ستستمد قوتها من مكانة وتأثير مصر، إن أدرك العقل الجمعي العربي بأن المثل العربي القديم: "ما حك جلدك مثل ظفرك". العرب بحاجة لمشروعهم الخاص.

حرب إيران الأمريكية الصهيونية تهدف لدمار إيران بنظامه الجيوسياسي المغاير للغرب الأمريكي، ودمار إيران سيعني دمار الجوار كله، وإعادة صياغته وفق مصالح من يهدف ويلوح بإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط الكبير، والأمر بين لمن لم يفهم بعد.